عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

  

لفت نظرى تصريح لمحافظ البنك المركزى السيد صابر محمد حسن ، فى صحيفة "الوطن " بتاريخ الحادى عشر من يونيو 2009 عند مخاطبته لندوة مصرف الساحل والصحراء عندما أشار إلى إصابة السودان بما يسمى بالمرض الهولندى أو بعبارة أخرى " لعنة البترول ". ودعوته لإهتمام السودان بالصادرات غير البتروليه . وعبارة " المرض الهولندى " مصطلح تعارف عليه الإقتصاديون ويقصدون به – بعبارة مبسطه- ....  حالة من التشوه الهيكلى تصيب الإقتصاد تنجم عن زيادة ملحوظه فى الدخل القومى لبلد ما ( عائدات البترول فى هذه الحاله ) ويصاحبها تدفق هائل من العملات الحره الأمر الذى يؤدى إلى  تراجع ملحوظ فى إنتاج القطاعات الإقتصادية الأخرى وقدرتها التنافسيه  ( الزراعه ، الصناعات غير النفطيه والخدمات الأخرى ) . كما يؤدى هذا الوضع إلى زيادة فى الواردات . والمحصله للإصابة بهذا " المرض الهولندى " أن يقع الإقتصاد فريسة لآثار سلبية بالغة الخطوره فيما يخص القطاعات الحيوية الأخرى ( غير البتروليه ) كالزراعة والصناعة والخدمات ... وما يرتبط من ذلك بانتشار البطاله وانكماش الصادرات وتعطيل حركة الإنتاج فى مجالات تكون للبلد فيها ميزة نسبيه وإختلال التوازن الإقتصادى من جراء  هذه الحالة المرضيه للإقتصاد المعنى  ، الأمر الذى يستدعى تدخلات ومعالجات ذات طبيعة هيكلية وجريئه . وقد أسميت هذ ه الظاهره بالمرض الهولندى لما تعرضت له هولندا فى الأعوام الستينات من القرن الماضى بسبب إكتشافات هائله للغاز الطبيعى وما ترتب عليها من آثار على الإقتصاد الهولندى وقتها . وهناك دول أوروبية وإفريقية  وآسيوية ولاتينيه  أصابها  "المرض الهولندى " هذا ، منها على سبيل المثال المملكه المتحده  والنرويج ( بسبب النفط ) وأزربيجان وماليزيا ( النفط والغاز الطبيعى )  وجمهورية شيلى ( بسبب النحاس ) ونيجريا وأنجولا  ( بسبب النفط ).

 

                      أما نحن فى السودان ، فيرى العديد من الإقتصاديين أننا دخلنا قائمة الدول المصاب إقتصادها بالمرض الهولندى هذا ، وذلك مما يلاحظونه من إنزلاقنا بشكل فائق السرعه على طريق إعتماد الإقتصاد الوطنى على النفط وحده ، دون غيره من القطاعات المنتجه الأخرى ... حيث تتهاوى قدراتنا الإنتاجية فى الزراعة والصناعه بشكل ملفت ومخيف ... وذلك منذ دخولنا عالم  المنتجين والمصدرين للنفط ( برغم تواضع العائد  بالمعدلات العالميه فى هذه المرحله ) ... آخذين فى الإعتبار أن العائد من النفط على الدوله لا يتجاوز ، فى أحسن الأحوال ، ربع إحتياجاتها من الإيرادات العامه وهو ما تشهده الآن الميزانية العامه من إختناق فى عملية تدبير الإيرادات وما يحبه من تدهور مريع فى القطاع الزراعى الذى يفترض أن يكون هو القاطرة المحركه ذات الميزات النسبيه للإقتصاد السودانى . وكم يحزن المرء عندما يرى كيف أن القطاع الزراعى فى السودان قد أصابه ما

 

                                            -2-

  

أصابه من علل وانكماشات تستدعى مراجعة جذريه وشامله تسمو على الشعارات  والأطروحات قصيرة الأمد وتعتمد أسلوب المعالجة الإستراتيجية المستندة إلى العلم وتجارب الدول الأخرى وخبرات الأمم المتحده .ومن الضرورى  أن أعود اإى الندوة الهامه التى  أشرت إليها فى مستهل هذا المقال  والتى نظمها  مصرف الساحل والصحراء للإستثمار والتجاره فى العاشر من يونيو 2009 بالخرطوم والتى شارك فيها لفيف من الإقتصاديين والمصرفيين وأصحاب العمل . وأشيرإلى مقال للأستاذ طه النعمان بصحيفة " آخر لحظه " بتاريخ الثالث عشر من يونيو الجارى لخص فيه أطروحات تلك الندوه وموضوعاتها. وفحوى ذلك التلخيص أن الحال قد تدهور وتدنى فى مجالات إستغلال الزراعة والثروة الحيوانيه والصناعات المصاحبه لها ... وكيف أن إنتاجنا البترولى لم يفلح فى أن يكون " رافعة كبرى لإستغلال موارد السودان المهوله وخصوصآ فى مجالات الزراعة والثروة الحيوانية والصناعات  المصاحبة لها "...وبنظرة سريعه نورد ما أشارت اليه تلك الندوه الى أن الصادرات غبر البتروليه فى عام 2003 كانت 33 % من جملة صادراتنا غير أنها تقلصت لتصبح 8 % فقط من جملة صادراتنا فى عام 2007 ...!!! ومن المفيد أن نذكر القارئ بأن أراضى السودان الصالحه للزراعه - كما ورد فى العديد من المصادر – لا تقل عن 200 مليون فدان لا يتجاوز المستغل منها 40 مليون فدان ، فى أحسن التقديرات ، إن لم يكن أقل من ذلك !!   علاوة على ذلك  ، فقد نبه الدكتور يوسف محمد عبد الرازق فى مقالات له بالمنبر الإقتصادى لصحيفة " لرأى العام " سلط فيها الضوء على موضوع الصادرات غير البتروليه . وأخص بالذكر مقاله  بتاريخ 22 يونيو 2009 ، بذات الصحيفه حول تدنى صادرات الثروه الحيوانيه ، وتشخيصه للأسباب التى أدت لذلك الحال ، وأهمها تذبذب السياسات والتجاريه والإنتاجيه وتعدد الرسوم والجبايات وضعف البنيات التحتيه وارتفاع تكلفة النقل وعدم توافر المعلومات عن الأسواق ...ألخ

 

               واضح مما ذكرنا أعلاه  ومما يتوفر إلينا من مصادر معلومات إقتصادية متاحه ، أننا قد أصبنا بالمرض الهولندى وظهرت علينا أعراض " لعنة البترول " ... ولن يشفع لنا تشخيصنا للحالة والجلوس على كراسى المتفرجين على المريض ... بل علينا أن نتكاتف جميعآ ، ساسة ومسوسين ، إن صح هذا التعبير ، لننهض بسرعة وعزيمة لمواجهة هذا المرض الفتاك قبل أن يفوت الأوان . ويقينى أن هذا الأمر لا يقتصر عبئه على وزارة بعينها دون سواها ، ولكنه يمتد ليشمل الوزارات الإستراتيجية فى القطاعين الإقتصادى والمالى ( الماليه ، الزراعه ، الطاقه والتعدين ، الصناعه ، الإستثمار ..إلخ ) والنظام المصرفى ، والمحافل الأكاديمية والبحثيه  ... والأحزاب السياسيه  والمجتمع المدنى وأجهزة الإعلام  . وما أود التنبيه إليه هنا أن هذه العله الهيكليه التى أصابت جسدنا الإقتصادى  هى بلا شك " مشكلة قومية كبرى "... لا تقل أهمية عن واجب  سعينا الدؤوب نحو إرساء قواعد السلام والأمن والإستقرار . ويقينى أن هذه العلة الإقتصاديه تشكل محورآ أساسيآ فى محاور الأمن

 

                                               - 3 -

  

القومى السودانى بالنظر إلى مضاعفاتها المستقبليه التى ستنعكس على الأوضاع السياسية والإجتماعية والإقتصادية للسودان.  ومما يدفعنى الى التحذيرمن خطورة هذه العله ، أن الإقتصاد السودانى يملك مقومات النمو المتوازن ولكنه يندفع دونما هواده بعيدآ عن مسار التوازن  بسبب تراكمات عديده تحول بينه والإنطلاق على درب  محاربة الفقر والتخلف  وإرساء دعائم التنمية المستدامة . يضاف إلى ذلك المخاطر الكبرى التى يمكن أن تنشأ فى كل أنحاء البلاد بسبب التوترات التلاحقه التى تكتنف تنفيذ إتفاقية السلام الشامل وانعكاسات الوضع فى دارفور.

                ونأتى الآن الى مربط الفرس ...وهو إقتراح أتقدم به لأهل القرار والرأى يقضى بالنظر فى أمر تكوين " لجنة قومية  مستقله " National Independent Commission  تجمع صفوة مؤهلة من أهل الدراية والعطاء لبحث أمر الخروج من " المرض الهولندى " هذا ... وتقديم توصيات موضوعية وعمليه مربوطة بجدول زمنى واقعى لتصحيح مسارنا الإقتصادى نحو النمو المتوازن الذى نتطلع اليه جميعآ . واضعين فى الإعتبار أن  هذا التشوه الإقتصادى الهيكلى يتميز بالضراوة والفداحه عندما يصيب بلدآ ناميآ كالسودان ، وليس أمامنا من مخرج سوى العمل الدؤوب والمخلص لمواجهته وتبنى السياسات الكفيله بمعالجته  . ولن تنفع ثقافة التأنى والإنتظار وتنكب أقصر الطرق فى التعامل مع هذه الظواهر الإقتصادية ذات الصفة العاجله والأبعاد المتشابكه داخليا ودوليآ.