نعلم جميعا أن ما عاشته مصر منذ الخامس والعشرين من شهر يناير الماضى ، أدخلها بجدارة لا تضاهى فى سجل الثورات التاريخية العظيمة. وهذا الوصف لما جرى على أرض الكنانة من زلزلة تفوق الكثير من توقعات المراقبين والدارسين يأخذ فى الإعتبار الصفات الفريدة التى تميزت بها هذه الثورة . وكل ذلك مرتبط بالإطار السياسى والإجتماعى الذى إنفجرت فيه بشدتها وعنفوانها ، وتجاوزت  كل القراءات التى ظل يتداولها أهل العلوم والممارسات السياسية ، سواء كانوا فى مصر أو فى خارجها. والأمر المهم أن هذه الثورة جاءت متفجرة كالبركان الكاسح ، ولم تحرض عليها قيادات سياسية تقليدية ، ولم يكن لها من تخطيط صفوى أو حزبى  بالمفهوم الكلاسيكى للكلمة ، ولكنها جاءت كالصعقة الداهمة لكل ما يعترض سبيلها من  عقبات ، ولم تعط أهل النظام السابق فرصة لإدراك أبعادها ، ناهيك عن إعطائهم فرصة للسعى لإجهاضها .  ويبدو أن ما حدث فى مصر ، إطاحة بنظام الرئيس السابق محمد حسنى مبارك ، لم يكن سوى نتيجة طبيعية لتراكمات بعيدة المدى أحدثت إختلالات هائلة فى التعامل بين الشعب المصري وحكومته  ، مما أضطر هذا الشعب إلى الإنفجار فى لحظة تاريخية ، إكتمل فيها نضوج الفعل الثورى ، واستحالت فيها كل صيغ التعايش مع النظام السياسى السابق. وحتى نفهم هذا الحدث بصورة أفضل ، يمكن أن نستعير هنا ما تعارف عليه الثائرون والمفكرون فى مصر ، بأن ثورتهم كانت من أجل الحرية والكرامة والعدالة... أو بعبارة أخرى ، أنها ثورة ضد التسلط والقهر ، وثورة من أجل سيادة القانون وحقوق الإنسان ، وثورة من أجل العدالة الإجتماعية والقضاء على الفساد بكل صوره الإدارية والمالية والسياسية.
فى هذا الإطار العام ، تمتعت الثورة المصرية الماثلة أمامنا الآن بخصوصيات ترتبط بتاريخ وبنيان وثقافة الشعب المصرى . غير أن ضخامة الحدث وتداعياته لن تقتصر على مصر وحدها ،  وذلك مرده إلى الأهمية الإستراتيجية القصوى لمصر فى محيطها العربى والإفريقى. وعليه، يستطيع المرء أن ينبه إلى أن السودان سيظل أكثر الدول تأثرا بما جرى فى مصر ، مثلما علمنا التاريخ السياسى للمنطقة ، فالرياح السياسية ظلت تهب دائما من الشمال إلى الجنوب ، ولم نشهدها فى مثل هذه الأحداث الكبرى تهب فى الإتجاه المعاكس! ولكن المخيف فى هذا الأمر أننا فى السودان لا نتمتع بالتجانس الذى يسود التركيبة السكانية والثقافية فى مصر، مما ساعدها على إمتصاص صدمات الزلزال الثورى الذى أتى بالتغيير. وفى حالتنا ، سيحتاج السودان إلى جهود خارقة للتعامل مع مثل هذا الزلزال ، للحفاظ على ما تبقى لنا من كيان سياسى بعد إنفصال الجنوب.  
يهمنى فى هذا المقال أن أؤكد للقارئ الكريم أننى طوال مدة زياراتى وإقاماتى بمصر خلال فترة تقارب الخمسين عاما ، تبين لى هذا الأسبوع أننى قد ودعت ما يمكن أن أسميه " مصر القديمة" ودخلت إلى رحاب ما أطلق عليه " مصر الجديدة" . وهذا التغيير الكبير ، يجب ألا ينظر إليه بأنه إنسلاخ من الماضى ولكنه فى جوهره تفعيل للمخزون الحضارى الإستراتيجى للشعب المصرى ، وعبور مرغوب  إلى آفاق سياسية جديدة ترتبط عضويا بتطلعات الإنسان المصرى وطموحاته .  وقد قال لى أحد كبار السن من الحكماء فى مصر ، أن ثورة يناير إستوحت جوهرها من ثورة 1919 فى مصر وما تضمنته من المعانى السامية التى ناضل من أجلها هذا الشعب أيام الزعيم سعد زغلول  .. وزاد الرجل فقال : إن المصريين يتميزون بالصبر الطويل على المحن والمكاره وحماقات الحكام ومفاسدهم ، غير أنهم عندما يثورون عليهم ، يستجمعون كل إمكانات القوة والإصرار على النصر وتصحيح المسار. وبهذا المعنى فقد جاءت ثورة يناير 2011 كاسحة لا تعرف التراجع ولا تتوقف عند أنصاف الحلول فيما طرحته من حتمية تغيير النظام.
ونريد فى هذا المقال أن نطرح ما أسميناه مشاهد من " مصر الجديدة" ...وذلك من وقائع ما تبدي لنا حتى الآن. فالمشهد الأول ، وبلا منازع، هو مثول الرئيس المصرى السابق محمد حسنى مبارك أمام المحكمة فى صباح اليوم الثالث من أغسطس الجاري، ومعه فى قفص الإتهام نجلاه علاء وجمال ، ومعهم وزير الداخلية السابق حبيب العادلى وعدد من كبار معاونيه.  لقد دار الحديث الكثير قبل يوم المحاكمة عن إحتمال عدم مثول الرئيس السابق أمام المحكمة...ولكن ما حدث ، عندما نقلت كاميرات التلفزيون المصرى دخوله إلى قفص الإتهام وهو يرقد على سرير طبى ، أصاب الكثيرين بشئ من الذهول ، فى اللحظات الأولى، نظرا لما حمله الحدث من خروج تام على المألوف فى مصر وفى كل المنطقة العربية . حيث يرى الناس  رئيسا يخضع للمحاكمة ، وبهذا المعنى تنتهى تماما أسطورة الحكام الذين ظلوا يعيشون فوق القانون ، ويفعلون بعباد الله ما يشاؤون دون محاسبة أو مساءلة . وقد أجمعت الآراء هنا فى مصر ، على أن المحاكمة ليست فقط مهمة فى ذاتها، ولكنها مهمة أيضا فى دلالاتها التى تفتح مفهوما سياسيا جديدا لمصر  فحواه أن الحاكم لن يفلت من الحساب ولن يستعصى على المساءلة ، ولا حصانة لديه من ذلك. وبهذا ترسى مصر مبدأ أساسيا كان مهدرا وضائعا لسنوات طويلة صبر عليها الشعب المصرى. وقد لا حظت أن كل وسائل الإعلام المصرية أمعنت فى التركيز على هذا المفهوم الحضارى الذى يعبر عن سيادة القانون والمؤسسية فى ممارسة الحكم. ثم هناك ملاحظة أخرى لا بد للمرء أن يبديها ، وهى أن إحضار الرئيس السابق إلى قاعة المحكمة  وهو يرقد على سرير طبى ، وأثار ذلك الكثير من المشاعر بين أفراد الشعب المصرى . والمشهد لا يخلو من إثارة للشفقة  على رجل مسن وفى حالة صحية ليست جيدة ، مع ما يجب ذكره أن الموقف  لا ينفى ضرورة خضوعه للقانون ، ليدافع هو ومحاميه عن التهم الموجهة إليه من قتل للمتظاهرين المدنيين، وإستغلال للنفوذ والفساد. وقد برع أحد الذين حاورتهم فى الأمر من شباب مصر، حيث لخص المشهد بأنه لا يخلو من نوع من الصراع بين عقل مصر وقلبها، حيث يظل العقل مع القصاص والعدالة ، وينزع القلب نحو العاطفة واعتبارات غير موضوعية ، لكنها لا تخلو من مشاعر إنسانية .  ومن جانبى ، أود هنا أن أزيد على ذلك بأن نفس المبدأ تسعى كل شعوب المنطقة إلى تحقيقه ، بالنظر إلى حتمية تأثرها بما جرى فى مصر ...والمسألة ليست سوى مسألة وقت ، وسنرى أكثر من محاكمة فى بلدان عربية أخرى على هذا المنوال.  وبغض النظر عما ستسفر عنه هذه المحاكمات ، فإن الرسالة والمغزى قد وصلا بالفعل إلى الحكام وإلى الطامحين فى الحكم فى مصر. ونحن نأمل أن تصل هذه الرسالة تدريجيا إلى الحكام العرب جميعا ، وذلك ليكفوا عن ممارسات الفساد السياسى والمالى والإدارى ، ويقلعوا  عن خرق حقوق مواطنيهم ، ويبتعدوا عن ممارسات التسلط والتعالى على الناس ، لأن يوم الحساب فى الدنيا قد اتضحت معالمه وظهرت بوادره ، والكل يعلم أن شعوب القرن الحادى والعشرين لا يمكن أن تحكم بطرائق القرون الوسطى.
أما المشهد الثانى فى  "مصر الجديدة"  فهو يتعلق بميدان التحرير الذى يقع  فى وسط العاصمة المصرية. إذ كان هذا الميدان  فى الماضى  مجرد نقطة مركزية على خارطة القاهرة، أو رئة تتنفس منها منطقة وسط البلد ، وتلتقى عندها طرق العديد من وسائل المواصلات. غير أن ميدان التحرير فى "مصر الجديدة " أصبح رمزا للتعبئة الشعبية والثورة والتغيير. فمنه إنطلقت التعبئة الكبرى للمتظاهرين ضد نظام الرئيس السابق حسنى مبارك، وفيه أقام المتظاهرون فى الخيام وافترشوا الأرض حتى سقط النظام ، حيث ظلوا يرفعون شعاراتهم دونما خوف أو تردد. والأهم من ذلك أن العديد من الشهداء سقطوا فى المنطقة المحيطة بالميدان ، وذلك لقرب موقعه من مبانى مجلس الوزراء ومجلس الشعب ووزارة الداخلية ومقر الحزب الحاكم.  وبالطبع فقد أخلى المحتجون والمتظاهرون الميدان مؤخرا ، خاصة عندما أستجيب لإصرارهم على مثول الرئيس السابق ونجليه ووزير داخليته أمام المحكمة.   وقد قمت بجولة فى ميدان التحرير ، حيث ترابط بعض القوات للحفاظ على الأمن والنظام، وطافت بذهنى الكثير من المعانى، التى جعلت من هذا الميدان  محجا ومزارا للناس من كل أنحاء مصر ومن خارجها، نسبة لما يرمز إليه من علامة سياسية كبرى فى تاريخ مصر السياسى. 
وإذا ما إنتقلنا للحديث عن المشهد الثالث ، فهو يخص الطريقة الدرامية التى إختفى بها الحزب الوطنى الحاكم فى مصر من مسرح الأحداث. فقد إنهار هذا الكيان وتوارى عن الأنظار وكأنه لم يكن.  والحقيقة أن ذلك المصير لم يكن مستبعدا بالنظر إلى طريقة تكوين ذلك الحزب ، بوصفه تنظيما تابعا للحكومة ، وليس تنظيما أسسته القوى الشعبية. ومن خلال التجارب السياسية الماثلة أمامنا فى التاريخ المعاصر، فإن مثل هذه الأحزاب لا تعدو كونها أجهزة حكومية تبريرية تعج بالمنتفعين والمستفيدين بامتيازات على نفقة الخزينة العامة وخصما على موارد عامة كان يمكن توجيهها إلى قطاعات منتجة. ومثل  هذه الكيانات لا تقوى على الصمود عند الهزات السياسية، وتظل مرتعا لذوى الحناجر المرتفعة بالهتاف للسلاطين وأولياء النعمة  . وهكذا كان مصير الإتحاد الإشتراكى فى مصر، وحزب البعث فى العراق، ولجان القذافى الشعبية ، والإتحاد الإشتراكى فى ظل نظام الرئيس جعفر محمد نميرى ، وهكذا سيكون مصير المؤتمر الوطنى فى جمهورية السودان ومصير الحركة الشعبية فى جمهورية جنوب السودان. وليعلم الجميع أن الأحزاب الفوقية أو تلك الصورية والديكورية ، لا مجال لها فى  عصرنا هذا ، مهما توفرت لها من إمكانيات حكومية فى ظرف معين من الزمان. والأحزاب لا بد أن تكون كيانات سياسية شعبية يؤسسها الشعب  وتنبع منه ولا تفرض عليه  وتتمتع بالشفافية فى مصادر تمويلها وتلتزم بالديمقراطية فى ممارساتها ، ولا يصرف عليها أو على كوادرها من المال العام.
أما المشهد الرابع والأخير فى مصر الجديدة ، فهو يتعلق ببوادر الصراع السياسى الذى ظهر – كان من المحتم أن يظهر- بين التوجهات السياسية المختلفة حول شكل ومضمون الدولة التى ستتشكل حكومتها بعد الإنتخابات وإقرار الدستور. وما يبدو للمراقب الآن أن هذا الصراع يتمحور حول أطروحة الدولة المدنية وأطروحة الدولة الدينية . أو ما بينهما من أطروحة تتحدث عن الدولة المدنية الدستورية ذات المرجعية الإسلامية. ويدور حوار كثيف فى مصر الآن للخروج من هذا المأزق بصورة ديمقراطية. ويحضرنى فى هذا السياق مقال نشره الكاتب المصرى المرموق فاروق جويدة فى صحيفة الأهرام بتاريخ الخامس من أغسطس بعنوان " أفيقوا يرحمكم الله"...وفيه تحدث عن الحشد الذى جمع الليبراليين والعلمانيين وأنصار الدولة المدنية الحديثة بميدان التحرير يوم الثامن من يوليو  تحت شعار واحد هو شعار " الدولة المدنية " ، مقابل الحشد الذى جمعه  الإسلاميون يوم التاسع والعشرين من يوليو تحت شعار واحد هو " الدولة الإسلامية"...وخلص فاروق جويدة إلى مناشدة كل الأطراف أن يكفوا عن هذه الصراعات التى " لا تليق بثورة شاركوا فيها وأذهلت العالم .." وطالب الطرفين العلمانى والدينى أن يحترم كل منهما رأى الآخر. وقد أشارت بعض الشخصيات المصرية أن أولئك الذين ظهروا فى ميدان التحرير بالقمصان البلدية القصيرة واللحى الكثيفة " لم يأتوا من بلاد واق الواق " وذلك فى رفض للطرح الذى يربط هؤلاء بدوائر أجنبية . على خلفية ما ورد فى عدد من الصحف المصرية بأن بعض هؤلاء كانوا يحملون الأعلام السعودية...وفى ذات السياق جاء فى بعض الصحف المصرية  أن العناصر السلفية التى تم حشدها فى يوم الجمعة التاسع والعشرين من يوليو  ، كانت تريد لمصر الجنوح نحو التطرف وتهديد السلام الإجتماعى ... وكذلك لاحظت أن  الكاتب محمد سلماوى أشار فى مقال له بصحيفة "المصرى اليوم " بتاريخ الخامس من أغسطس إقتبس فيه من رسالة تلقاها من أحد أصدقائه تقول " نعم نريد دولة دينية لتصبح مزدهرة كأفغانستان ، متحدة كالسودان ، شبعانة مثل الصومال وديمقراطية كإيران"!!
تلك مشاهد وتأملات من أرض الكنانة ، وبالطبع فإن الكثير من الأعباء  والتحديات تنتظر شعب مصر للتعامل معها فى إطار ديمقراطى ، ومتسق مع التحول الحضارى الكبير الذى تشهده الساحة المصرية . وأهم هذه التحديات يتمثل فى الحفاظ على الدولة المدنية ، وتفادى الفكر السياسى المائل للتطرف فى مواجهة الوسطية الحكيمة التى تسود معظم الأوساط المصرية  . تلك الوسطية التى تنهل من مركز الإشعاع الدينى العريق المنبعث من الأزهر الشريف ، ولا ترتبط بما سبق وأسماه الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر " فكر البادية"... ثم تأتى مسألة الإصلاح الإقتصادى والتعامل مع التركة المثقلة التى تحتاج لجهد كبير لإعادة الثقة الداخلية والخارجية فى الإقتصاد المصرى . ولا شك أن الشعوب العربية تنتظر من مصر أن تعود قوية وفاعلة فى محيطها العربى والدولى ، وهو دور تؤهلها له مواردها وتراثها وموقعها وكثافة سكانها . وأملى أن تكون فى المشاهد أعلاه ، عبرة لمن يعتبر ، لأنها مشاهد  - وإن كانت مصرية-  فهى تحمل معها رياحا ستهب فى كل الإتجاهات فى هذه المنطقة التى بليت بكثير من النظم التى لن تصمد أمام رياح الحضارة والتغيير ، وتلك رياح عاتية لم يشأ أن يفلت منها نظام بلغ من العمر ثلاثين عاما كنظام الرئيس المصرى السابق حسنى مبارك.
Ahmed Gubartalla [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]