بقلم: السفير أحمد عبد الوهاب جبارة الله

Ahmed Gubartalla [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]
حفزنى على كتابة هذا المقال ، ما أراه من شواهد كثيرة على اقتراب سيناريو الكارثة القومية الذى يمكن أن يحيق بالسودان ، ويقضى على ما تبقى من ذلك الوطن ، ونكون كلنا في موقع الخاسرين بضياع وطن نكون قد فقدناه بأخطائنا السياسية الجسيمة. وما أقوله هنا ليس من سبيل الدراما أو التضخيم ، ولكنه بحسب الشواهد الماثلة علي المسرح السياسى فى السودان. والتحليل للأوضاع السياسية ،هو في حقيقته تحليل لمعطيات وشواهد يفضى في النهاية إلى نتائج منطقية ولا يمكن تفاديها ، إن كانت كارثية ، إلا باتخاذ الإجراءات والتدابير المضادة التي تحول دون الوصول إلى الكارثة.
فى هذا الإطار دعونا أن نوجز أهم شواهد الاندفاع السريع نحو الكارثة في المشهد السودانى. أول هذه الشواهد ، الفشل الذريع الذى أصاب السياسات الاقتصادية التي انتهجتها الحكومة خلال العقدين الماضيين ،  والتى أدت إلى وضع اقتصادى مختنق ، وتسوده الفوضى والتخبط ، بما يضيف المزيد من المآىسى لحالة السواد الأعظم من المواطنين .وفى ظل التطورات الأخيرة الخاصة بالتخفيض الفعلي لقيمة الجنيه السوداني، ورفع الدعم عن المحروقات وتصاعد مستوى التضخم وارتفاع الأسعار ، وإصرار الحكومة علي الصرف البذخي علي قطاعات وبنود غير منتجة ، وتغلغل الفساد المالى بشكل غير مسبوق فى تاريخ السودان. في ظل كل هذا ، فإن إدارة الاقتصاد السوداني لا يمكن أن تظل بهذا الشكل ، ولا يحتاج المنظر والممارس من أهل السلطة أن ينكر هذه الحقائق التى لا تنسجم مع تطلعات المستقبل للبلاد.
وثاني الشواهد الكارثية ، هو الاستمرار في سياسة الإنفراد بالسلطة من جانب المؤتمر الوطني وإقصاء كل القوى الوطنية الأخرى ، وحرمان البلاد من المشاركة القومية للقوى السياسية في تقديم الحلول الناجعة لمشاكل الوطن.والمؤسف أن قادة المؤتمر الوطني يتحدثون عن مشاركة من جانب أحزاب أخري ، ونحن نعرف وهم يعرفون أنها مشاركة صورية وديكورية ، ولن ترقى أبدا إلى ما ينبغى أن تكون عليه الأوضاع فى التحالفات والائتلافات السياسية للأحزاب فى ممارسة الحكم. وواضح أن هذه السياسة الإقصائية للآخرين ، هي سباحة ضد تيار الديمقراطية ، وفيها إصرار علي نظام الحزب الواحد الذى عفا عليه الزمن في كل بلاد العالم . وهذا وضع غير قابل للاستدامة وينهك الجسد السياسى للبلاد ، ويصعد من وتيرة المواجهات، ويقود فى نهاية الأمر لكثير من الإنفجارات السياسية الباهظة التكاليف.وبكلمة واحدة ، هذا ترتيب لا يتلاءم مع  السودان وهو في مطلع القرن الحادى والعشرين !!
الشاهد الثالث في الاندفاع نحو الكارثة ، هو التأزم الشديد فى العلاقة بين حكومة جمهورية جنوب السودان وحكومة جمهورية السودان. وقد تبدت أخطر مظاهره فى فشلهما المستمر في التوصل إلى اتفاقيات فى الموضوعات الحيوية ، مثل الحدود والأمن والتجارة العابرة، وترتيبات ضخ النفط الجنوبي عبر الأنابيب لميناء بورتسودان .وحسبما بدا من أحدث جولات التفاوض في أديس أبابا ، ما زالت أزمة الثقة متعمقة بين الطرفين ، بل أن جانب حكومة جنوب السودان ، تحدث عن اللجوء إلى التحكيم الدولى للفصل فى هذه النزاعات . وهكذا يتضح أن التوتر وضياع المصالح يستمر بما يشكل خسارة فادحة للطرفين. ولكن هذا التوتر ينعكس بدوره على الحكومتين فى علاقاتهما بشعبيهما لما ينجم عنه من تضحيات كان من الممكن تفاديها من خلال التفاوض الجاد والمسئول بين الجانبين.
اما الشاهد الرابع فإنه يتعلق بالأوضاع في دارفور وجبال النوبة وجنوب النيل الأزرق. ومهما يكن من أمر فإن استمرار هذه المشاكل يدفع بالمزيد من التأزم والقلاقل ، ويحمل فى طياته تهديد الأوضاع الأمنية لكل أرجاء الوطن ، لأن الحكومات مهما كان بأسها ، لن تنجح في النهاية بفرض حلول أمنية لمشكلات سياسية . ولعل تاريخ السودان منذ استقلاله عام 1956 ، يقدم لن الدليل الساطع على أن المشكلة السياسية ، لا يمكن حلها إلا بالطرائق السياسية.
المشهد الخامس ، يتمثل فى الشبكة المحكمة التي أحاطت بالسودان بسلسلة طويلة من قرارات مجلس الأمن الدولى ، ودخلت به فى متاهات الفصل السابع لميثاق الأمم المتحدة.وأخطر هذه القرارات هو القرار الأخير رقم 2046 الصادر عن مجلس الأمن فى الثانى من شهر مايو المنصرم. وفي هذا القرار تضييق للخناق على الحكومة السودانية بشكل لم يسبق له مثيل. ولعمرى فإن هذا لينبئ بما هو قادم من نذر خطر كبير ، والمرء يرى الآن  الكتابة بالحروف البارزة على الحائط ، كما يقول الفرنجة !! كما أن التجربة الدولية  تقول لنا أن الدخول فى مثل هذه الورطة أمر ممعن فى الخطورة لأن هذه القرارات لها ذيول متتابعة ، وقد بدا لنا بالفعل من ذيولها صعوبات كثيرة ، ليس أقلها إحالة ملف السودان في دارفور إلى المحكمة الجنائية الدولية. ويحدثنا التاريخ بعد الحرب العالمية الثانية ، وقيام الأمم المتحدة ، أن الذين دخلوا هذه الشبكة من القرارات ، لم يخرجوا منها كما كانوا عندما دخلوها ، فهناك ثمن باهظ يدفع نظير ذلك. ولنا في العراق مثال من الماضى غير البعيد . وحتى إن لم تكن الحالات فى مآلاتها متطابقة، فإن التكاليف الباهظة لا يمكن الإفلات منها فى كل الأحوال. والسودان الآن فى عزلة من العالم النابض بوسائل التنمية والتقدم ، ومحروم من الحصول على تسهيلات اقتصادية ومالية دولية هى من حقه كدولة نامية ، ومقطوع الصلة بمصادر التكنولوجيا الضرورية لتطوير قطاعات النقل والزراعة والطاقة . وكذلك هو معزول عن مراكز المال والتمويل الدولية ، ويكافح  دون جدوى ، للتعامل مع منظومة عقوبات اقتصادية مؤسفة . والحال هكذا فإن طرائق المعالجة السياسية للمشكلات أعلاه ، لم يقدر لها أى حظ من النجاح ، وهنا يتعين علي أهل تلك الطرائق أن يعترفوا بالحق ، وفي ذلك فضيلة .والأهم من ذلك أن يفهموا أنه لم يعد فى جراب الحاوى من حيلة للالتفاف على هذا الحصار الدولي المحكم.
أما المشهد السادس ، فهو يتعلق بعجز جهاز الدولة البائن عن الخروج من  المعادلة الغريبة التي وضع فيها نفسه من خلال الإهمال التام لأبسط قواعد عمل الحكومات. وهى أن الإنفاق الحكومى لا يمكن أن يكون انفاقا جامحا وعشوائيا لا ضابط له ولا رابط ، خاصة بعد ضياع مصدر البترول بعد انفصال الجنوب . فالحكومة تواصل الصرف على جيش عرمرم من الناس الذين لا مؤهل لهم سوى أنهم ينتمون الى حزب الحكومة  ، وتمت تسميتهم بالدستوريين ، وانقضوا على المال العام فى نهم وفى غير محاسبة . وبحت أصوات الناس وهم يندهشون لبلد كالسودان فيها ما يزيد علي السبعين وزيرا ، والمئات ممن يسمون بالدستوريين ، وهى لا تلوى على موارد حقيقية لمقابلة أبسط الخدمات المنهارة في مجالات الصحة والتعليم وغيرها. هذا وضع يستحيل تخيله ، ناهيك عن الحديث عن استمراره فى الواقع. والنتيجة كما يراها المرء ، المزيد من التضخم والمزيد من الضرائب والمزيد من الفقر والمعاناة للسواد الأعظم من أهل الوطن.ولا يمكن وصف الحالة الماثلة هذه بوصف غير أنها "حالة موت إكلينيكى " لا تنفع معها محاولات التدوير أو تغيير بعض الوجوه  أو استخدام المسكنات أو حتى الإدخال الطويل لغرفة الإنعاش لأن أمر الله فيما يخص هذه التجربة في الحكم قد حصل... ولا حول ولا قوة إلا بالله .
إن ما آلت إليه الأوضاع في السودان لا يمكن الخروج منه إلا بترتيبات ذات صفة قومية ، وترتيبات تتجاوز المنظور الضيق للحزب الواحد،وترتيبات ترتبط بالنظر الى المخاطر الماثلة أمامنا والأخطار المحيطة بالبلاد من كل جانب. وعليه فإن العبور بسلام من هذه الورطة التاريخية ، لا يمكن تحقيقه إلا بتحرك تاريخي يرتفع إلى مستوى مسئولية الحدث ، ويلتزم بالمصلحة الوطنية الكبرى التي تسمو فوق مصالح الأحزاب والأفراد جميعا . ونحن نرى أمامنا كيف تتصرف الشعوب الناضجة عندما تحيق بها مثل هذه النوازل والمحن ، حيث تستجمع قواها وتتجاوز الدوائر الضيقة التي تعوق حشد قوة الإجماع الوطنى . وليس بخاف على أحد أن المخرج لا يكمن إلا في صورة حكومة ائتلافية قومية ، لا تعرف الإقصاء ولا تعرف المراوغات الديكورية . وفيها يكون التمثيل الحقيقى لكل الأحزاب دونما تصنيف أو تزييف . ولتكن هذه الحكومة انتقالية الصفة لمدة ثلاثة أو أربعة أعوام ، ترتب فيها الأحزاب أوضاعها للدخول فى انتخابات حرة وشفافة ونزيهة تحت رقابة دولية مفتوحة . والعمل على وضع دستور دائم للبلاد ، تشترك فى وضعه كل القوى والفئات السياسية ، لترسيخ قواعد الدولة المدنية والديمقراطية التي يتساوى فيها كل المواطنين ، باعتبار المواطنة هى أساس الانتماء والحقوق الدستورية.
لقد آنت لحظة الحقيقة ، وآن أوان تحكيم العقول ، وتغليب المصلحة القومية على سواها من المصالح الضيقة ، ولا مجال للإصرار علي الأخطاء الفادحة التي حشرت السودان فى هذا النفق الضيق .فالعاقل من اتعظ بغيره ، وغيرنا لم يحصد سوى الخراب والتشرذم والدمار عندما أصر على الخطأ وتعامى عن حقائق الامور ودلالاتها.وكلنا يعلم أن الفرص الضائعة فى تاريخ السودان الحديث قد كثرت ، وكلنا يعلم أن الفرص هذه لها أجنحة ، فإن لم يغتنمها الناس فإنها ستطير !!