إنتظرت كثيرا بعد إعلان التشكيلة الوزارية بالسودان ، والتى جاءت مخيبة للآمال بكل المقاييس والمعايير ، لكونها محاولة أخرى ؛ غبر موفقة، لم يقصد منها سوى القفز فوق حقائق التاريخ وهى تنبئ عن فشل ذريع فى فهم مقاصد  السياسة ومتطلبات الحكم الرشيد فى هذا العصر . وهو عصر انطوت فيه صفحات الحكم القائم على فرضيات تجاوزها التاريخ ، مهما توفر لها من وسائل يراد بها شراء الوقت أو تفادى عواصف الربيع العربى التى لن تبقى ولن تذر !! ولعل فى إنتظارى ذاك ، محاولة تهدف إلى قراءة ردود الفعل فى الوطن وخارجه، وهى بلا منازع ، ردود فعل ممعنة فى السلبية  ، ليس فقط من جانب المعارضين للنظام فى الداخل والخارج، ولكن أيضا من جانب بعض المنتسبين إليه ، وبعض المتحاورين معه من الخارج.
وقمة المأساة فى المشهد السياسي السودانى، أننا نكرر إنتهاكاتنا لقواعد السياسة والمنطق السليم، بصورة مذهلة، تحسدنا عليها كل الشعوب . ونحن فى إصرارنا ، كما يقول الفرنجة ، نعمد إلى " ضرب أنفسنا فى أقدامنا بالرصاص " ولا نستطيع أن نرى أمامنا الأهداف الحقيقية التى ينبغى التعامل معها بصورة سلمية وديمقراطية ومتحضرة . والقصد هنا ، أن التشكيل الوزارى المشار إليه  هذا ، يحمل فى طياته ما يهدد السودان بالتمزق والصوملة والإندثار السياسي ، ويعكس الإصرار على تنكب طريق التشدد وإقصاء الآخرين ، والعيش خارج التاريخ . يحدث كل هذا ، فى ظل مقاطعة وحصار دوليين ، يدفع المواطن السودانى ثمنا باهظا لهما ، ونحن نعلم أن مثل هذا الطريق محفوف بمخاطر لا حصر لها ، ولا من مبرر للسير فيه، وكأننا نندفع نحو الهاوية ، بسرعة فائقة ، برغم الدروس التى وفرها لنا التاريخ من حولنا، ونحن بها لا نتعظ ولا نعبأ!!                                                           
يبدو أن العشرين عاما الماضية ، لم تساعدنا على فهم أن الخلط المتعمد بين الدين والسياسة ، هو فى النهاية يشوه الدين الحنيف، ويقضى على كل الفرص الممكنة لحياة معافاة للجسد السياسى لبلد مثل السودان. وتتحدث كل التقارير والتحليلات السياسية ، حتى تلك التى يتبرع بها عدد من  الإسلاميين فى الداخل والخارج، أن السودان قد فشل فى ممارسة الحكم المنسوب إلى الدين ، بل أن بعض هؤلاء ، سارعوا لتطمين القوى الكبرى فى العالم ، بأنهم لن يسلكوا مسلك رافعى شعار الدولة الدينية فى السودان . ومن أكبر الدلائل على ذلك ، ما فعله راشد الغنوشى زعيم حركة النهضة التونسىة ، الذى حرص على زيارة واشنطن مؤخرا بعد فوز حزبه بعدد كبير من المقاعد فى الإنتخابات لبرلمانية التونسية . ولم يكن بخاف عن أحد أن الرجل جاء إلى عاصمة الولايات المتحدة، لينقل رسالته تلك ، والتى وجدت سبيلها إلى الصحف ، ولم تكن بقاصرة على مراكز التأثير السياسى والنخب التى تحدث إليها. كما هناك  أخبار تترى عن حرص جماعة الإخوان المسلمين فى مصر على ذات الموقف، فى حوارها مع الإدارة الأمريكية، خشية منها فى أن ينتهى بها المطاف بتصنيفها فى  خانة حكومة السودان  التى ترفع شعار الإسلام السياسي. 
إن تشخيص الحالة السياسية والإقتصادية السودانية ، لأمر يبعث على القلق والإنزعاج الشديدين ، وهى حالة تحتاج إلى معالجات تحتكم إلى العقل والحكمة السياسية، وذلك  بالنظر إلى فداحة العلل التى يعانى منها الكيان السياسيى  والإقتصادى للبلاد. فالإقتصاد السودانى قد بلغ الآن درجة غير مسبوقة  من الخراب الهيكلى ، والإختناق الناجم عن سوء الإدارة وشح موارد الميزانية العامة ، وانفلات الصرف الحكومى، وتفاقم الغلاء والتضخم . ولازم ذلك سياسات عشوائية  جعلت من الطبقات الفقيرة أغلبية عظمى فى المجتمع ، وهى تعانى بشكل متصاعد  يدفع إلى اليأس ويخلق موجات توتر سياسي قد تؤدى إلى إنفجارات  واضطرابات هائلة ،كما هو معروف فى العلوم السياسية . ليس هذا وحده، بل إن الإقتصاد السودانى قد خرج من منطقة الدولار الأمريكى ( بسبب العقوبات الأمريكية) وضاقت مساحة تعاملاته فى منطقة اليورو ( وهى منطقة تشهد هزات عنيفة) نسبة لتضاؤل مداخيل النفط  والتى لم تعد مغذية للميزانية العامة بقدر ملموس كما كان الحال قبل إعلان دولة جنوب السودان فى التاسع من يوليو الماضى. وإقتصاد كهذا، يفتقر إلى المدخلات والمقومات فى الداخل ، ويعانى من الحصار والعقوبات فى الخارج ، لا يمكن له أن يستمر بكل هذه العلل. وهو بمعطياته  يشكل وصفة كلاسيكية للمواجهات والقلاقل، ولعل هذا ما يريده المقاطعون للحكومة فى الولايات المتحدة وغرب أروبا ، بمعنى وضع النظام السودانى فى صندوق ، لا يخرج منه ، حتى يستنفد أغراضه !!!
غير أن الأمر لا يقتصر على العلل الإقتصادية ، ولكنه ينسحب أيضا على الممارسة السياسية ، التى دللت عليها تشكيلة الحكومة ، والتى تجاوز عدد الوزراء ووزراء الدولة فيها الستين شخصا. ناهيك عن الدستوريين الآخرين.هى تشكيلة رغم المخاض الطويل والمصطنع ، ظلت حبيسة فى جلباب المؤتمر الوطنى ، ولم تخرج عنه. بمعنى أن التوجه السياسي والبرنامج الحزبى للمؤتمر الوطنى ، لم يطرأ عليه أى نوع من التغيير ، لدرجة أن بعض الناس أطلقوا على التشكيلة المعلنة " تشكيلة أحمد التى حلت محل تشكيلة حاج أحمد"!!   وبهذا النهج، فقد ضاع  المطلوب فى تغيير يرمى إلى  إدارة التنوع بالحكمة والرشاد، وانعدم المنظور الذى يمكن أن يحتكم إلى منهاج شامل فى معالجة الأزمة السياسية، وتبخرت الآمال فى وضع دستور جديد يتلاءم ومتطلبات العصر ويرسخ الديمقراطية والعدالة وحقوق الإنسان.  وما جرى ليس فيه من معنى سوى أن الحكومة لم تعبأ بصيحات الألم والمعاناة التى أطلقها الناس وهم يرزحون تحت نير الفساد الذى أصبح كارثيا ومؤسسيا . وبذهاب كل هذه المطلوبات فلا مجال للحديث عن مقومات لكيان سياسي سودانى سليم  ، وتظل النتيجة دورانا  مستمرا فى حلقة جهنمية مفرغة، تتوجه بنا جميعا نحو هاوية سحيقة.
لا مناص من الإعتراف بفشل ما دخل السودان  فيه من تجارب، لأن الإعتراف بالحق فضيلة عظمى. ولكن الإعتراف وحده لا يكفى ، لأن الأمم لا تتقدم بالحديث والشعارات ، ولكنها تتقدم وتنهض بالتخطيط الإستراتيجى لأهداف يتفق عليها الناس ، ولا تكون حصرا على فئة تفرض الوصاية على الآخرين . ومن شروط النهوض بالأمم فى هذا العصر ، أن يأخذ الناس بمناهج تصون حقوق الإنسان، وتوفر الفرص أمام الشباب وأهل العلم والخبرة ، وأن يتحلى الناس بانفتاح فى العقول ، وإنفكاك من إسار قوالب جامدة، تنتمى إلى عصور خلت ، لم تكن وقتها الدول قد نشأت وتعقدت أوضاعها وتشابكت مصالحها بالصورة التى نراها اليوم. 
إن المجتمع الدولى ، فى معظمه، ينظر الآن للسودان بنظرات لا تختلف فى مغزاها ، حتى وإن كان الناظرون فى أمريكا الشمالية، أو فى الصين واليابان، أو فى أوروبا ، أو حتى فى بلدان المنطقة العربية، خاصة تلك التى أخذتها صيحة الربيع العربى  .  ينظرون إلى السودان ، بكونه لا يستفيد من التجارب ،  خاصة بعد إنفصال الجنوب ، ثم تفاقم الأوضاع فى دارفور ، ومؤخرا ما شهدته مناطق فى جنوب كردفان والنيل الأزرق.  ولكن الخطورة فى الأمر أن هؤلاء الناظرين، برغم تصريحات بعضهم الفاترة مؤخرا عن السودان ، إلا أنهم ، كما عودونا، لا ينصرفون عن أهدافهم ، مهما انطوت الأيام وطال الزمن. ولعل ما جرى فى ليبيا ، يكشف طول أنفاس العناصر المسيطرة على النظام الدولى ، وأياديها التى تلحق فى الخفاء والعلن، بما هو فى حدود إمكانيات البشر.  ويبدو لى أن الخطر القادم ، سيكون فى قرارات سيصدرها مجلس الأمن ، وهى لن تكون مثل القرارات السابقة.  وقد تكون قرارات موجعة ، لا قبل للسودان بالصمود أمامها. والذى يقرأ دلائل الأموروإشاراتها ، يفهم أن الصين وروسيا الإتحادية ، لم تعودا فى موقف يمكنهما من درء صدور مثل هذه القرارات فى حق السودان. وقد تعالت أصوات فى  عدد  من الدوائر المؤثرة على القرار الأمريكى بمطالبات فى هذا الإتجاه. ولا تزال هذه الدوائر تصعد من ضغوطها وإلحاحها لحمل الإدارة الأمريكية على تبنى مطالباتها الحريصة على إستصدار المزيد من القرارات من مجلس الأمن ضد حكومة  السودان.  ويلاحظ أن مقصد هذه الدوائر  ، هو نقل الحصار الدولى على السودان إلى درجة أعلى ، قد لا تقل عن تلك التى فرضت على نظام صدام حسين ، أو تلك التى فرضت على نظام معمر القذافى فى خواتيم أيامه. وبعبارة أخرى ، يلحظ المتابعون  والمراقبون ، أن الحديث قد كثر وتواتر لدى هذه الدوائر عن "قصف المدنيين فى السودان بالطائرات " ...وهى فى مسعاها تربط ذلك مباشرة بمناداتها بضرورة   " صدور قرار من مجلس الأمن بحظر الطيران فى السودان فوق دارفور وجنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق".   كذلك فإن هذه الدوائر التى تعرف تأثيرها على مواقع صنع القرار فى الولايات المتحدة وأروبا ، ما فتئت تتحدث عن نقل صيغة العقوبات الإقتصادية الأمريكية على السودان ، لتكون صيغة دولية شاملة يتبناها مجلس الأمن. وقد ظهرت هذه الإتجاهات بعد الزيارة التى قام بها الرئيس الإيرانى للسودان مؤخرا ، وثار الحديث عن تقارب إيرانى سودانى ، إنزعجت منه واشنطن ، وغرب أروبا ، وكذلك بعض دول الخليج العربية .
لا شك أن إنتقالا نوعيا مثل هذا ، إذا ما  حدث بالنسبة لما سيقرره مجلس الأمن مستقبلا ، ستكون له نتائج كارثية على الوطن، خاصة إذا ما نجحت الدوائر الضاغطة فى هذا الإتجاه، إدخال مسألة صدور مثل هذه القرارات ضمن الأمور الكثيرة  التى تجد طريقها إلى منابر التنافس بين الحزبين الجمهورى والديمقراطى فى حملة الإنتخابات الرئاسية  الأمريكية لعام 2012 والتى بدأت منذ الآن.  وفى هذه الحالة سيقول الجمهوريون أن الرئيس أوباما لم يفعل ما فيه الكفاية تجاه النظام فى السودان، وهذا قد يدفعه للإسراع نحوعمل من هذا القبيل  ، ليبطل مفعول الإنتقاد الجمهورى لموقفه، حال ظهور مثل ذلك الإنتقاد.
نخلص إلى أن السودان يشهد أحرج مراحله التاريخية وأدعاها لتحكيم العقل والتخلى عن المنهاج الإقصائى فى الحكم . وذلك ما يمكن أن يجنبنا سيناريوهات التمزق والتشتت والضياع. ويحسب المرء أن عودة الوعى المفقود ، فيها ما يمكن أن يجنبنا مآلات لا يريدها أحد منا . وكما يقولون، فإن الوعى حتى وإن عاد متأخرا ، خير من ألا يعود مطلقا ...!!! وذلك لأن المرء الحادب على مصلحة الوطن ، يرى تحت الرماد وميض نار، ويخشى أن يكون لها ضرام.                                                                      


Ahmed Gubartalla [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]