إقتصادنا بين الحقائق المره ... وتمنيات أهل السياسة وأحلامهم !
بقلم السفير أحمد عبد الوهاب جبارة الله

                    لا أذكر أن هناك قضية ظلت تؤرقنى  وتقض مضاجعى مؤخرآ مثل ما آلت إليه الأمور بالنسبة للإقتصاد السودانى . ومبعث القلق عندى أن طريقة التعامل مع هذا الموضوع الحيوى الذى يتعلق بحياة كل أهل السودان ، لا تعدو كونها طريقة محصورة فى قرارات تقتصر على ردود الأفعال قصيرة الأمد ، المشحونة بالمعالجات الجزئية، إن لم نقل العشوائية ، فى كثير من الأحيان . وبينما يتحدث الساسة وأصحاب القرار عن حالة وردية لا تبالى بما ستحمله الأيام من أوضاع معيشية قاسيه للغالبية العظمى من أهل السودان ، يجد المرء أن واقع الحال يتسم بانتشار الفقر وضنك العيش للغالب الأعم من المواطنين ، ويقرأ من الشواهد الإقتصادية الماثله للعيان ، أيامآ وسنين أصعب بكثير مما شهدناه حتى الآن . إن  المعطيات المتعلقه بالدخل القومى، وجملة إيرادات الميزانبة العامه، مقابل الصرف المهول على أجهزة الدوله، وانحسار حصيلة العائد من الصادرات ، وما سيأتى به إنفصال الجنوب من فقدان لمداخيل البترول التى تشكل أكثر من نصف إيرادات الدوله وأكثر من 90 بالمائه من قيمة الصادرات  لها مؤشرات لا تبعث على التفاؤل على المدى القريب. وفى ظل هذا الوضع يلاحظ المرء ، أن الساسة وأهل القرار فى الشئون السياسية والإقتصاديه ، لا يستشعرون المعضلة الإقتصاديه الماثله فى السودان الآن، وذلك راجع إلى ما يحظون به من نصيب هائل من ثروة البلاد وما يقصرونه على أنفسهم من إمتيازات هائله، بينما تغرق الغالبية العظمى فى براثن العوز والمعاناة المستمره. ومقابل هذا ، يحدثنا الواقع أن ما يدور فى أذهان أصحاب الإمتيازات لا علاقة له بالواقع المرير الذى يسيطر على الساحة الإقتصادية السودانيه.
               والعلة الكبرى التى لا تخطر ببال القائمين على الجهاز الإقتصادى للدوله، أنهم يفترضون المرونة القصوى التى لاحدود لها فى إحتمال المواطنين للمشاكل الإقتصاديه وتبعاتها ، دون أن يترتب على ذلك أية نتائج سياسيه . وهذا الإفتراض ، يحمل فى طياته داء فقدان البوصله السياسيه فى ممارسة المعالجات الإقتصاديه، باللجوء إلى أقصر الطرق وأسهلها ، مثل رفع الأسعار والضرائب والرسوم الجمركيه، دون النظر فى أمر معالجات جذريه وهيكلية ، لا تلقى بأعبائها على المواطنين وحدهم ، ولكن تتطلب تضحيات من القائمين على الأمر أنفسهم. والقصد من هذا المقال ، أن نسلط الضوء على الصورة الحقيقيه لمصاعب الإقتصاد السوداتى ، برغم ما يحاوله البعض من تعتيم أو تجاهل لهذه المصاعب التى يشهد عليها الواقع المعاش .ولنتناول هذه المصاعب فيما يلى:
أولآ:  يعانى الإقتصاد السودانى من أزمة تضخمية حاده ، تتجسد فى التصاعد المخيف لأسعار السلع والخدمات ، بما يمكن تسميته بالتضخم الفالت والمتسارع ، الذى ينهش أجساد مداخيل المواطنين التى لا تستطيع الوقوف أمامه، مهما كانت. وهذا التضخم سببه الأساسى أن الدوله تتبنى سياسات تفتح الأبواب على مصاريعها للموجه التضخميه هذه. ويندرج تحت ذلك القرارات التى صدرت مؤخرآ برفع أسعار المحروقات والسكر ، فى توقيت هو الأسوأ فى نظرى ، وجرجرت هذه الزياده فى الأسعار وراءها إرتفاعآ شاملآ فى كل أسعار السلع والخدمات ، بين عشية وضحاها. ويعلم الجميع أن هذه الزيادات لم تجد سوى الإستنكار من المواطنين ، واستهجنها الجميع . والغريب أنها زيادات ، صاحبها إرتفاع فى قيمة ما يسمى الدولار الجمركى ، وبالتالى إضافة أعباء جديده لأسعار كل السلع المستورده، بغض النظر عن كونها سلعآ ضروريه أم لا. وارتبط بذلك تدهور فى قيمة الجنيه السودانى مقابل الدولار والعملات الحره الأخرى ، مما شجع على ظهور ما يسمى بالسوق الموازيه لتجارة العمله، وما ترتب على ذلك من إجراءات متلاحقه من جانب البنك المركزى لدرء خطر هذا التدهور، ثم تدخلت الدوله بأجهزتها الشرطيه والأمنيه، لكبح جماح السوق الموازيه تلك. وهكذا عدنا إلى المعالجات غير الإقتصاديه للمشاكل الإقتصاديه . وهذه مردها إلى التناقض الكبير بين المقدرات الحقيقيه للإقتصاد وبين ما يحدده البنك المركزى من أسعار للعمله السودانيه مقابل العملات الحره. ولا يخفى على المدركين لقواعد الإقتصاد ، أن شح الموارد من العملات الإجنبيه الحره ، هو الذى أجبر البنك المركزى لتبنى قرارات متلاحقه بهدف منع تدهور قيمة الجنيه ، وتلك ممارسات ذات نفس قصير، لا يمكن لها أن تستمر على المدى الطويل .والمزعج حقآ أن الزيادات اتى أعلنت مؤخرآ فى السلع الأساسيه، ليست هى نهاية الحكايه، فقد صرح المسئولون بوزارة الماليه أن هناك إجراءات أخرى ستأتى ، ومعنى ذلك أن يستعد الناس للمزيد من شد الأحزمه على بطون لم يعد لها من وجود !!
ثانيآ: يعيش الإقتصاد السودانى خارج منطقة الدولار الأمريكى وذلك بسبب إجراءات المقاطعه الإقتصاديه الأمريكيه للسودان. وهكذا انحصرت التحويلات الوارده من الخارج فى نطاق اليورو وبعض عملات أخرى. وتلك مسألة تتسم بالخطورة واللامعقوليه، لأنه ليس هناك من دولة تستطيع العيش خارج منطقة الدولار، وينطبق ذلك على الدول صاحبة النفوذ الإقتصادى الكبير على الساحة الدوليه ، ناهيك عن دولة ذات قدرة محدودة على مسنوى الإقتصاد الدولى . ولكى نفهم ذلك، علينا أن نأخذ علمآ بأن جمهورية الصين الشعبيه برغم ضخامة إقتصادها قهى لا تعيش خارج منطقة الدولار ، ولها إستثمارات تصل إلى آلاف المليارات من الدولارات فى الولايات المتحده الآمريكيه. والحال الماثل الآن هو أن الإقتصاد السودانى ، قد إنسدت الشرايين التى تربطه بأهم مراكز الإقتصاد العالمى . وضاقت فرصه فى " الإرتباط" و"التفاعل"مع تلك المراكز، سواء كات مؤسسات دولية مالية عامة أو خاصه ، وتلك تسيطر على أكثر من 80 بالمائه من حركة الإقتصاد الدولى . وبكلمة أخرى ، فنحن نناور ونتحرك "خارج الشبكه" ... ولا يعقل أن يزدهر إقتصادنا أو ينمو فى ظل هذا الوضع الإستثنائى بكل المعانى والمقاييس.
            ومهما يكن من أمر، فالكثيرون يتوقعون المزيد من الحصار الإقتصادى الأمريكى على السودان الشمالى بعد إنفصال الجنوب ، قى إطار المواجهة السياسيه التى يعتقد المحللون السياسيون إشتعالها بين الولايات المتحده ودولة شمال السودان ، فى مقابل رعاية وملاطفة أمريكية لدولة جنوب السودان.
ثالثآ: يعانى الإقتصاد السودانى من آفة ماحقة أخرى تتمثل فى الصرف الأسطورى على جهاز الدوله. ولا يختلف أحد معنا فى أن جهاز الدولة فى السودان قد ترهل بصورة لم نشهد لها من مثيل فى التاريخ الحديث. هذه الدوله التى أصبح لديها 77 وزيرآ ( هذا الرقم يدخل السودان التاريخ لكونه أكثر الدول إستوزارآ لبنى البشر فى التشكيل الحكومى  بما يفوق الصين والهند والولايات المتحده ) . وقد إلتحق بهؤلاء الوزراء الذين لا يدرى المرء إختصاصات معظمهم بما جعلهم يتعارضون ويتقاطعون فيما يفعلون... إلتحق بهم جيش عرمرم من وزراء الدوله والولاة والوزراء فى الولايات ، ثم المستشاريين الذين لا يستشيرهم أحد وأيضآ أولئك الذين أطلق عليهم " الخبراء الوطنيون" للإلتفاف على قوانين الخدمه العامه فى الهيكل الراتبى والمخصصات . لقد تحولت معظم دواوين الدوله من أجهزة " خدمة عامه" إلى أجهزة " خدمة خاصه"  بمعنى تسخيرها لإعاشة القائمين عليها من الموالين والمحاسيب ، وضاعت كل مفاهيم الإلتزام بالضوابط الإداريه فى الصرف والمحاسبه، وتحول جهاز الدوله فى معظم الأحوال إلى تجمعات لا تخضع للرقابه ولا تعرف ماهية الممارسة الحديثه للعمل الإدارى ، برغم الإرث الإدارى  العظيم الذى تركه الإستعمار الإنجليزى للسودان ، حيث كان لدينا جهاز إدارى  يشار إليه بالبنان فى الإنضباط والكفاية ونظافة اليد وعفتها .وفى أقل الأوصاف قسوة ، فقد أصبح الكثير من أجهزة الدوله يخضع للممارسات العشائرية والقبلية التى تغلب عليها سلوكيات ما يمكن تسميته بثقافة " أهل الباديه" التى تتعارض فى الكثير من ممارساتها مع قوانين الدولة المدنية الحديثه. فالخدمة لقاصدها فى الكثير من دواوين الدوله ، لا تتوفر له أو لها ، بسبب حق المواطنه ، ولكنها فى معظم الأحيان تتوفر بسبب الإنتماء السياسى أو الصلة العشائرية أو القبليه.  وهذا وضع لا بد من إزالته والتغلب عليه ، إذا ما كنا نريد أن نعيد الحياة للخدمة المدنية   فى بلادنا.
                     إن ما يفرضه إنفصال الجنوب، إذا ما فتح الله البصائر، أن يعاد التشكيل الإدارى لجهاز الدوله بصورة جذريه. فنحن لسنا فى حاجة لأكثر من 15 وزيرآ  ونحن لسنا فى حاجة لأكثر من خمسة ولايات على الأكثر ، ونحن لسنا فى حاجة لمستشارين لا يستشيرهم أحد. ونحن لسنا فى حاجة لبرلمان مترهل ، وكفانا واحدآ لا يزيد أعضاؤه عن 150 نائبآ منتخبين بالإرادة الحرة من الشعب. ويقينى أن ما أعلن مؤخرآ  بتخفيض مخصصات الدستوريين والتنفيذيين الكبار بواقع 25 بالمائه، لا يعنى شيئآ إذا لم يتم التعامل الجذرى مع هذا الترهل المخيف لجهاز دولة ستعانى فى تدبير الموارد الأساسيه لفترة قد تطول. ويلاحظ أن الداء لم يقتصر على الوضع داخل السودان، ولكنه أصاب سفارات السودان فى الخارج، والتى ترهلت هياكلها هى الأخرى ، بصورة مفزعه، وتحتاج إلى مراجعة شامله، لأن البلاد لا تستطيع الإنفاق على هذه التشكيلات فى الوضع الذى سينشأ بعد الإنفصال . وأولى لنا أن تتحول هذه الموارد المهدره فى الفصل الأول للميزانيه ، للإنفاق على مشروعات تدعم الإنتاج ، وتوسع من دائرته وتخلق المزيد من فرص العمل للتخفيف من غلواء البطالة المنتشرة فى أوساط الشباب ، ودعم الجهود الراميه إلى محاربة الفقر الذى تندفع تحت خطوطه الملايين من أهل السودان.
رابعآ : أصيب الإقتصاد السودانى بعدد من الأمراض والعلل الهيكليه الناجمه عن سوء الإداره وانعدام المنظور الإستراتيجى للعملية الإقتصاديه. ومن ذلك المرض الهولندى الذى أصاب  إقتصادنا بعد دخول البترول فى المعادلة الإقتصاديه، حيث أهملنا القطاعات الأخرى ، وتدهورت الزراعه وتلاشت الصناعه . والمخيف فى الأمر أن الدخل الذى كان يأتى من البترول سيتضاءل ، ويظل العائد االكلى من الصادر محدودآ بينما يزداد الطلب الكلى من واردات القمح والسكر والأدويه والمعدات الصناعيه وغيرها . ولا بد أن ننوه هنا بأن الحديث الذى ظل يردده البعض مؤخرآ عن قدرة سحريه لمعدن الذهب ليعوض  ما نفقده من دخل البترول، هو حديث يمكن أن يقال على المدى القصير أو حتى على  المدى المتوسط . فليس هناك من عصا سحريه تمكننا من هذا الإحلال بسرعة يحلم بها الكثيرون. فالأمر ممكن، ولكنه لا يقع من السماء فى لحظة عابره ولكنه رهين بالتخطيط السليم والإداره العصرية والقضاء على الممارسات العشوائيه الضاره التى شابت مجال التعدين عن الذهب فى مواقع عديده من البلاد. من ناحية أخرى ، فقد بلغت التشوهات الهيكليه فى الإقتصاد السودانى ،  ليس فقط إلى ضياع قطاعى الزراعة والصناعه، ولكنها أصابت قطاع الخدمات، خاصة تلك التى تتعلق بحياة سواد المواطنين، وخاصة قطاعى التعليم والصحه. ومن المحزن أن قطاع الخدمات الصحيه قد تدهور- بشهادة الجميع- إلى درك لايمكن أن يتصوره إنسان. علاوة على النفقات الباهظه التى يتحملها المريض فى شراء كل ما يتعلق بعلاجه، باستثناء فئة قليله من المواطنين الذين لديهم نوع من التأمين الصحى. ويلاحظ أن أسعار الدواء ظلت تتصاعد بشكل مفزع وتسود الفوضى الآن سوق الدواء، والدوله لا تستطيع أن تكبح جماح الغلاء المتصاعد فى هذا القطاع، وكان الأولى بها أن تفعل. أما قطاع التعليم ، وعلى كل المستويات ، فقد ضاع كمه وكيفه ، وأصبحنا الآن نرى التعليم ليس بوصفه خدمة عامه تلتزم الدولة بتوفيرها، ولكنه أصبح كالسلعه، لا يستفيد منه – برغم تدهور مستواه- إلا القادرون ماديآ. وباستمرار هذا الوضع ، فإن التعليم الذى يمكن الناس من التدرج على السلم الإجتماعى والخروج من دائرة الفقر المدقع ، سيكون بعيدآ عن متناول الفقراء، ويكون حصادتا أن نرى طبقة هائله من المستبعدين إجتماعيآ والمحرومين من الحراك الإجتماعى إلى وضع أفضل، وسيكون هؤلاء وقودآ خطرآ لحالات من المصادمات والفوضى وعدم الإستقرار.
خامسآ : هناك خلل مفاهيمى فى تعاملنا مع " إدارة الإقتصاد" ، وقد أصبح منصب وزير الماليه منصبآ دوارآ يتعاقب عليه الوزراء بسرعة ملحوظه. وهذا أمر مقلق للغايه. فهذا النمط من التبادل السريع لهذا المنصب ، يخلق عدم الإستقرار فى الإدارة الإقتصاديه ، ويوحى للمتعاملين معنا فى الداخل والخارج بعدم الإستقرار والإضطراب. ومما يفاقم ذلك ، أن السياسات الإقتصاديه أصبح يغلب عليها " الطابع الشخصى" لإجتهاد الوزير المعنى ، وذلك فى غياب موجهات ومرشدات ذات صفة إستراتيجيه تحكم السياسات الإقتصاديه. وهكذا، نرى اليوم ميزانية تعلن، وقبل البدء فى تنفيذها ، نرى مراجعات لها، ثم نرى قرارات تتعلق بالإستيراد والصادر ، لا تلبث أن تتبدل فى بضعة أشهر!!  ويبدو لى ، والله أعلم، أن ثمة إفتراضآ غريبآ يسود حياتنا، مؤداه أن الأوضاع الإقتصاديه لا تحتاج إلى إدارة منظمه ولا تحتاج إلى نظرة إستراتيجية ...ويرجع أصل هذه العله ، جزئيآ، إلى ما أصر عليه بعض الساسه ونفذوه تحت شعار أن " الإقتصاد الحر فيه حل لكل مشاكلنا"...وعندما أدخلونا فى هذا النفق باندفاع لم يهيئوا له الأمور والمرافق والهياكل ، إكتشفنا أن " التحرير المطلق" للنظم الإقتصاديه هو مجرد وهم كبير ولا وجود له فى واقع الحال ( لاحظ تدخلات الإداره الأمريكيه فى الإدارة الماليه ). واكتشفنا أننا فقدنا ميزات قطاعنا الزراعى، وفقدنا ما عندنا فى القطاع الصناعى، وضاقت فرص التوسع فى الإنتاج، واتسعت أبواب الإستيراد ، وتراجعت أسعار عملتنا الوطنيه تباعآ. وأخيرآ ، جاءت الفكره، بعد ضياع الكثير من الوقت والموارد ، وأدرك القائمون على أمر الإقتصاد، أن لا بد من معالجات وتدخلات تمنع الإنفلات الإقتصادى ، وتحميه من الجموح والإنهيار، وهو ما تجلى فى قرارات متعجلة من وزارة الماليه وبنك السودان مؤخرآ. غير أن مثل هذه المعالجات المتعجله، لا تعد كونها مسكنات وقتيه، ولا بد لنا أن نفهم بأن إدارة الإقتصاد الحديث تستدعى المعالجات الكليه والمدروسه، التى تنتظم كل القطاعات ، ولا تقبل معالجات من جزر معزوله ، يعوزها التنسيق والنظره الشامله . ليس هذا وحده، بل أننا بعد أن شاهدنا الكثير من الخصخصه المتعجله لعدد من المرافق الإقتصاديه تحت مسميات تحرير الإقتصاد، رأينا من جديد، شركات ومؤسسات تجاريه وخدمية واستثمارية تابعة للدوله!! وهذه بالطبع كيانات تشوه البنية الإقتصاديه، وتعمل خارج القواعد والقوانين التى تحكم النشاط الإقتصادى الحر، ولا تخضع للمراجعة العامه للدوله، وتنافس القطاع الخاص بما يقضى على فرصه فى النمو الإزدهار، ناهيك عن ما تلحقه من ضرر بأصول النشاط الإقتصادى على المدى البعيد. كما أننا رزئنا بالعديد من المنظمات التى ترفع لافتات إنسانيه، ولكنها لا تتورع عن ممارسة أنشطة لا علاقة لها بالعمل الإنسانى على الإطلاق.
                       ذلك ما كان من أمر العلل الكبرى للإقتصاد السودانى ، وهى ماثلة للعيان ولا تخطئها عين ، لأنها أمر واقع ومعاش ، وهى فى صميم الحياة من شواهد يجسدها الغلاء الطاحن، والبطالة المتناميه، وضعف الإنتاجية ، والضغوط المتفاقمه على الجنيه السودانى التى تأخذ بتلابيبه على مر الأيام، وسوء إستخدام الموارد المتاحه بالصرف فى غير محل الأولويات التى يفرضها المنطق الإقتصادى السليم ، والخلل المستمر فى الهياكل الإداريه ، وغياب المنظور الإستراتيجى للعملية الإقتصاديه. وهذه العلل لا يمكن التعامل معها " فنيآ" فقط فهى لا بد من التعامل معها " سياسيآ" وتحتاج إلى إرادة سياسية قوميه، فى التخطيط والرسم والمتابعة والتنفيذ. وبالنظر إلى ما نحن ننتظره من إنفصال لجنوب السودان عن شماله، فإن المخرج الوحيد ، يكمن فى نظرة موضوعية للمعطيات الجديده لوضع سيذهب فيه ثلث سكان السودان لدولة جديده، ستأخذ  هذه الدولة الجديده معها ما يقارب ثلث المساحه،و لا يمكن أن نظل ممارسين لما كان السودان عليه قبل وقوع هذا الزلزال. فهناك حاجة لسياسة إقتصادية جديده، تخرج من رحم تشكيلة سياسية قومية جديده، لها دستورها وقوانينها الديمقراطية التى لا تعرف الإنفراد والإقصاء للآخرين، وإنما تفتح المجال لترتيبات "قومية" حقيقية ، فيها أمل الشفاء لعللنا الإقتصادية وغير الإقتصاديه، قبل فوات الأوان
 Ahmed Gubartalla [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]