ثار الكثير من النقاش حول الزيارة التى قام بها مؤخرا رئيس الوزراء التركى طيب رجب اردوغان لدول ثورة الربيع العربى فى مصر وتونس وليبيا. وهذه الزيارة تعكس فيما تعكس الدور المتعاظم الذى تلعبه تركيا فى المسرح الإقليمى العربى والإسلامى والدولى.  وهى أيضا تؤكد أن المارد التركى قد انطلق فى المنطقة العربية بعنفوانه ودبلوماسيته الذكية ذات الأبعاد الإستراتيجية والإقتصادية والسياسية التى تتجاوز الأنماط القديمة للعلاقة التركية العربية. فقد ظللنا ولعدة قرون ، لا نعرف من تركيا سوى أنها كانت مقر الخلافة الإسلامية ، أو أنها بلاد لها مطامعها الإقتصادية فى البلدان العربية ، أو أنها فيما بعد " رجل أروبا المريض " فى تصنيف منظرى السياسة الدولية باعتبارها عضوا غير فاعل فى الساحة الدولية فى بدايات القرن العشرين.أما الآن فقد انقلبت  الصورة التركية رأسا على عقب، لصالح تركيا . فهى كما نراها يتصاعد دورها الإقتصادى  بشكل ملفت ومثير للإعجاب. كما أنها قد امتد سلطانها إلى خارج الحدود ، لتصبح قوة إقليمية فاعلة ومؤثرة ، إلى درجة جعلت الكثيرين فى العالم العربى يبدون الإعجاب بما بلغته تركيا ، ويتحسرون على ضياع فرصهم وسوء حظوظهم العاثرة التى جعلتهم فى ذيل القوائم بين الدول . ولم يكن كل ذلك ، فى حالة الدول العربية، سوى أنها تحصد ما غرسته ، ووقفت تتفرج على قطار التقدم المسرع من حولها، وظل الساسة ومعظم المثقفين العرب يتعاركون فى قضايا هامشية لا تسمن ولا تغنى من جوع.
ومن هنا فلا مفر من عقد بعض المقارنات بين الوضع التركى والوضع العربى ، وطرح السؤال المهم: لماذا تصاعد هذا ولماذا تراجع ذاك؟ حتى نفهم ونستفيد من تجارب الأمم الأخرى ونحن نشق الجيوب ونلطم الخدود على تراجعنا فى المنطقة العربية . هذا فى حد ذاته لا يغمط حق شعوب الربيع العربى فى عظمة ثوراتها، ولكن لا بد من التأمل أكثر حول مصير هذه الثورات وما ستؤول إليه فى تحقيق أهدافها. المعلنة فى الديمقراطية والحرية والعدالة الإجتماعية وحقوق الإنسان.
ونود أن نلفت نظر أهلنا فى السودان العربى الإفريقى ، متعدد الأعراق والثقافات، أن عقد المقارنات وأخذ العبر والدروس من البلدان الأخرى هو فقه غائب فى تفكير وممارسات الساسة والحكام عندنا. فهم مازالوا منغلقين فى أطر ضيقة لا تسمح لهم بإعمال العقل المفتوح. وهذا فى حد ذاته من دواعى الأسف والتحسر على حاضر بلادنا ومستقبلها. ومن هنا فإن أولى الخطوات للتعلم من التجارب الأخرى ، هى أن ندرس ونقارن ونستخلص ونستنتج ، ليس من منظور المواقف الجامدة والمحنطة فى غياهب التاريخ البعيد، ولكن من منظور الوعى والمرونة وإدراك أن جوهر الحكم هو أن يكون راشدا وديمقراطيا وملتزما بالحرية والعدالة الإجتماعية ، ومجافيا للمارسات الفساد والإفساد فى الإقتصاد والسياسة ومخاطبة الرأى العام. وهنا يمكن أن نقول ذات القول للكثير من الأصوات التى ارتفعت فى البلدان العربية لتبدى إعجابا بإنجازات تركيا ، أن تلك الإنجازات لم تكن وليدة الصدفة والصياح والعنتريات الجوفاء. ولكنها جاءت نتيجة لنظرية مدروسة فى نظام الحكم وممارسته ، بما يخدم المصالح الوطنية لتركيا ولأهلها. وليعلم الجميع أن الطريق الذى سلكته تركيا لم يكن طريقا مفروشا بالورود ، ولكنه كان طريقا لم يخل من المصاعب والعقبات . غير أن الوعى التركى والإصرار التركى جعلا من تلك المصاعب تحديات أمكن التعامل معها بروح العصر ومتطلبات الحكم الذى لا يلهى الناس بالشعارت الممعنة فى السطحية والإنغلاق .
وفى محاولة للتعرف على أهم الأسباب التى هيأت لتركيا ما نشهده من موقع إقتصادى واستراتيجى مرموق،(وهى بمفهوم المخالفة لم تتهيأ لكثير من البلدان فى منطقتنا) لا بد أن نسلط الضوء على العوامل التى أدت لذلك. ويمكن حصر أهمها فيما يلى:
فى المقام الأول ، نستطيع القول بأن معظم السكان فى تركيا قد تعارفوا على صيغة قبلوها فيما يتعلق بالعلاقة بين الدين والدولة. وهذا أمر هام إذا ما علمنا أن 99% من سكانها مسلمين  (السكان 78 مليون نسمة). ولم يكن ذلك بالأمر السهل ، لأن الكثير من التجارب فى البلدان الإسلامية فشلت حتى الآن فى تحديد هذه العلاقة. سواء كان ذلك بتأجيلها أو العراك والإقتتال حولها ، أو كان ذلك بتطبيقها بصورة تشوه صورة الإسلام وتخلط بين نقاء الدين وعظمته وبين خطل ممارسات الحكم وتجاوزاته. ومن تلك الأمثلة ما يشهده السودان حيث أدى الخلاف حول علاقة الدين بالدولة ،إلى إنسلاخ جنوب السودان عن الدولة الأم، وظهرت إشكاليات أخرى نأمل أن تتم تسويتها بالحكمة والعقل ، فى كل من جبال النوبة والنيل الأزرق. وإذا ما عدنا للصيغة التركية، فإنها على حد قول أردوغان ، فى تعريفه للنظام السياسى العلمانى فى تركيا ، بأنها صيغة تضمن "وجود الدولة على مسافة متساوية من كل الأديان" . وأضاف فى تعريفه "إننا لا نقول عن الشخص أنه علمانى ، ولكن نقول أن الدولة علمانية...فأنا مسلم أعيش فى دولة علمانية وذاك مسيحى يعيش فى دولة علمانية". (نقلا عن حديثه مع التلفزيون المصرى –قناة دريم- برنامج العاشرة مساءا). وفى مناسبة أخرى رفض أوردوغان فى القاهرة  (صحيفة "المصرى اليوم " 15 سبتمبر) رفض تسمية حزبه بأنه حزب إسلامى وعلل ذلك بقوله: "إننى كمسلم يمكن أن أخطئ وكسياسى مسلم يمكننى أن أخطئ ، لكن دينى لا يشوبه الخطأ".  وبهذه الصيغة تعارف الأتراك على صيانة مصالحهم الوطنية ، واستقروا على هذه الصيغة التى ترفض المتاجرة بالدين أو إخضاعه لهوى الحكام ونزواتهم  ، وجعله ستارا يحاولون الإختباء من ورائه ، لقهر الشعوب والتسلط عليها. فالدولة عندهم مدنية واساسها المواطنة وحفظ الحقوق فى ظل الدستور والقانون.                                                                          
الأمر الثانى أن تركيا إختارت الطريق البراجماتى فى ممارسة الحكم وفى علاقاتها الخارجية مع الدول الأخرى . ومعنى ذلك أنها ركزت خلال العقدين السابقين على تنفيذ برنامج الطفرة الإقتصادية ، برغم ما واجهته من مصاعب .وقد إنبنى ذلك على الإستفادة القصوى من الموارد البشرية المدربة والتركيز على الصناعات التصديرية التى تتمتع تركيا فيها بميزة نسبية فى محيطها الإقليمى.  ليس هذا وحده،بل إن تركيا فتحت الباب على مصراعيه للسياحة الدولية التى وضعتها فى مصاف الدول التى يقصدها السياح (30 مليون سائح فى العام). وقد استطاع حزب العدالة والتنمية التركى ، أن يحقق طفرات كبرى فى المجال  الإقتصادى ، خاصة خلال العقد الأخير. ومن مظاهر تلك الطفرة أن بلغ متوسط دخل الفرد أكثر من 12 ألف دولار فى العام، مع تنفيذ برنامج طموح وناجح للخصخصة شمل قطاعات هامة كالمصارف والإتصالات والنقل والصناعات الأساسية، بشكل شفاف مما أدى إلى توسيع دور الطبقة الوسطى والفاعلة فى تحريك رءوس الأموال ، وبالتالى خلق نوع من إعادة توزيع الثروة بصورة تساعد على السلام الإجتماعى. ( يلاحظ هنا أن معظم حالات الخصخصة فى البلدان العربية وفى السودان شابتها الكثير من مظاهر الفساد التى افتقرت إلى الشفافية وازدحمت بمظاهر التكسب غير المشروع التى ضيعت المعنى والمقصد للخصخصة). وبرغم المصاعب المتلاحقة على الساحة الإقتصادية الدولية ، فإن تركيا  ظلت تحتفظ بمعدل نمو بلغ 6% ( مازالت هناك مصاعب تتمثل فى العجز الكبير لحسابها الجارى وميزانيتها العامة ومعدل بطالة بلغ 12%وتشير معظم التقارير الإقتصادية إلى أن الحركة الديناميكية فى الإقتصاد التركى تبشر بنجاحات إقتصادية متتابعة فى المستقبل المنظور

الأمر الثالث هو أن تركيا إستفادت كثيرا من سعيها للإنضمام للإتحاد الأروبى ، برغم أن ذلك لم يتحقق. وفحوى ذلك أنها طورت الكثير من القوانين فى ضبط المعاملات وصيانة الحقوق ، ومراعاة المواصفات والمقاييس الصناعية والتجارية ، بما يتلاءم مع السائد فى بلدان الإتحاد الأروبى ، وقد أصبحت كل هذه التعديلات والتحسينات، جزءا لا يتجزء من المنظومة الإقتصادية والإجتماعية  الداخلية لتركيا، ولمصلحتها فى المنافسة فى الأسواق الخارجية. هذا علاوة على أن هذه البنية المتطورة من القوانين والنظم ستساعد على جذب الإستثمار الأجنبى المباشر.  كما أن الضغوط التى مارستها البلدان الأروبية على تركيا ، ما فتئت أن  وظفتها الدولة التركية فى شكل خطوات إيجابية لتحسين أوضاع حقوق الإنسان وتحقيق تقدم فى مجال التعامل مع سكان تركيا الأكراد ، واحترام ثقافتهم وتراثهم ومراعاة حقوقهم السياسية( هذا الملف ما زال ينتظره المزيد من الجهد التركى
أما الأمر الرابع فهو  أن تركيا ظلت براجماتية فى سياستها الخارجية ، وهى توظف هذه السياسة لخدمة مصالحها القومية ... وواضح أن تركيا القرن الحادى والعشرين ، تعمل المبدأ البراجماتى فى السياسة الخارجية، ذلك الذى لايعرف أعداءا دائمين ، ولا يعرف أصدقاءا دائمين ولكنه يعرف مصالحا دائمة . وبالطبع يلاحظ المرء أن هناك ثوابت يدور حولها هذا المنهاج ، إلا أنها تراعى فى توازن لا يخل بميزان المصالح القومية التركية  فى كل الأحوال . فعندما طردت تركيا السفير الإسرائيلى  مؤخرا  لرفض إسرائيل الإعتذار  والتعويض عن هجومها على باخرة الإغاثة "مرمرة" فى المياه الدولية الذى حدث  فى مايو عام 2010  ، نجد أنها فى  ذات الأسبوع تقوم  بواجباتها فى إطار حلف شمال الأطلنطى بإعلانها عن الموافقة على إقامة منظومات رادار تابعة لحلف الناتو على أراضيها ....وفى ذلك رسالة واضحة من تركيا للولايات المتحدة وأوروبا بأن تركيا لن تنقطع عن تحالفاتها مع الغرب، برغم الأزمة فى علاقاتها مع إسرائيل
تلك هى العوامل التى ميزت سلوك حزب العدالة والتنمية فى تركيا وجعلته يحقق لبلاده مواقع متقدمة فى الداخل والخارج. ومن المفهوم أن تتمدد تركيا فى محيطها الطبيعى الذى يشكله العالم العربى بنفوذها الإقتصادى والسياسى ، وقدراتها المدعمة بعلاقاتها مع أروبا والولايات المتحدة سواء فى المجالات الإقتصادية أو فى إطار حلف شمال الأطلنطى . ويلاحظ هنا أن ذلك المد التركى يقابله تراجع عربى تكرست مظاهره خلال العقود الثلاثة الماضية.وبالطبع فإن الفراغ العربى تملؤه حركة تركية ، ما دامت لديها أدوات التفوق الإقتصادى والحكم الديمقراطى والمنعة العسكرية الذاتية أو تلك المعززة من حلف الأطلنطى .  ولفائدة الجميع ،فإن تركيا بنت قاعدتها على تعاليم مصطفى كمال أتاتورك (1881-1938) ،  وليس على أسس أخرى قد تكون فى خيال الحالمين والمترددين عن مواجهة مقتضيات المصالح العليا لبلادهم . فالقول الفصل هنا  أن تبلغ الشعوب  ما تريد، لا أن يفرض عليها ما لا تريد

Ahmed Gubartalla [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]