عندما اجتاحت ثورات ما اسمي بالربيع العربي بلدان المنطقة العربية خلال العامين المنصرمين ، تفاءل الكثيرون خيرا آملين فى أن تشكل تلك الحركات الجماهيرية عبورا من نظم تسلطية فاسدة الى نظم ديمقراطية تنتهج طريق العدالة والحرية وحقوق الإنسان. وكان مبعث ذلك التفاؤل هو الانفتاح الكبير الذى أصبحت تتمتع  به الأجيال الشابة فى اقطار الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ، على  التطورات الهائلة فى الساحة السياسية الدولية رفضا لأساليب حكم عفا عليها الزمن فى تناقضها شكلا وموضوعا مع متطلبات العصر الحديث . ولا يستطيع احد ان يستهين بالتحديات الكبرى التي صاحبت ثورات الجماهير العربية تلك ، لأن ما تراكم من مشاكل  فى حياة تلك الشعوب طوال عقود من الزمن ،لا يمكن تسويتها فى عام او اثنين ولكنها تحتاج لوقت اطول مما تتصوره الجماهير التي صنعت تلك الثورات .
غير أن شواهد وتداعيات هذه الهزات العنيفة فى الكيانات السياسية لبعض الدول العربية قد جلبت معها تطورا خطيرا يهدد تلك الكيانات بالتفتت والانهيار وربما الفوضى العارمة التي تضيع معها كل الآمال المعقودة على تلك الثورات. ويهمنى فى هذا المقال أن أسلط الضوء على هذا الخطر الماحق والذى يمكن تسميته بخطر ضياع كيان الدولة وانهيار مؤسساتها وخروج تلك الدول من منظومة الدول الحديثة التي وضع العالم أساسها فى القرن السابع عشر الميلادى فى صورة الدولة الوطنية  بعد معاهدة وستفاليا ، وتعارفنا عليها نحن فى العالم العربى فى القرن العشرين .
من الملاحظ أن بلدان الربيع العربى فى تونس وليبيا ومصر واليمن ( وسوريا فى الطريق) انفرط فيها عقد مؤسسات الدولة الحديثة وأصبح النظام السياسي فى كل منها لا يقوم على المؤسسات الثلاثة المتعارف عليها وهى السلطة التنفيذية والسلطة القضائية والسلطة التشريعية ، وأصبحت حالاتها تعكس التداخل والتنازع والتفتت فيما بين هذه السلطات ، الأمر الذى أضاع مفهوم السيادة فى الدولة وانكفأ الناس فيها إلى كيانات قبلية وإثنية وطائفية ودينية وعشائرية . وذلك كله يجر تلك البلدان الى هوة سحيقة تنتفى معها انتماءات تلك الشعوب لعصر المؤسسات والدول والتي ظن الناس أنها الوحدات التي ستبقى بعد الحرب العالمية الثانية ، وإن تغيرت فانها ستتغير بالتكامل أو الإتحاد والوحدة ، وليس بالتشرذم والفوضى وانهيار المؤسسات!
لقد أصبح القانون فى العديد من هذه البلدان فى أيدى الأفراد أو المليشيات أو الجماعات المسلحة من كل طيف ولون ولم يعد فيها ما يسمى بسيادة القانون ولم تعد فيها أجهزة للشرطة تحفظ النظام وتحمى الناس وترعى حقوقهم وتحرس ممتلكاتهم. بل أن عددا من هذه الدول لم يعد لديه جيش وطنى متماسك يقوم بحماية حدوده وأمنه القومى ، وليس لدي معظمها قضاء فاعل يفصل فى منازعات المواطنين ، ناهيك عن زوال  إمكانية التقاضى  حول دستورية أفعال السلطات المركزية التي هى الأخرى لا حول لها ولا قوة ، وهى تجلس على كم هائل من الفوضى والمنازعات والمشاكل وتعجز عن التعامل معها لأنها لا تملك أدوات الحكم الفاعلة ، أو أنها لا تملك المصداقية لتنفيذ ما تعلنه من أحكام ومواقف ، وكلها تضيع فى مسرح اللامعقول الذى يجرى فى هذه البلدان .
إن السؤال الخطير المطروح الآن ، يتمحور حول مصير بلداننا العربية  هذه ...فهل هى فى طريقها لتحتل مواقعها فى قائمة ما يسمى فى العلوم السياسية بالدول الفاشلة ؟ أم أنها  تعيش مخاضا انتقاليا قاسيا ستجد الطريق للخروج منه إلى بر آمن يكفل لها ولمواطنيها العيش فى كنف المؤسسات والقانون  ؟ ولا شك أن الحالة الصومالية المفزعة ستخطر على ذهن القارئ لهذا المقال ، إن لم تتمكن هذه الدول من الخروج الآمن  من هذه المرحلة الانتقالية الحرجة. ويحضرنى هنا ، أن بعض هذه الدول يقوم الناس فيها بحصار المحاكم ليفرضوا عليها أن تصدر أحكاما تتلاءم وتوجهاتهم السياسية ، أو أن بعضهم يحاصرها لتصدر أحكاما تتلاءم ومصالح ذويهم المرتكبين لجنايات خطيرة ، أو أنهم يحملون السلاح لإخراج أهليهم ورفقائهم السياسيين من السجون . وربما شاهد القارئ مشاهدا لقضاة وهم يتلون أحكاما فى عجلة مذهلة  وفى حراسة مدججة بالسلاح ثم يسرعون فى الخروج من قاعات المحاكم لكيلا يفتك بهم أولئك الذين ينتمون لفئة أو عائلة لم ترض بما أصدروه من أحكام! ليس هذا وحده ، بل أن أهل المرضى فى بعض هذه الدول أصبحوا ينتظرون المرضى من ذويهم فى المستشفيات ليفتكوا بالأطباء وأطقم التمريض ويحطموا اثاث المستشفى إذا ما توفى المريض !! وكل ذلك من مظاهر تصدع مؤسسات القانون وتراجع سيادة الدولة والعودة إلى عصور الهمجية والفوضى  قبل ظهور الكيان المؤسسي الحديث للدولة !  وبعبارة موجزة فقد عجزت الدولة كمؤسسة عن توفير الأمن لمواطنيها ، وفقدت سلطة الردع للخارجين عن القانون ، وفى بعض الحالات أضطر مئات الآلاف من الهروب خارج بلدانهم بحثا عن أمن وأمان افتقدوه فيها.
علينا أن ندرك فداحة الخطر المحيط بهذه البلدان ، وذلك المحدق بما تبقى من دول المنطقة العربية ، والذين يعتقدون أنهم فى مأمن من حالات الدولة الهشة هذه ، يعيشون فى أوهام أو أحلام ليس لها ما يسندها من مدلولات الواقع السياسي وتداعياته المتلاحقة  فى كل أرجاء المنطقة العربية. وإذا ما نظرنا إلى أبسط التعريفات لكيان الدولة كأرض وشعب وحكومة ، فهى – أى الدولة - تعتبر أمرا طبيعيا فى التطور السياسي  وهى تشكل مؤسسة ضرورية وحيوية لضبط حياة المجتمعات البشرية. كما أن بعض التعريفات للدولة تصر على إعطاء أولوية لسيادة القانون فى هذا الكيان ، وبدون ذلك لا يستقيم التعريف ولا يجد قبولا من الوجهتين العملية والنظرية على حد سواء. ومن ناحية أخرى رأينا كيف تتدافع التساؤلات والتصورات والتى لا يخلو بعضها من إشارات لنظرية المؤامرة التي تذهب إلى تمزيق الكيانات السياسية العربية على أسس دينية أو طائفية أو إثنية ، فى إطار ما يسمى بخارطة الشرق الأوسط الجديد!
وفى كل الأحوال فإن الأوضاع العربية لا تبعث على الاطمئنان ولكنها تبعث على الفزع والقلق الشديدين ، ولن تكف العقول والعيون عن الرصد والمشاهدة لترى إن كانت حالات الفوضى والانهيار هى المآل والاختيار ، أم أن ثمة جهد سيبذله العقلاء للتمسك بالانتماء للقرن الحادى والعشرين فى خيارات سياسية ملتزمة بدولة القانون وسيادة العدالة وحقوق الإنسان وصيانة المؤسسات المدنية التي تحفظ ما تعارفت عليه الحضارة الإنسانية من خيارات  ووسائل لممارسة الحكم الرشيد.
لذلك فإن كيان الدولة فى المنطقة العربية فى خطر كبير ، وإن لم يبادر أهل المنطقة الالتزام بما يحقق الحفاظ على هذه الكيانات ، فإن أصحاب المصالح الدولية من كبار الدول سيلجئون لفرض أوضاع تحفظ لهم مصالحهم وأطماعهم فى هذه المنطقة دون ما التفات لمصالح الغالبية العظمى من أهلها الذين عانوا كثيرا ومازالوا يعانون.
Ahmed Gubartalla [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]
//////////////