أدى تفجر الأوضاع والمواجهات المسلحة فى سوريا إلى وضع مأساوى تدفق معه عشرات الآلاف من اللاجئين السوريين عبر الحدود إلى تركيا والأردن ولبنان والعراق وغيرها من البلدان الأخرى. ويقدر عدد اللاجئين السوريين هؤلاء بحوالى مائة ألف وتلك مجرد تقديرات . وبالطبع فهناك العشرات من الآلاف الآخرين غير المشمولين فى مثل هذه الإحصاءات لأنهم لا يتصلون بمكاتب مفوضية الأمم المتحدة لشئون اللاجئين برغم ما تبذله المفوضية من جهود خارقة للوصول إلى اللاجئين بغرض تسجيلهم وترتيب سبل العون الممكن لهم . لكن المهم فى كل ذلك أن الأزمة السورية وما ترتب عليها من وضع إنسانى مؤسف للغاية،تعيد إلى الأذهان ما ظللنا نردده بأن المنطقة العربية هى أكثر مناطق العالم إحداثا لحالات اللاجئين وتتكرر هذه الحالات دونما توقف. كما أن المعضلة الإنسانية المرتبطة بالأوضاع فى سوريا،تصبح أكثر تعقيدا وفداحة إذا ما وضعنا فى الاعتبار أن سوريا برغم معاناتها فهى تستضيف ما يقارب المائة ألفا من اللاجئين العراقيين وغيرهم. ولك أن تتصور المضاعفات الإنسانية للوضع الداخلى السورى حتى وإن توقف القتال المرير الدائر الآن.
لقد استمرت مأساة اللاجئين الفلسطينيين لأكثر من ستين عاما وحقوق الفلسطينيين السياسية ما زالت ضائعة فى دوامة التسلط الإسرائيلى وضعف إرادة العرب والمجتمع الدولى.وإن كانت قضية اللاجئين الفلسطينيين هى قضية سياسية بالدرجة الأولى،إلا أنها تظل أطول قضايا اللاجئين عمرا فى عالمنا المعاصر.
جاءت بعد ذلك موجات من اللاجئين العرب من العراق والسودان والصومال ،وشكلت هموما سياسية وإنسانية على أولئك اللاجئين وعلى بلادهم وعلى البلدان التي تحملت أعباء إستضافتهم . وجسدت تلك الموجات حقيقة أن ظاهرة اللجوء تظل عرضا لمرض عضال هو إما الخلل السياسى داخل تلك البلدان، أو متصلة بالغزو الأجنبى ومضاعفاته ، أو ترجع للسببين معا كما كان الحال مؤخرا فى العراق.
لقد جاء الآن دور سوريا لكونها أصبحت مصدرا للاجئين الفارين منها بحثا عن السلامة والأمن . والأدهى وأمر من ذلك أن التحركات القسرية للاجئين عبر الحدود  تصحبها أيضا تحركات قسرية للنازحين داخل البلد المتعرض للأزمة،وهؤلاء يخلقون هزة عنيفة فى السلام الإجتماعى لذلك البلد،لا يمكن مداواتها بسهولة حتى وإن توقف القتال والصراع الساخن بين السلطة ومعارضيها أو حتى فى بعض الحالات فيما بين جماعات المعارضة أنفسهم.
العبء المباشر لتحركات اللاجئين السوريين الآن واقع على كاهل الأردن وتركيا ولبنان ،ومن يدرى فقد تترتب أعباء لاحقة على دول أخرى يقيم أو يعمل فيها السوريون الذين قد لا يتمكنون من العودة لبلادهم إذا ما اتسع نطاق الصراع وصار حربا أهلية بعد زوال النظام السورى الحالى. وهنا لا بد من التنبيه،بأن مثل هذه النزاعات المسلحة لا تنتهى جراحاتها ببساطة ولكنها تظل تشوه الكيانات الاجتماعية والسياسية،وتفرز المآسى الإنسانية،وتزلزل الأرض من تحت أقدام  المجتمعات ، ويدفع ثمنها الجميع حتى وإن كانوا خارج حدود البلد المتضرر من الحرب والصراع.
إن هذا الوضع يؤكد حقيقة هامة وهى أن المعالجات الخاصة بقضايا اللاجئين فى المنطقة العربية ليست هى معالجات للمرض ولكنها معالجات للعرض. وهى بالضرورة معالجات إنسانية وليست معالجات سياسية. ولذلك فعلى الحكومات والمنظمات العربية أن تعى ما ينتظرها من مشاكل فى التعامل مع هذه القضايا،ليس من منظور التعامل مع الأعراض ولكن من منطلق التعامل مع الأمراض .
هناك بالطبع مهام عاجلة لمساعدة وحماية اللاجئين السوريين ،خاصة أولئك الذين اضطروا للفرار إلى الأردن وتركيا ولبنان والعراق،ولا شك أن على جامعة الدول العربية أن تبذل الجهود لدعم أعمال المفوضية السامية لشئون اللاجئين فى القيام بدورها بصورة فعالة وعاجلة،لأن الدول المستضيفة ،خاصة الأردن ولبنان،لا قبل لها بتوفير الموارد المطلوبة كلها فى مواجهة هذه الأعباء.وحسبما ورد فى النداء الذى تقدمت به المفوضية وشركاؤها فى نهاية شهر يونيو/ حزيران الماضى كان المطلوب حوالى 193 مليونا من الدولارات لمواجهة احتياجات الطوارئ للاجئين السوريين فى البلدان المجاورة. وقد حثت المفوضية المجتمع الدولى على المساهمة العاجلة فى ميزانية الطوارئ تلك، وأكد المنسق المختص بوضع اللاجئين السوريين، السيد بانوس ممتزيس أن مثل ذلك الدعم ضرورى وعلى المجتمع الدولى أن يرفع مستوياته بما يمكن من إغاثة هؤلاء اللاجئين.
من ناحية أخرى،ومما يبدو من علامات على السطح وما يستشعره المرء مما يختبئ فى أعماق تشكيلات النظم السياسية العربية،فإن موجات أخرى من اللاجئين ستظهر فى المنطقة العربية،وقد تكون موجات من أقطار لا يتوقعها الكثيرون .!! وبعبارة أخرى فإن المنطقة العربية تحمل فى أحشائها الكثير من مسببات الانفجار والتوتر السياسى والقضايا المؤجلة التي لا يمكن أن تظل مؤجلة إلى أبد الآبدين. ولا بد لهذه القضايا السياسية والاجتماعية من حلول مدروسة وموضوعية وراشدة، لنزع فتيل القنابل الموقوتة التي تهدد العديد من بلدان المنطقة.
هناك أيضا مسألة تؤرق المرء كثيرا وهى تتعلق بانعدام عمليات الرصد والتنبؤ والتخطيط المستقبلى عند حكوماتنا فى المنطقة  فيما يخص الطوارئ الإنسانية وعلى رأسها التحركات القسرية للاجئين عبر الحدود المختلفة. إن مثل هذا التخطيط يجده المرء فى المنظمات التابعة للأمم المتحدة ولكن الحكومات المعنية لا تعيره الكثير من الالتفات،ربما من قبيل التمنى أو الخوف من مواجهة قضايا حساسة هى تحاول تفاديها برغم احتمالات وقوعها من قراءة الأوضاع وشواهد الأحداث  وإرهاصاتها.
إن موجات اللجوء تتصاعد فى المنطقة العربية بسرعة مذهلة ومتوالية، والكثيرون منا ينظرون إليها بوصفها مشاكل إنسانية قد تنتهى بتقديم الإغاثة ومساعدات الطوارئ. وبالطبع لا يستطيع المرء إنكار الدور الحيوى الذى تلعبه مساعدات الطوارئ هذه فى إنقاذ حياة اللاجئين والنازحين، والذين يشكل النساء والأطفال أكثر من سبعين بالمائة منهم. لكن المهم فى تقديرنا أن نمد البصر قليلا لما وراء أعراض الظاهرة إلى مسبباتها ، حتى تتم المعالجات التي أشرنا إليها آنفا فى إطار من المعالجة السياسية الشاملة .وإذا ما توفرت لدى الناس الإرادة السياسية لفعل ذلك سنحقق جميعا هدف الخروج من دوامة حالات النزوح القسرى للسكان وما ينجم عنها من ضحايا وما تسببه من  تمزيق لكيانات الأوطان وانهيار للدول وانتشار للفوضى والخراب.
*نقلا عن صحيفة الراية القطرية.
Ahmed Gubartalla [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]