عندما تسلق الشاب المصرى أحمد الشحات إلى قمة المبنى الذى يضم السفارة الإسرائيلية فى القاهرة، فى العشرين من الشهر الماضى ، وأزال العلم الإسرائيلى ووضع مكانه العلم المصرى، وجد ذلك الفعل ترحيبا كبيرا فى الشارع المصرى ، وشغل أجهزة الإعلام ومجالس الحديث فى كل مكان. وخلفية هذا العمل ترجع إلى المظاهرة التى احتشدت بجوار موقع السفارة الإسرائيلية ، إحتجاجا على إستشهاد جنود مصريين بنيران جنود إسرائيليين داخل الأراضى المصرية ، ومطالبة المتظاهرين أمام السفارة بطرد السفير الإسرائيلى وسحب السفير المصرى من إسرائيل.ووقف تصدير الغاز الطبيعى إليها.                                                                   
لقد كان لتلك الحادثة ردود أفعال واسعة على الساحة المصرية ، فى إتجاه يدفع بضرورة فتح العديد من الملفات فى العلاقة بين مصر وإسرائيل. ومن خلال وجودى ومتابعتى فى القاهرة ، وحواراتى مع بعض المهتمين ومع المتابعين لتحديات السياسىة الخارجية المصرية فى هذا الظرف الحرج ، فقد تراءى لى أن الحدث يتجاوز المشهد الإنفعالى والدرامى الذى إرتبط به .بل إنه فرض التفكير والتداول والجدل حول قضايا ذات طبيعة براجماتية واستراتيجية تتعلق بصميم مبادئ والتزامات السياسة الخارجية المصرية ، سواء كان ذلك فى نطاق الأمن القومى المصرى أو على امتداد النظام السياسى العربى فى مواجهة إسرائيل أو فى مواجهة الأطماع الدولية فى السيطرة على الموارد والنظم العربية . ومن هنا يمكن طرح القضايا التى أفرزها هذا الحدث، وما يترتب عليه من أفعال وردود أفعال مستمرة ، هى بالضرورة ستكون من تحديات لا قبل للسياسة الخارجية المصرية سوى التعامل معها ضمن متطلبات حماية الأمن القومى المصرى.، بل والفلسطينى والعربى أيضا.                                 
أول القضايا التى تطرح نفسها هنا هى التنازع المفهوم بين الشعارات الثورية وبين الممارسات البراجماتية فيما يتعلق بالسياسة الخارجية المصرية تجاه إسرائيل. ومن المفارقات فى هذا الصدد ، أن الفجوة الكائنة بين الإثنين ( الحكومة وعامة الشعب) ظلت قائمة فى كل العصور بعد وفاة الزعيم الراحل جمال عبد الناصر فى عام 1970. ومنذ ذلك الوقت ، أصبح الموقف الشعبى العام يصر على التشدد مع إسرائيل بينما ظل النظام فى أيام الرئيس أنور السادات والرئيس حسنى مبارك يعتصم بالبراجماتية فى عصر السادات والتعايش المفرط فى النزعة التوافقية فى عهد الرئيس مبارك. ثم جاءت حكومة ثورة 25 يناير  الإنتقالية ، وهى أيضا تشهد نوعا من الفجوة بين "منطق الدولة " و "منطق الثورة" أو بعبارة أخرى بين "إلتزامات الدولة" و " طموحات الثورة"...والأولى تعبر عن التزامات مصر الواردة فى معاهدة السلام مع إسرائيل ، أما الثانية فهى تنحو إلى قلب المعادلات القديمة وفرض صيغة جديدة فى التعامل مع إسرائيل. وبين هذا وذاك ، تجد الحكومة الإنتقالية نفسها فى موقف لا تحسد عليه، لأنها بحكم أمدها القصير تريد أن تترك مثل هذه القضايا الكبرى للحكومة المنتخبة التى ستتولى زمام الأمور. وهنا تأتى ضرورة النظر فى تعدبل  بعض بنود إتفاقية السلام بين مصر واسرائيل التى وقعها الرئيس السادات فى عام 1979. والراجح أن التعديل سيتجه إلى البنود الخاصة بالوجود العسكرى المصرى فى سيناء. ومن المتوقع أن ينجح هذا المسعى ، لأن ثمة إشارات من الجانب الإسرائيلى عن استعداده لمثل ذلك التعديل فى الإتفاقية . وفى تقديرنا أن إسرائيل تريد أن ترى مصر تتصدى لمشكلات الأمن فى سيناء ، ولكن دون قلب ميزان القوى الذى وضعته الإتفاقية ، وهنا سيكون التفاوض شاقا للخروج بصيغة يوافق عليها الطرفان.
الأمر الثانى الذى طرحته هذه الحادثة ويتحدث عنه الناس فى القاهرة، يتمحور حول سؤال ذى طبيعة إستراتيجية يتعلق بمستقبل العلاقة مع إسرائيل شكلا وموضوعا. فكلنا نعلم أن ألرئيس أنور السادات عندما وقع إتفاقية السلام فى عام 1979 كان يريد لها أن تكون علامة تاريخية تفصل بين سنوات الحروب وعصر السلام. بل إنه كان يريد لحرب أكتوبر 1973 أن تكون آخر الحروب بين العرب وإسرائيل. غير أن حادثة إستشهاد الجنود المصريين والتعبئة الشعبية العارمة فى الساحة المصرية ضد السياسة الإسرائيلية، فتحت الباب مرة أخرى لجدل حول أهلية إسرائيل للعيش في سلام مع العرب، مالم تعط الفلسطينيين حقوقهم المنصوص عليها فى قرارات الشرعية الدولية . والملاحظ ، ولأول مرة ، أن هناك نوعا من التوتر والتخبط ظهرا على الساحة السياسية والإعلامية الإسرائيلية ، بسبب ردود الأفعال الغاضبة للشعب المصرى  .  وظهرت دعوات فى إسرائيل للقبول بتعديل إتفاقية السلام فيما يتعلق بحجم القوات المصرية فى سيناء...وأخرى تتحدث عن الإستعداد لأسوأ الفروض لمواجهات جديدة مع مصر فى المستقبل...والمحصلة هنا أن إسرائيل أصبحت تدرك الآن أنها لا بد أن تتأقلم للتعامل مع مصر بصورة تختلف عن تعاملها معها فى ظل حكم الرئيس السابق حسنى مبارك. وبالطبع فإن المرء لا يتوقع تحولا دراميا فى السياسة الإسرائيلية بشكل سريع ، ولكن عملية تدريجية ستطرأ على الجانب الإسرائيلى ، وهذا أمر يفرضه منطق التاريخ. من ناحية أخرى ، فإن سؤال العلاقة الإستراتيجية لا يقتصر على إسرائيل وحدها ، ولكنه يمتد ليشمل الولايات المتحدة أيضا. بمعنى أن الأخيرة هى الراعى والضامن لإتفاق السلام بين مصر وإسرائيل، ويشكل إنهيار نظام مبارك وضعا جديدا يفرض على الولايات المتحدة التعامل مع وضع جديد ستفرزه الحكومة المصرية التى ستأتى بعد الإنتخابات. مع ملاحظة أن السياسة الخارجية لهذه الحكومة القادمة ستخضع لضغط قوى من الشارع المصرى ، ولن تكون قراراتها معزولة عن توجهات الرأى العام المصرى ، كما كان عليه الحال فى الماضى. هذا مع الإقرار بأن الثلاثين عاما التى مضت على إتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل لم تخلق تطبيعا أو علاقة طبيعية بين مصر وإسرائيل ، وظلت العلاقات بينهما ممارسة سطحية وفوقيه تقتصر على الرئيس المصرى  ورئيس دولة إسرائيل ورئيس وزرائها وبعض الوزراء من الطرفين. ويحضرنى هنا أن أحد السياسيين من قادة ثورة 25 يناير  أشار فى إجابة على سؤال حول هذا الموقف بقوله: إن الطبع يغلب التطبع...!!!  وقال لى أحد المهتمين هنا ، أن الساسة الإسرائيليين  يعرفون جيدا موقف الشعب المصرى تجاه إسرائيل ، غير أنهم كانوا يدارون معرفتهم هذه وراء ستار كثيف فرضه نظام مبارك لكبت هذا الموقف كى لا يعبر عن نفسه ...مما أعطى حكام إسرائيل الفرصة للمضى فى سياسات متغطرسة وظالمة للفلسطينيين ولمصر وكل العرب ، تتسم بحماقة القوة والإستفادة القصوى من الدعم الأمريكى. وقال محدثى : إن إسرائيل ترى وتسمع الآن أن هناك فى مصر من ينادون بإلغاء إتفاقية السلام معها إن هى  لم تحترم حقوق الفلسطينيين وحرمة الحدود المصرية ... وسيشكل ذلك ضغطا على إسرائيل لم تعهده من قبل.                     
أما المسألة الثالثة والهامة التى تتداعى إلى الفكر هنا ، فهى متعلقة بوضع مصر الجيوبوليتيكى فى منطقة الشرق الأوسط ودورها كقوة إقليمية فى هذه المنطقة الحيوية من العالم. و لا يخفى على القارئ أن مصر لم تعد خلال العقدين الماضيين تلك القوة الإقليمية التى تمسك بالخيوط وتستخدم وزنها فى صياغة المعادلة الإقليمية. فالواضح أن القوى الإقليمية الأخرى مثل تركيا وإيران وإسرائيل أصبح لها القدح المعلى فى التأثير على مجرى الأحداث وتطوراتها. وقد تراجعت مصر كقوة إقليمية مؤثرة بما لا يتناسب مع حجمها ووزنها وتاريخها وقدراتها. أما الآن ، فهناك صيحات داوية ، وأفكار رصينة ، وأطروحات موضوعية ، تريد لمصر أن تعود لموقعها المرموق فى المنطقة. ولعل المواقف التى إتخذتها الحكومة التركية مؤخرا تجاه إسرائيل ( تخفيض مستوى التمثيل الدبلوماسى ووقف التعاون فى المجال العسكرى ) أصبحت تمثل ضغطا على صانع القرار السياسى فى مصر، وتثير الكثير من التساؤلات عن إجراءات تتعلق بالسياسة الخارجية المصرية فى المنطقة. غير أنه من الضرورى أن نؤكد هنا أن وضع مصر فى هذا الظرف بالذات لا يمكن مقارنته بوضع تركيا ، ومن نافلة القول أن هناك قيودا عملية تجعل مصر الآن لا ترفع سقف إجراءاتها فى التعامل مع إسرائيل ، وذلك سيكون بالطبع إلى حين. غير أن المهم فى هذا السياق أن ندرك ضرورة أن يتوقع المرء صعودا مصريا مدروسا على سلم التوازن الإقليمى ، بما ينهى حالة الصعود المنفرد لغيرها ، وذلك بالنظر إلى معطيات الدور المصرى الذى تفرضه ضرورات إستراتيجية لا مناص من إعتبارها واستيعابها.
وأخيرا علينا أن نستوعب حقيقة هامة ، ألا وهى أن السياسة الخارجية المصرية تجاه إسرائيل ليست هى بالمعادلة السهلة أو البسيطة. إنها معادلة معقدة ومركبة ، وتدخل فيها عناصر أخرى عديدة. وتشمل تلك العناصر الوضع فى سوريا ومآلاته ، خاصة فيما نراه من علامات بائنة لإنهيار النظام السورى فى المستقبل القريب. كذلك ما سيكون عليه حال حزب الله فى لبنان وتداعيات ذلك على الأوضاع فى قطاع غزة ...وما سيحدث من تطورات تتعلق بالمسعى الفلسطينى لإعلان الدولة الفلسطينية من خلال الدورة المقبلة للجمعية العامة للأمم المتحدة، وهو أمر تعارضه الولايات المتحدة وإسرائيل. هذا علاوة على المدى الذى ستبلغه التحركات التركية فى علاقاتها مع إسرائيل ، وما ستحمله الأيام من تطورات الوضع الداخلى فى إيران ، إذ يرى الكثير من المراقبين أن عواصف الربيع العربى ستأخذ طريقها إلى نظام ولاية الفقيه ، سواء طال الأمد أم قصر!! كل هذه المسائل والقضايا سيكون لها دورها فى تشكيل الموقف الخارجى لمصر إزاء إسرائيل.
ختاما ، يجدر بى أن أنوه إلى ما تابعته  من حشد جماهيرى فى القاهرة بميدان التحرير بعد ظهر اليوم ، الجمعه التاسع من سبتمبر، تحت شعار " جمعة تصحيح المسار" والحشد لم يخل من هموم تتعلق بالموقف من إسرائيل ، برغم الطرح المكثف للعديد من القضايا الداخلية التى تشغل أهل مصر. وبالمناسبة ، فإن العلم الإسرائيلى الذى أنزل من سطح المبنى ورفع العلم المصرى بدلا عنه بواسطة الشاب المصرى أحمد الشحات، أعيد رفعه بواسطة موظفى السفارة الإسرائيلية ، ليس على سطح المبنى ، كما كان، ولكن هذه المرة ،فقط  على شرفة الشقة التى تقع فيها السفارة !!! ومن مفارقات القدر وأنا أختم هذا المقال جاءت الأنباء باقتحام المتظاهرين المصريين لمقر السفارة الإسرائيلية وحملت صور تلفيزيونية وثائق تتطاير من السفارة ، قال المعلقون أنها ضمن الوثائق الموجودة بها. وهكذا فإن ما يدور من أحداث حول السفارة الإسرائيلية بالقاهرة يدفع بأحداث تستوجب المتابعة لما لها من آثار تتعلق بما أوردناه  فى هذا المقال.                                                      
Ahmed Gubartalla <عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.>