شهدت العاصمة البريطانيه لندن فى الثانى من شهر ابريل الجارى ، واحدآ من أهم وأخطر مؤتمرات القمه ، ألا وهو مؤتمر قمة العشرين  والذى إقتصر جدول أعماله على بند واحد هو " الأزمة الإقتصادية العالميه ". وكان الهدف من هذا المؤتمر اتخاذ أجراءات عاجله لدرء أخطار الأزمة الإقتصادية العالميه والتعامل مع تداعياتها بما يعيد الثقة إلى الإقتصاد العالمى ويزيح عنه المشاهد الكارثيه التى طغت عليه خلال  الستة أشهر الماضيه. ومازالت صور إنهياربعض  كبريات المؤسسات الماليه فى عواصم كبرى ، ومشاهد مصارف عملاقه تتهاوى ، وشركات ضخمه تسرح الآلاف من العاملين فيها ... مازالت تلك الصور تخيم على الاقتصاد العالمى وهو يشهد كسادآ لم يشهد مثله منذ أكثر من سبعين عامآ . وقد أوضحنا فى مقال سابق بهذه الصحيفه الآثار السالبه لهذه الأزمه وبشكل خاص على إقتصاديات الدول الإفريقيه ذات البنيات الهشه .                تكمن أهمية مؤتمر قمة العشرين الذى نحن بصدده ، فى أنه يمثل أول تجسيد دولى لإرادة الدول صاحبة التأثير فى الإقتصاد العالمى وتحركها بقدر كبير من السرعة  لاعتماد خطوات مشتركه ضد مظاهر الإنهيار الإقتصادى العالمى وما يرتبط بذلك من تداعيات ممتدة وخطيره لا يفلت منها أحد على وجه البسيطه. وحسب تقديرى الشخصى  ، فإن مؤتمر قمة العشرين هذا يفوق فى أهميته الكثير من القمم التى انعقدت خلال الخمسين سنة الماضيه  وذلك بالنظر إلى أهمية الموضوع الذى تناوله وبالنظر الى الآثار والتحولات افقتصاديه التى ستترتب عليه  بالنسبة للعالم أجمع . وفحوى ذلك أن هذا المؤتمر حسم بصورة عملية ونهائيه مسألة "رسوخ " ظاهرة العولمة الإقتصاديه ... ولم يعد فى الأمر مجالات للتنظير أوالتملص ، بل أصبح التحدى هو القدرة على التأقلم وانتزاع المصالح الإقتصادية  بالحصافة والعلم. ومن ناحية أخرى ، فقد برهن مؤتمر قمة العشرين فى لندن بأن الإقتصاديات الكبرى لا يمكن تركها دون تدخلات من الحكومات بخلاف ما كان سائدا من معتقدات إقتصادية سابقه تترك الأمر للسوق وحده ليصحح أوضاعه ! وفى تقديرى أن ما نشهده فى هذا المجال يمثل تطورآ هامآ فى كل من النظرية والممارسة الإقتصادية . وبحسبان الآلاف من المليارات من الدولارات التى تبخرت فى سماء اسواق عملاقة فى العالم  ، فإن أساطين الإقتصاد العالمى لم يجدوا مفرآ من التفكير والسلوك الإقتصادى  المشترك لدرء الكارثه والتنسيق للتخفيف من آثارها المرعبة بل والفتاكه. كذلك فإن مؤتمر لندن كان بمثابة أول خطوة إقتصادية عالميه تتجاوز صندوق النقد الدولى وتقرر - خارج إطاره المؤسسى -  زيادة موارده بصورة كبيره لم يسبق لها مثيل منذ إنشاء الصندوق . . وهذا يعنى أن مؤسسات " بريتون وودز "  التى خلقت بعيد الحرب العالمية الثانيه ، تخضع الآن إلى مراجعات قد تغير معالمها وحجم تأثيرها على كثير من إقتصاديات العالم النامى . وهكذا جاءت قمة لندن متميزة عن سايقتها قمة العشرين فى واشنطن والتى انعقدت فى منتصف نوفمبر من العام الماضى . وقد مضى بعض المحللين الى أبعد من ذلك عندما اعتقدوا أن قمة العشرين فى لندن ، كانت بمثابة إعلان ميلاد نظام إقتصادى جديد !!          وقد يتساءل القارئ عن هوية تلك الدول العشرين التى اجتمعت لتحل وتربط  فى أمور الإقتصاد العالمى . وتلك الدول هى  : الولايات المتحده، بريطانيا ، المانيا ، فرنسا ، إيطاليا ، كندا ، اليابان ، استراليا ، البرازيل ، روسيا ، الصين ، الأرجنتين ، الهند ، إندونيسيا ، السعوديه ، المكسيك ، تركيا ، كوريا الجنوبيه ، جنوب إفريقيا وكيان الإتحاد الأوروبى  . وبالطبع فإن عددآ محدودآ من العشرين هؤلاء له اليد الطولى فى تحديد مسار الأمور واتجاهاتها ، وذلك من طبائع الأشياء فى المؤتمرات الدولية كما نعرفها. وربما يتساءل القارئ : لماذا هذه الدول بالذات ؟ وهنا تأتى الإجابة متسارعة لأن العشرين هؤلاء يستحوزون على 90% من الناتج الإقتصادى فى العالم ويسيطرون على 80% من التجارة العالميه ويشكلون ثلثى سكان الأرض!                       تبقى مسألة حيوية أخرى وهى أن نعرف أهم ما تمخضت عنه قمة العشرين فى لندن من قرارات فى الشأن الإقتصادى العالمى ؟ وفى إيجاز شديد فقد قررت قمة لندن : تخصيص 500 مليار دولار لصندوق النقد الدولى لتمكينه من تقديم القروض لإقتصاديات الدول المتعثره . تقديم 250 مليار دولار لتنشيط وتعزيز التجارة الدوليه . تدبير 250 مليار دولار أخرى لصندوق النقد الدولى دعمآ لحقوق السحب الخاصه ( خدمة السحب على المكشوف ) . كذلك تخصيص 100 مليار دولار لبنوك التنميه فى العالم  لتتمكن من تقديم  القروض للدول الفقيره . هذا علاوة على إخضاع حوافز ورواتب العاملين فى القطاع المصرفى لإجراءات رقابية صارمه ، وإنشاء مجلس  عالمى للإستقرار المالى يعمل مع صندوق النقد الدولى للتأكد من سلامة العمليات المالية العابرة للحدود بين الدول ويقدم آلية إنذار مبكر للنظام المالى العالمى . وفوق ذلك إتفق المؤتمرون على نشر قائمة سوداء بأسماء الدول التى لا تتعاون فى مجال التهرب الضريبى حيث يوجد ما عرف بالملاذات الآمنه ... وقد بادرت منظمة التعاون والتنمية الإقتصادية الدوليه بنشر أسماء كل من كوستاريكا وماليزيا والفلبين فى هذه القائمه . وهذا يعنى أن هذا الدول ستتعرض إلى ضغط كبير للتخلى عن بعض من سياساتها الضريبية .              لقد وصف الرئيس الأمريكى باراك أوباما قمة العشرين بأنها منعطف تاريخى باتجاه تعافى الإقتصاد العالمى . كما وصفها جورج سوروس الشخصية المهمه دوليآ فى مجال الإستثمار بأنها إتخذت الخطوات الحاسمه والضروريه لمواجهة أعتى أزمة إقتصادية يواجهها العالم منذ ثلاثينيات القرن الماضى . كذلك قال  جوردون براون رئيس وزراء بريطانيا  بأن المجتمعين فى قمة لندن أكدوا حرصهم على العمل لتحقيق الإستقرار فى الأسواق المالية العالميه...وذلك على خلفية الإضطراب والتدهور المريع الذى شهدته هذه الأسواق خلال الستة أشهر الماضيه.  وكما هو معهود فقد تدافعت جماعات حماية البيئه وتلك المعاديه لسلبيات العولمه لإقامة التظاهرات فى لندن لتلفت النظر الى قضايا الفقر فى البلدان الناميه وضرورة حماية البيئه وغير ذلك من القضايا الساخنه فى جدول أعمال العالم.              ومن الأسئلة المشروعة فى هذا السياق : الى أى مدى ستساعد قرارات قمة العشرين فى لندن على تصحيح مسار الإقتصاد العالمى ؟ وتكمن أهمية هذا السؤال فى حقيقة أن المصائب التى تلحق بالكبار لا يسلم من أذاها أحد فى هذا الكون وبالأخص أولئك الصغار والضعفاء فى الخارطة الإقتصادية العالميه. وبالطبع فإن ما أتخذ من قرارت فى لندن ستكون له بعض من الآثار الإيجابيه ، ولكن لا يستطيع أحد أن يقطع بمدى تلك الآثا فى الوقت الحاضر ، وعلينا أن نراقب ونرى كيف تصير الأمور فيما تبقى من هذا العام والعام الذى يليه . ويمكن أن نلفت الإنتباه هنا إلى ما شهدته اسواق المال فى العالم من صعود هنا وهناك بعيد انعقاد قمة لندن ، مما أشاع شيئآ من التفاؤل الحذر فى بعض الأوساط المهتمة بالإقتصاد العالمى. وفحوى ذلك أن قمة لندن لم تكن لمسة سحرية تتلاشى بعدها العلل ... وإنما كانت بمثابة خطوة جريئة ومناسبه فى طريق قد يطول ، وقد يكثر ضحاياه.               إن المزعج فى الأحداث الإقتصادية الكبرى أنها تلتزم بما نفهمه من أن الخير يخص وأن البلاء يعم ... وقد رأينا أن فئة محدودة من البشر قد حصدت الكثير من الميزات الإقتصاديه وبررت لنفسها ولغيرها من الشعوب ما خصها من خيرات..غير أنها لم تفلح فى أن تبرر لنا ما عمنا من أشكال البلاء فى بلدان العالم الثالث! وآفة العولمة فى ظل النظام (أو اللانظام ) الإقتصادى الحالى ،  أن العثرات الإقتصادية لذوى النفوذ والمال والتكنولوجيا تأخذ طريقها بعنف نحو الكيانات الإقتصادية الهشه وتفعل فيها ما يشيب له الولدان !! ويحضرنى فى هذا السياق التحذيرات التى أطلقتها الأمم المتحده منذ أكثر من عشرين عامآ ، فى ذلك التقرير المهم الذى أطلق عليه إسم " مستقبلنا المشترك " والذى صدر عن اللجنه الدوليه للبيئه والتنميه. فقد حذرنا ذلك التقرير من أمور خطيره لم يتهبأ لنا منها فكاكآ حتى الآن . وقال ذلك التقرير أننا نعيش فى كرة أرضية واحدة ولا نعيش فى عالم واحد..ومنا من يبذلون أقصى الجهد من أجل رفاهيتهم دون اعتبار لما يترتب على ذلك من آثار بالنسبة للغير .!! وهكذا  فإن اليقين عندى أننا نحتاج الى ما هو أكثر أثرآ من قمة لندن حتى تتهيأ للجميع فرصة الإدعاء بالإنتماء الى عالم واحد.     

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 × سفير متقاعد عمل بوزارة الخارجيه والأمم المتحده