شاهد العالم على شاشات التلفزيون وموقع اليوتيوب،بكثير من الدهشة والاستغراب ،فى السادس عشر من شهر أغسطس  الماضى رجالا من شرطة جمهورية جنوب إفريقيا وهم يطلقون النار على جمهرة من عمال المناجم ، كانوا يركضون نحو الشرطة وهم يحملون السلاح الأبيض من الهراوات والمناجل والسواطير. وقد قتل فى تلك الحادثة نحو أربعين من هؤلاء العمال،وترتب عليها دوى سياسى هائل داخل جنوب إفريقيا وخارجها ، لما حملته من معانى ومدلولات كثيرة تهدد الكيان السياسى لذلك البلد ذى الأهمية الكبرى  .
بالطبع لقد قرأنا العديد من المقالات ، وظهرت الكثير من التحليلات منذ وقوع ذلك الحادث المؤسف،لكن أصداءه لن تنتهى أو تزول بسهولة ، وعليه فإن الغرض من مقالى هذا هو  التركيز على بعض المسائل الخطيرة المرتبطة بهذا الأمر الجلل.
لكى نضع ذلك الحدث فى إطاره الصحيح فلا بد لنا من إدراك بعض الحقائق الهامة. أولاها أن جنوب إفريقيا لها خصوصية فى التاريخ السياسي والدولى المعاصر،تجعل ما يجرى فيها أمرا يثير الاهتمام على المستوى الدولى كله. ومعنى ذلك أن جنوب إفريقيا تنفرد فى خروجها  بسلام من نظام عنصرى بغيض ، ذى أبعاد سياسية واقتصادية واجتماعية بالغة التعقيد،إلى نظام ديمقراطى حديث يسعى لإقرار حقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية برغم الصعوبات الهائلة التي تعترض سبيل ذلك. وبهذا تعتبر جنوب إفريقيا مختبرا لتجربة سياسية بالغة الأهمية ، ستظل مقصدا فى التغلب على تحديات الانتقال من نظم عفا عليها الزمن إلى نظم تنتمى إلى عالم القرن الحادى والعشرين وما بعده.
الحقيقة الثانية:أن جنوب إفريقيا هى صاحبة أكبر واقوى اقتصاد فى القارة الإفريقية،ليس فقط من حيث الحجم ،ولكن ايضا من حيث التنوع بين كل المصادر المعروفة للثروة ، سواء كان ذلك فى مجال الزراعة والثروة الحيوانية والسمكية،أو استخراج المعادن النفيسة (الذهب والبلاتين وغيرها)أو الصناعة الحديثة ، أو السياحة المنظمة والراقية الممتعة،ثم العديد من الخدمات المرتبطة بموقعها الإستراتيجى الهام. وعلى سبيل المثال،عندما وقع حادث الصدام بين عمال المنجم المشار إليه أعلاه ، وتوقف العمل فى ذلك المنجم الذى يستخرج منه معدن البلاتين ، ارتبكت أوضاع هذا المعدن النفيس فى بورصات العالم وأسواقه،لأن جنوب إفريقيا لديها 80% من الإحتياطى العالمى لذلك المعدن. وتلك إشارة بسيطة لما يمكن أن يحدث خارج جنوب إفريقيا  لأحداث سياسية أو اقتصادية تقع داخلها. ( تنتج جنوب إفريقيا أيضا حوالى 270 ألف كيلوجراما من الذهب فى العام ويأتى ترتيبها فى المرتبة الثانية فى إنتاج الذهب عالميا بعد الصين).
أما القضية الثالثة والهامة فى وضع حدث الموت عند ذلك المنجم فى جنوب إفريقيا،تعود إلى الفرضيات السياسية التي قامت عليها جمهورية جنوب إفريقيا الحديثة منذ استقلالها وانتهاء نظامها العنصرى فى عام 1994. والمعروف أن هذه الفرضيات قامت أساسا على ما اصبح يسمى " روح نيلسون مانديلا"  التي تقوم على نبذ العنف والالتزام بالسلم والحصول على الحقوق بالنضال السياسي وعبر آليات الديمقراطية ، لأن العنف والصدام الدموى لم يكن هو الخيار لشعب جنوب إفريقيا للانتقال من جراحات الماضى والتعامل مع تحديات المستقبل.ويظل شعب جنوب إفريقيا متمسكا بهذا الطريق الحكيم،بالرغم من مظاهر الظلم الإجتماعى وسوء توزيع الثروة الموروث عن نظام عنصرى جثم على صدر جنوب إفريقيا للمئات من السنين. وقد أدى حادث المنجم إلى ارتفاع أصوات معارضة لحكومة المؤتمر الوطنى الإفريقى تنادى باتخاذ إجراءات كبرى تحقق للعمال مطالبهم فى تحسين أوضاعهم ،ومنها تأميم المناجم فى جنوب إفريقيا.وعلى رأس المطالبين بمثل هذه الإجراءات المعارض الشرس جوليوس ماليما الذى طالب ايضا باستقالة الرئيس جاكوب زوما من منصبه بسبب واقعة قتل العمال عند المنجم. كما أن المعارضين الآخرين فى التحالف الديمقراطى والمؤتمر الشعبى ، تعالت أصواتهم دفعا بذلك الحادث فى تأجيج نيران المعارضة ، وهم يدركون أن ذلك ربما يخدم بعض أهدافهم فى الإطاحة بالرئيس جاكوب زوما عند انعقاد مؤتمر اختيار القيادة فى شهر ديسمبر المقبل.
لا شك أن عرض الحقائق الثلاثة السابقة،يعيننا على فهم جسامة ما أشعلته حادثة منجم البلاتين فى جنوب إفريقيا ، فى إطارها الواسع والكبير،بحسبانها تعبيرا عن مشكلات كبرى تنتظر الحل ، حتى بعد مرور ثمانية عشر عاما على سقوط نظام الفصل العنصرى هناك. ويظل السؤال المعقد والحرج هنا متمركزا حول مدى قدرة التجربة العاقلة التي انتهجتها جنوب إفريقيا للتعامل مع معضلتها الموروثة  من النظام العنصرى،مع ملاحظة أن انتهاج غير هذا الطريق قد تكون له عواقب وخيمة على أهل ذلك البلد ، لا يريدونها هم،ولا نريدها نحن لهم،ولا يريدها كل العقلاء فى إفريقيا والعالم. لذلك عندما وقع هذا الحادث المؤسف،أدلى جاكوب زوما رئيس جمهورية جنوب إفريقيا بتصريح له مغزى عميق. حيث قال : أنه مستاء وأصابته الصدمة من جراء وقوع ذلك العنف . وأنه يؤمن بأن النظام الديمقراطى لجنوب إفريقيا فيه متسع لحل أى نزاع ، مهما كان،عن طريق الحوار دونما خرق للقوانين أو اللجوء إلى العنف.
ما قاله الرئيس زوما هذا هو مربط الفرس فى السعى لطرح الأسئلة الموضوعية ومحاولة الإجابة عنها. وذلك لأن ما حرصت جنوب إفريقيا الحرة على إرسائه من قواعد ونظم ومؤسسات عليه ان يستوعب ما تواجهه من تحديات كبرى. وأهم هذه التحديات ،الاختلال الكبير فى تقسيم الثروة،وهو أمر يتظلم منه الوطنيون الذين يشكلون الغالبية العظمى من السكان،وهم مغبونون من إرث العنصرية،ومتطلعون إلى عدالة اقتصادية واجتماعية ، برغم إدراك الكثير منهم أن السنوات التي مضت فى ظل النظام الجديد،ليست بكافية لإزالة تراكمات كرستها ممارسات عبر مئات السنين فى ظل النظام القديم.
لكن الصورة الكبرى لمجريات الأحداث فى جنوب إفريقيا، تمثل ضغطا مستمرا على الحكام هناك ، لأنها معادلة سياسية واقتصادية واجتماعية غير قابلة للتجزئة على المدى الطويل. وبهذا يصعب على العامة هناك الصبر بلا حدود،وهذا يفرض على حكام جنوب إفريقيا البحث عن صياغات موزونة تحقق نوعا من التلاؤم بين الطموح الشعبى العام وبين امكانيات تحقيق ذلك الطموح فى إطار السلم والاستقرار والعدالة الاجتماعية،فى ظل "روح مانديلا " التي أشرنا إليها فيما سبق.
ذلك هو التحدى الأكبر الذى يواجه جنوب إفريقيا،والأمر كله يتمحور حول مواجهة تحديات المستقبل،بذخيرة وافرة من تجارب الماضى ، دون أن يختل توازن ذلك البلد العملاق .
ahmed gubartalla [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]
//////////////