عندما هبت العاصفه على تونس فى الشهر الماضى ، ثار الكثير من الجدل على امتداد الساحة العربيه إن كانت تلك العاصفه "ظاهرة تونسية" لن تعبر الحدود إلى بلدان أخرى فى المنطقه أم أنها عاصفة " عابرة للحدود" ؟ غير أن العاصفه سرعان ما هبت بعنف ساحق على النظام الحاكم فى مصر  ، ثم توالت العواصف فى الجزائر واليمن والأردن والبحرين وجيبوتى وليبيا ، دونما هواده . وظهر للعيان أن الأمر ليس حادثآ تونسيآ ولكنه حادث عربى  يزلزل الأرض من تحت أقدام العديد من النظم العربية الحاكمه ، ويطالب الحكام ليس فقط بالتغيير، وإنما يطالبهم بالرحيل التام من بلادهم !! ومن غرائب الأمور أن بعض الأنظمة العربيه تسابقت للتصريح بأنها ليست تونس.. وعندما ضربت العاصفة مصر، قالت هذه الأنظمه أنها ليست مثل مصر... وعندما اندلعت المظاهرات فى الدول العربية الأخرى ، ظهر الإرتباك على تلك  النظم التى حاولت أن تدعى أنها "ذات حصانه" مما يجرى حولها !! نعم ، حدث ذلك  بالرغم من أن دواعى الإنفجار فى الدول التى اشتعلت فيها نيران الثورة الشعبيه ، هى ماثلة بكل تفاصيلها فى الدول المدعيه للحصانة من العاصفه... ويرجح الدارسون والمحللون    بأن المساله هى مسألة وقت ليس إلا ... وأن العاصفة آتية لا ريب فيها والعاقل من أسرع بالإمتثال لرغبات الشعوب وتطلعاتها المشروعه فى الحرية والديمقراطية والعدالة الإجتماعية ونبذ التسلط والديكتاتورية والفساد . ويبدو أن الشعوب العربيه لم تعد كما كانت فى الماضى ، ولم يعد ينطلى عليها حكم الشعارات وبيع الوهم والأوهام ، فى عصر الإنترنت والفيسبوك والفضائيات ، ولم يعد من مجال للحكام أن يغلقوا المنافذ على الشعوب وأسرها فى غرف مظلمه ويمارسون عليها أساليب الحكم التى عفا عليها الزمن ، بل تلك التى تتنافى وروح العصر الذى نعيش فيه وتنتمى ممارساتها فى الحكم إلى العصور الوسطى فى كثير من الحالات .          
                 إن العاصفه التى هبت وما زالت تهب على النظم العربيه، تمثل تعبيرآ حقيقيآ عن روح القرن الحادى والعشرين ، هذه الروح التى تفرض على النظم السياسية العربيه وغير العربيه أن تتطور بصورة جذريه فى إتجاه الديمقراطية وحقوق الإنسان والعدالة الإجتماعيه ، وهذه حركة للتاريخ لا تجدى معها التطمينات العابره أو أنصاف الحلول ، أو حتى إستخدام وسائل القمع المختلفه التى بلغت درجة قصف الشعب المعارض بالطائرات كما تواترت الأنباء عن ليبيا . وبعبارة أخرى ، فإن العيش فى القرن الحادى والعشرين لن يستقيم بشكليات سطحيه ، ولكنه يستقيم فقط بمحتوياته السياسية والموضوعيه. ومن المضحك والمبكى ، فى ذات الوقت، أن بعض النظم العربيه لم تفهم طبيعة عواصف روح القرن الحادى والعشرين هذه، وسارع بعضها بإعلان منح نقدية وتموينية ومادية لشعوبها، ضمن فهم قاصر لطبائع الأشياء ، وهى تظن أن إنفجار الشارع السياسى فيها يمكن تفاديه بمثل هذه العطايا والمنح... وكأنها تقول عكس ما نفهم جميعآ بأنه " ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان" !!  
                وبرغم ما كتب كثيرآ ، فى الآونة الأخيره، عن هذا الزلزال السياسى الذى تعيشه المنطقه العربيه، إلا أن الرسالة الحقيقيه من كل ما نراه من أحداث ، فى تقديرى ، ترجع إلى إصرار النظم العربيه على أن تعيش خارج التاريخ ، وتحنط شعوبها فى أوضاع ليست هى بالطبيعيه، وكما يقول الحكماء أن الأوضاع  غير الطبيعيه لا مجال لها أن تعيش حتى وإن بدا للبعض غير ذلك. وقديمآ قالوا : أنه إذا أمكن خداع كل الناس لبعض الوقت ، أو خداع بعض الناس لكل الوقت ، فإنه من المستحيل خداع كل الناس لكل الوقت. وعليه، دعونا أن نفسر فى شئ من الإيجاز ، ما هى "روح القرن الحادى والعشرين" التى نتحدث عنها هذه.                         أولآ: ترتبط روح هذا القرن بسقوط حائط برلين فى عام 1989 ، ووقتها حسمت الدولة الحديثه والنظام الدولى الذى ترسخ بعد الحرب العالمية الثانيه ، قضية التعبير عن إرادة المحكومين فى مواجهة الحكام . وقضى ذلك الحسم التاريخى على فلسفة الحكم الديكتاتورى القابض على السلطة بادعاءات للشرعية تكرس لحكم الفرد ، وتصادر الحريات ، وتنزع السيادة من الشعوب ، لصالح فئات محدوده لا تعترف بحقوق الغير و لاتسمح لهم بالتعبير عن تطلعاتهم وأرائهم فى إدارة الدولة . وبعبارة أخرى ، فلم يعد هناك من مجال لتزوبر إرادة الشعوب ، اللهم إلا بالقهر والتسلط، وذلك فى حد ذاته ، أمر مؤقت ولا يمكن له أن يدوم. وقد تجلى ذلك فى إنهيار النظام السوفيتى، وإنهيار النظام العنصرى فى جنوب إفريقيا، وفتح ذلك كل الأبواب  لتغييرات سياسية كبيره فى الساحة الإفريقية على وجه الخصوص، إلى الحد الذى قررت فيه دول الإتحاد الإفريقى عدم الإعتراف بالنظم الإنقلابيه ، وتبنت منظومة النيباد التى تخول بعضها بعضآ مراقبة السياسات الإقتصادية والإجتماعيه وحقوق الإنسان.

ثانيآ : كرست روح القرن الحادى والعشرين ثقافة الإنتخاب والتداول السلمى للسلطه. غير أن النظم الحاكمة العربيه، إما هى لا تعرف الإنتخاب أصلآ أو أنها احترفت ما يمكن تسميته " صناعة تزوير الإنتخابات"... ومن المؤسف أن هذه الصناعه الغريبه ، يعرفها الحكام والمحكومون على حد سواء، ولكنها استمرت لعقود وسنوات طوال لدرجة أن الحكام ظلوا يصدقون أنهم منتخبون من الأغلبيه، والكل يعلم أن ذلك النوع من الإنتخابات برغم فرضه بالقوه فى كل من مصر وتونس لأكثر من ثلاثين عامآ إلا أنه إنهار وتهاوت معه تلك النظم فى أيام معدودات. وهنا عندما نرى المطالبات بحل الأجهزة " المضروبة" فى النظم السياسية العربيه، فذلك تعبير عن روح العصر التى ترفض الإهانة المستمره لذكاء الشعوب
ثانيآ: واضح أن روح القرن الحادى والعشرين، تنزع إلى تحديد فترات الرؤساء فى السلطه ، وربما كان الأفضل أن ترتبط تلك الفترات بنصوص صريحه فى الدساتير العربيه، فى البلدان التى ليس فيها نظم ملكيه ، فى المرحلة الحالية على الأقل، كما أن هناك إتجاهات قويه لتحويل النظم الملكيه المطلقه إلى نظم ذات ملكية دستوريه. وفى ذات السياق، إبتدع الحكام العرب ما أصبح يعرف بالجمهوريات الوراثيه..( حدث هذا أيضآ فى دولة الجابون الإفريقيه) . وتلك ممارسة خرقاء لا يقبلها العقل السليم وترفضها الفطرة السياسية العامه ، ويبدو أنها لن تطل برأسها مرة أخرى بالنظر إلى ما جرى فى مصر، وما يجرى فى اليمن وليبيا هذه الأيام.  والأصل أن تلك ممارسات لا تمت إلى عصرنا هذا بصله، ولذا هى من العناصر التى تؤجج الأعاصير التى تهب فى كل الإتجاهات ، ولن ينجح نظام فى تفاديها ما دام يصر على العيش خارج نطاق العصر ومتطلباته .                                            
ثالثآ:  لقد خلقت وسائل الإعلام الحديثه ، وشبكات الإنترنت وبرامجها المختلفه، وكذلك الفضائيات التى لا تحصى، خلقت عالمآ مفتوحآ فى ظل نظام العولمة الذى ينتظم هذا العصر. وهذا يفتح عيون الناس على أوضاع كل الشعوب من حولهم. ويتيح لكل شخص فى أى ركن من أركان الدنيا أن يقارن أوضاعه بأوضاع الآخرين...فإذا كان ما يراه لدى الآخرين مناقضآ لما يعيشه ، فإنه لن يكف عن البحث عما يغير أوضاعه نحو الأفضل، سواء كان ذلك فى التعبير السياسى، أو فى حقوق المواطنة ، أو فى العدالة الإجتماعيه، أو فى محاربة الفساد . وينطبق هذا بالدرجة الأولى على فئة الشباب الذين يشكلون حوالى 60 بالمائه من سكان هذه البلدان ، ويشعرون أنهم خارج دائرة الفعل السياسى والإقتصادى والإجتماعى . كما أنهم يرزحون تحت نير البطالة والإهمال السياسى ، وهم يرون الرؤساء يمكثون فى مواقعهم لعشرات من السنين، بل لمدى الحياه، والوزراء كلهم تجاوزوا العقد السادس والسابع من أعمارهم ، وكل هؤلاء قد فقدوا الصلة بما تعانيه مجتمعاتهم وكأنهم ينتمون إلى عالم آخر. ويقاومون مشاركة الآخرين فى السلطة والثروه. وقد رسخت روح عصرنا هذا أن السيادة للشعوب، وهى التى تفوض الحكام لآداء واجباتهم ، وهى التى تستطيع تغييرهم سلميآ ، من خلال الإنتخابات الحقيقيه .ومهما حاولت بعض النظم العربيه التستر وراء دعوات غير سياسيه للتمسك بالحكم، مثل إقحام الدين بصورة لا تتلاءم مع تعاليمه السمحة الراقيه ، أو تأجيج النزعات الإثنية والقبليه، فإن كل ذلك لن يحل قضية إستقرار الحكم والسلطه، لأن حلها الوحيد يكمن فى القناعة بعدم ديمومتها لأحد ، فالسلطة بطبعها مآلها التداول، ليس بالفرضيات الجامده ، ولكن بالتداول المحكوم بنزاهة الإنتخاب
رابعآ: لقد إنتشرت فى هذا العصر، وذلك لحسن حظ الشعوب ، وسائل الكشف والملاحقه لثروات الحكام وأهل الحظوه، مهما ظنوا أنها فى حرز أمين!! ومن هذه الزاويه، فقد أدى الزواج بين السلطة والمال فى البلدان العربيه إلى أوضاع مؤسفه للفساد المالى والسياسى. وتعلم الشعوب العربيه، قبل غيرها، أن النظم التى تحكمها يغرق الكثير منها فى مستنقع الفساد الناجم عن الزواج غير الشرعى بين السلطة والمال. وهكذا ، فإن الحلقة أصبحت ، فى هذا العصر ، تضيق على ممارسات الفساد هذه، وعليه فإن أحكام هذا القرن الحادى والعشرين ، ترفض بقوه هذه الممارسات . وهذا بدوره سيمهد الطريق، إن لم يكن الآن فمستقبلآ، إلى أن يسلك الحكام العرب سلوكآ مختلفآ فى تعاملهم مع المال العام بما تقتضيه قواعد السلوك فى العالم المتحضر الذى يفرض على الحكام الشفافية فى نشر ذممهم الماليه ، وإخضاعهم للرقابة الصارمه وهم فى مناصبهم
خامسآ: لقد أثبتت التقافه السياسيه فى القرن الحادى والعشرين ، أن المعالجات الأمنيه للمشاكل الإقتصاديه والسياسيه والإجتماعيه ، لا تجدى فتيلآ ، وهى لا تعدو كونها معالجات قصيرة الأمد، وتحمل فى طياتها عناصر فشلها . وغنى عن القول أن العديد من الأنظمة العربيه لجأت لمثل هذه المعالجات . ولا شك أن الناظر إلى الدول العربيه التى تشتعل فيها نيران الغضب الشعبى ، يلاحظ أنها تفتقر فى معالجاتها إلى الكثير من مقتضيات التعامل المدروس والموضوعى لمشكلات شعوبها، وواضح أن ذلك راجع إلى طبيعة هذه الأنظمه باعتبارها تفتقر إلى التفويض السياسى الذى يمكنها من تغيير ممارساتها العشوائية والرافضه لإرساء قواعد الديمقراطية المرتبطة بعصرنا هذا.ومن المحزن أن العديد ن الحكومات العربيه إتجهت لتخصيص موارد هائله للأجهزة الأمنيه، وتهمل الخدمات الصحية والتعليميه ، وهذا يؤدى إلى إختلال مريع فى أولويات الإقتصاد والمجتمع ويشيع البطالة والسخط ويؤجج  نيران  الإحتجاج الشعبى ، كما رأينا فى عدد من هذه الدول
                      يمكن أن نخلص من كل هذا ، أن تمنيات النظم العربيه التى تتحدث عن حصانتها مما حدث لغيرها فى هذه المنطقه، تحجب أبصارها عن التعامل مع معطيات التاريخ وحقائق السياسة وروح العصر. وقد إطلعت على مقالات عديده وتصريحات متلاحقه على مستوى السودان ، تحاول تصنيف السودان بأنه لا شأن له بما يجرى حوله من عواصف وأحداث. ويقينى أن صوت العقل يفرض علينا أن نتجاوز مفهوم الحصانه هذا إلى مفهوم النظر بالموضوعية التى تقتضيها حساسية الوضع الذى خلقته ظروف إنفصال الجنوب عن الشمال ، وفى ضوء التركيبه السياسية الهشه التى تستدعى مراجعات تحكمها النظرة الإستراتيجيه فى إطار يستوعب القوى السياسيه المختلفه . إن ذلك يتطلب أيضآ وضع دستور يتراضى عليه الجميع ، يتيح الفرصه لإرساء أسس نظام سياسى يشمل كل الطاقات الوطنيه، للوقوف فى وجه ما يجرى من تصورات تسعى لتمزيق السودان ، وذلك خطر يجب أن نتفاداه بإرساء الحكم الراشد الرشيد، ليس بأساليب الماضى وقيوده ،ولكن بوسائل الحاضر وانطلاقاته بروح العصر ومتطلباته التى أصبحت ساطعة لا تخطئها أعين الناظرين
Ahmed Gubartalla [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]