ما يدور هذه الأيام فى كل من ليبيا واليمن ، ربما  يبدو للكثيرين بأنه أمر "معقول" من منظور الرفض لنظم حكم تنتمى إلى قرون سحيقة عفا الدهر عليها ولوجودها رفض .  وهذا المنظور يحتكم إلى طبائع الأشياء وتغير الأحوال والظروف باعتبار أن ما كان "معقولآ" فى القرن التاسع عشر من ممارسات فى الحكم ، لم يعد معقولآ فى القرن الحادى والعشرين . ومن هذه الزاويه، فإننى لا أختلف فى الرأى مع ما يذهب إليه هذا المنظور الديناميكى لأوضاع ليبيا واليمن فى هذه الأيام . غير أنى ، ومن زاوية أخرى ، يدعونى منطق الأشياء إلى إعمال منظور آخر  لما يجرى فى هذين البلدين العربيين . وفحواه أن ما نراه من أحوال تمارسها حكومتا ذينك البلدين هى فى ذاتها ضرب من ضروب " اللامعقول" لأن الحكومتين تصران على السير فى عكس إتجاه التاريخ ، لمقاومتهما للإرادة الشعبية العارمه التى ترفض إستمرار مسرحية اللامعقول التى طال أمدها فى كلا البلدين .  وبعبارة أخرى فقد قرر الجمهور فى الجماهيرية والجمهوريه، الخروج من مسرح اللامعقول ، بغض النظر عن الحيل والمراوغات التى يمارسها نظاما القذافى وصالح ، وبرغم التضحيات التى تبذل هنا وهناك بالروح وبالدم كما  تتعالى أصوات الجماهير.
                   ولكى نفهم أننا نتحدث عن "مسرح اللامعقول" فى هذين البلدين الشقيقين ( هما لا يشكلان إستثناءآ فى حكومات المنظومة السياسية العربيه ، التى منها من قضى نحبه ومنها من ينتظر!!   ) رأينا أن نذكر للقارئ الكريم أن كاتب هذا المقال ، عندما كان طالبا فى نهايات المرحلة الجامعية بالقاهره ،وقع الإنقلاب على نظام حكم الملك إدريس السنوسى (سبتمبر 1969 ) وصعد القذافى إلى سدة الحكم فى ليبيا. وكانت الإنقلابات وقتها ، فى كثير من الأحيان ، أمرآ مقبولآ عند معظم النخب السياسية العربية . غير أن نظام القذافى قدم نفسه بأنه نظام جماهيرى ، يرفض الصياغات الإشتراكية والرأسمالية للسياسة والإقتصاد ، وقال لأهل ليبيا  أنهم يحكمون أنفسهم،ثم قال لهم –أى العقيد القذافى- أنه ليس رئيسآ وإنما هو القائد الذى لا  يأتيه الباطل من بين يديه أو من خلفه.  ورفع "الكتاب الأخضر" الذى أجمع أهل الفكر والعقل أنه لا يعدو كونه خطرفات من هنا وهناك ، برغم ما ردد مروجوه عنه بأنه يحوى بين دفتيه الحلول لكل مشاكل البشر على وجه هذه البسيطه!! ومضت سنوات طوال ، وتقلب الحكم فى ليبيا من حماس قومى عربى إلى حماس إفريقى تملكه اليأس من مستقبل العروبه، مما أدى بالقذافى ليدعو نفسه " ملك ملوك إفريقيا". ورأينا ليبيا تتعرض لعقوبات دولية صارمه، نسبة لممارسات حاكمها المنفرد بكل قرار، ودفع أهلها الثمن باهظآ فى كل المجالات ، والزعيم  لا يعترف بكل ما سببه من مشقة واضطهاد لأهله . وإن كنا نحن فى السودان، شهداء على ما أصابنا من رذاذ الممارسات الجماهيرية هذه ، فلنذكر أن تدخلات النظام الجماهيرى فى دارفور جعلت من ذلك الإقليم مرتعآ للسلاح من كل نوع. ومصادمات ذلك النظام مع نظام دكتاتورنا الراحل جعفر نميرى ، فتحت خزائن الجماهيرية من المال والسلاح للحركه الشعبيه بقيادة الراحل جون قرنق. ثم رأينا فى مايو من عام 2008 كيف إندفعت حركة العدل والمساواه بأسلحة وعتاد حتى وصلت إلى مشارف الخرطوم ، وأجمعت كل التقارير أن مصدر ذلك السلاح والعتاد كان من ليبيا . ذلك ما هو إلا القليل من الأمثله على ما أصاب أهل ليبيا من تبديد لمواردهم وما أصاب جيرانها من تهديد لإستقرارهم ، وما أصاب الكثيرين فى لبنان وإيرلندا والفلبين ، ومواقع كثيرة لا تحصى . وبعد مرور واحد وأربعين عامآ، قال أهل ليبيا لصاحب النظريات والمغامرات، كفانا ، وعليك أن تتركنا فى حالنا وتترجل. غير أن القائد يرفض ذلك، ويصف معارضيه بأنهم ضحايا  حبوب الهلوسه، ويردد أن أهله يحبونه،( اللهم إلا إذا كان الشعب ماشوسيآ والزعيم ساديآ، وأنا أجزم بأن الشعب ليس ماشوسيآ). لكن يبدو أن مسرح اللامعقول هنا له بعض صلة بما حدث لروما وقصة نيرون.وهكذا تدور الأيام ، ولم يعد كاتب هذا المقال طالبآ فى الجامعه، لأن واحد وأربعون سنة قد مضت ، وتقاعد كاتب هذا المقال عن العمل لبلوغ سن المعاش، ومازال العقيد القذافى حاكمآ لليبيا. غير أن الرجل الآن فى ساعاته أو أسابيعه الأخيره. وحكاية " اللامعقول " هنا أيها القارئ الكريم ، أن المرء لا يدرى كيف تضيع أربعة عقود من عمر شعب شقيق بهذه الفداحة ؟ ( نحن هنا أضعنا أكثر من ذلك منذ عام 1956، ولذلك لسنا خارج مسرح اللامعقول).                         
           كذلك فإن قصة أهلنا فى اليمن ، لا تقل من حيث الدراما عن تلك التى واجهتها ليبيا، وربما كانت هناك بعض الفوارق البسيطه التى لا تؤثر على جوهر المأساة الماثله على مسرح اللامعقول هناك. وموجز ذلك أن كاتب هذه السطور ذهب إلى اليمن لأول مره، منذ خمس وعشرين عامآ، وكان الرئيس على عبد الهس صالح هو الرئيس وقتها. ونسبة للتعقيدات القبلية الحساسة فى اليمن ،لم يكن أحد حكامها - بعد نظام الإمام - يمكث طويلآ فى الحكم. ولكن هذا لم ينطبق على الرئيس على عبد الله صالح الذى تمكن من البقاء فى السلطه لثلاثة وثلاثين عامآ. غير أن الأطروحات السياسيه التى لازمت حكمه ، قد انطفأ بريقها وضاع مفعولها ، منذ حوالى عشر سنوات. لكنه أصبح  من محظوظى أحداث الحادى والعشرين من سبتمبر 2001 ،حيث أقام حلفآ مع الولايات المتحده تحت مظلة " محاربة الإرهاب"... وذلك ما أعطاه نفسآ ، لبضع سنوات ،حتى هبت عليه الرياح من شمال اليمن فى شكل صراع مسلح مع الحوثيين، ثم أتته الرياح من الجنوب، مما أسمى بحراك الجنوب، وأخيرآ جاءته عاصفة القرن الحادى والعشرين التى هبت على تونس ومصر وليبيا.( على فكره القائمه هنا تطول ولم تتوقف العاصفه بعد !)  وها نحن نراه هذه المره يطلع على أهلنا فى اليمن وعلينا بأن ما يجرى فى بلاده لا يعدو كونه مؤامرة أمريكية إسرائيليه مسلطة على النظم العربيه!! ولو أمعن الرجل النظر فى ما يجرى حوله فى العالم العربى ، لأيقن أن المسأله ليست هى قضية مؤامره خارجيه، ولكنها قضية أزمة داخليه، تستدعى تغييرآ جذريآ فى طرائق الحكم وإدارة الدوله ،وقد حان أوان هذا التغيير  . وبعبارتى التى طرحتها على القارئ فى مستهل هذا المقال، فإن عروض" مسرح اللامعقول" قد انتهى زمانها، وقد ملت الشعوب العربيه حالات اللاوعى التى سبق وتحدث عنها الكاتب المصرى الراحل توفيق الحكيم، برغم إختلاف الحال بين ذاك الأمس وهذا اليوم!!                                
                   وقد يتساءل المرء عن منطق الجمع بين الجماهيرية الكائنة فى شمال إفريقيا وبين الجمهورية الواقعة فى قلب الجزيرة العربيه ؟ ونسارع هنا بالتوضيح الموجز بأن ما يجمع بينهما  هو التركيبة الإجتماعية المعقدة التى يقوم عليها النظام السياسى فى هذين البلدين. وهى تركيبة قبلية ممعنة فى الترابط والتشابك، الأمر الذى يجعلهما متشابهتان فى المسار والصعاب التى تكتنف عملية تجاوز النظامين السياسيين فيهما. وبرغم أن منطق السياسة والعصر والتاريخ، يقول لنا أن نظاميهما فى الطريق إلى الزوال والتغيير، إلا أنهما ستسلكان طريقآ مختلفآ عن ذاك الذى سلكته كل من تونس ومصر. فالجماهيرية الليبيه والجمهورية اليمنيه، تنتظرهما مصادمات داخلية داميه، وتعترضهما مواجهات تكون فيها إحتمالات الكلفه الباهظه لعملية التغيير ، والتى لا شك أنها آتية وواقعه. ليس هذا وحده، بل إن  ليبيا مرشحة لتدخلات أجنبيه ، بسبب أهمية إنتاجها من النفط وبسبب موقعها الإستراتيجى فى موقع الظهر من أروبا ، وتلك أمور تدخل فيها حسابات كثيره، تتراوح بين مخاوف أروبا من الهجرة غير المشروعه من إفريقيا ، وأطماعها فى السوق الليبى ، وغير ذلك من دواعى الأمن والأمان من وجهة النظر الأروبيه .
               نخلص من ذلك أن خروج كل من الجماهيريه والجمهوريه من براثن النظام القديم إلى محاسن النظام الجديد ، تحيط به الكثير من المخاطر والمجهولات من المآلات والنتائج . وعليه فإن الخروج بالنسبة لهما من مسرح اللامعقول إلى عالم المعقول ، يشبه الولاده المتعسره،ولكنه طريق لا رجعة فيه إلى الوراء مهما تعاظمت المخاطر والعراقيل.
              ونأتى بعد ذلك إلى مربط الفرس، وهو داء الجمود فى القيادة السياسية الذى أصاب الجماهيرية والجمهوريه ( لقد ثارت تونس ومصر على هذا الجمود وتخلصتا منه، وهناك غيرهما العديد من الأنظمة العربية التى ما زالت تعانى من هذا الداء العضال). وفى ذلك مظهر آخر من مظاهر اللامعقول فى الأنظمة السياسية العربيه. حيث ينشأ جيل كامل، يولد ويكبر ويبلغ عقده الرابع وهو لا يعرف غير رئيس واحد أحد!! تهتف له الجماهير أو إن شئت فقل، يهتف له أزلام النظام والمستفيدين منه، ويتضخم الأنا عند ذلك الحاكم لدرجة أنه يصدق أن بلاده لا تستطيع أن تنجب مثله أو من يعوضه!! ويتحول الحكم هنا من ممارسة ديناميكية يحكمها التداول والتغيير إلى ممارسة تسلطية جامدة ترفض المساءلة والمحاسبة والرقابة الشعبيه، بما يقضى تمامآ على حقوق المواطنين، ويلغى وجودهم ككائنات سياسيه. وهنا يقع الزعيم فى هوة التعارض الدائم مع رغبات شعبه التى لا يراها وتحجبها عنه ضخامة الأنا والبطانة المتمكنه من النظام. ويمكن أن ينطبق ذلك على ليبيا واليمن، موضوعى هذا المقال، مثلما ينطبق على العديد من النظم الأوتوقراطية العربية التى يرزح تحت نيرها الإنسان العربى. ولا بد ان نشير هنا أن النظام السياسى الأمريكى ونظم أخرى فى أروبا وغيرها، قد فطنت مبكرآ إلى مخاطر البقاء الطويل للحكام فى مقاعدهم، وحددت عدد سنوات ودورات الرئاسه ،إدراكآ منها للكوارث التى يمكن أن تحل بالشعوب من جراء الحكام الذين لا يغادرون مقاعدهم إلا بالإطاحة الشعبيه، أو بنداء السماء!!
           ملاحظة أخيره نبديها حول محنة الجماهيرية الليبيه والجمهورية اليمنيه،وهى أن حلفاء زعيميهما السابقين فى الدول الغربية خلال السنوات القليلة الماضيه، قد نفضوا أيديهم عن الزعيمين. وقرروا ملاحقة أحدهما عن طريق المحكمة الجنائية الدوليه، تحت طائلة إرتكاب " جرائم ضد الإنسانيه"...ومعنى هذا أن هؤلاء الحلفاء السابقين ، وضعوا كل رهاناتهم السياسيه فى نظام سيأتى بعد نظام القذافى. ولا يستبعد المراقب للأحداث، أن يسعى أولئك لوضع الرئيس اليمنى فى ذات الأغلال...ونحن نسمع كثيرآ من  الصدى المتردد  حول ضرورة التدخل" لحماية الشعوب من بطش حكامهم الذين يتشبسون بالسلطة برغم رفض شعوبهم لهم".وإذا كان البعض ما زالوا لا يدركون فداحة الأبعاد الدوليه لمثل هذه الوسائل والتدخلات ، فإن تعقب المعارضين فى الجماهيرية أو فى الجمهورية، أو فى غيرهما سيتحول من" الزنقة" التى وردت فى سياق اللهجة الدارجة لشمال إفريقيا ، إلى "زنقة" واردة فى سياق اللهجة الدارجة السودانيه.!!!                                             
Ahmed Gubartalla [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]