هناك الكثير من التساؤلات التى تدور بشده وتواتر داخل السودان وخارجه حول مآلات الأوضاع السياسية والإقتصادية فى البلاد ، فى مرحلة ما بعد الإستفتاء الخاص بحق تقرير المصير لجنوب السودان. ومما يلفت الإنتباه أن هذه التساؤلات،  لا تصدر عرضآ أو بحثآ عن إجابة شافية محدده... غير أنها تأتى فى شكل تساؤلات موحية تحمل فى طياتها تكهنات مقلقه عن النتائج السياسية والإقتصادية والأمنيه التى يمكن أن تتمخض عنها حالة إنفصال جنوب السودان عن شماله بعد الإستفتاء المقرر إجراؤه فى التاسع من يناير القادم. ومن خلال تنقلاتى خارج السودان ، لاحظت أن الكثير من الدوائر السياسية والأكاديمية والمنظمات الدولية والإقليمية والمنظمات غير الحكوميه ، تنشغل هذه الأيام بالبحث عن إجابات لذلك السؤال المهم والكبير : إلى أين يتجه السودان؟ والمفهوم هنا أن التساؤل – الذى لا يخلو من الإيحاء بإجابات معينه- لا يتعلق بنتيجة الإستفتاء إن كانت وحدة أم إنفصالآ... ولكنه يتعلق بما ستسفر عنه " حالة الإنفصال" التى لا مفر منها فى ضوء الشواهد والقرائن الساطعه كالشمس فى وضح النهار. وربما يتساءل المرء عن أسباب هذا الإهتمام الدولى الكبير بما سيكون عليه حال السودان بعد الإستفتاء؟...  وهذا تساؤل مشروع . وبكثير من الإيجاز ، نقول للقارئ الكريم أن السودان هو – حتى الآن- أكبر البلدان الإفريقيه من حيث المساحه، ومن أكثرها أهمية فى الموقع الإستراتيجى، وتكمن الثروات فى باطن أرضه وتنتشر فوقها، برغم أنه مصنف كإحدى الدول الأقل نموآ فى العالم. علاوة على ذلك فإن السودان يشكل الآن ملعبآ دوليآ هامآ للأمم المتحده والمنظمات الدولية والإقليمية الأخرى ، ليس لأنه مرغوب فى ذاته" ولكن لأنه " مطلوب فى صفاته". وبعبارة أخرى، فقد دخل السودان فى مجاهل الأنفاق الدولية المتعرجة والشائكه ، بسبب التطورات السياسية فيه، والتى أدت إلى أن يكون على أرضه أكثر من ثلاثين ألفآ من الجنود والشرطة الدوليين، وأكثر من عشرة آلاف من الموظفين الداعمين لهم . وفوق ذلك  يجد السودان – بيده لا بيد عمر- مكبلآ بقرارات متلاحقه من مجلس الأمن الدولى ، وحصارات ومقاطعات من دول نافذه فى الساحة الإقتصادية الدوليه ، وإتفاقية سلام شامل تضمنها أطراف دولية وإقليميه، أصبحت تدخلاتها فى الشأن السودانى فوق ما يمكن أن يتصور الإنسان . وليس من الشطط أو المبالغه ، أن سمعنا تكييفآ لحالة السودان هذه بأنها " ضرب من الحماية الدوليه " المقرره بالأمر الواقع  ، وإن لم تكن مقررة بالنص القانونى لمفهوم تلك الحمايه!!! وتكون محصلة كل هذه المتفاعلات من الوقائع المحيطة بالسودان تفسيرآ لما نراه من " سودنة الأجندة الدولية والإقليميه " بصورة أصابتنا بالدوران واختلال التوازن ، وكأننا فى دوامة لا أول لها ولا آخر... وقد أذهلنى أحد المعلقين بوصف حالتنا وكأننا " قوم نركب قطارآ ممعنآ فى السرعه ، وجهته غير محدده، وكوابحه لا تعمل ...".!
                   إن الإجابه على سؤال الحالة بعد الأستفتاء ، باعتبارالقراءات المبنية على نظرية " المدخلات  و"المخرجات " التى تجسدها عناصر المعادلة السياسيه السودانيه والمتجهه نحو إنفصال الجنوب عن السودان ، يمكن حصرها فى النتائج التاليه:
أولا : بالنسبة للوضع السياسى فى شمال السودان وجنوبه، لا بد من توقع وضعيات تفرض معالجات سياسية على المؤتمر الوطنى وعلى الحركة الشعبيه لا تسمح لأى منهما بالإنفراد بالسلطة السياسيه فى " جمهورية السودان " أو " جمهورية جنوب السودان الشعبية" الوليده. وبالتالى فإن اللجوء إلى إنتخابات جديده فى الشمال والجنوب واللجوء إلى صياغات دستورية جديده فى كليهما، يصبح أمرآ لا مفر منه، إذا ما كنا ننشد السلام المستمر والإستقرار. وفحوى هذا الطرح ، أن إتفاقية السلام الشامل تكون قد وصلت إلى غايتها فيما يتعلق بصلة الجنوب بالسودان  ( وحدة أو إنفصالآ) وتبقى بعد ذلك تحديات تركيبة ومشاركات القوى السياسية الأخرى فى الشمال والجنوب. وهنا لن تكون الأمور مهيأة لاحتكار السلطة لآى من شريكى نيافاشا فى الدولتين اللتين ستخرجان من رحم الإستفتاء...وعليهما تقاسم السلطه والثروه مع الآخرين على المسرح السياسى ، وعليهما التخلى عن " الأحادية المفرطه " والإعتراف بأن حقوق المواطنه هى حقوق طبيعية وأصيله ، ولا يمكن تجاوز مستحقاتها بأطروحات عقائدية أو إستقصائية أو عنصرية ، أو غيرها مما يسوقه أهل النظر القصير الذين لم ينعم الله عليهم الله بالحصافة السياسية والملكه الإستراتيجيه. وإن كانت إتفاقية نيافاشا قد كرست لمنظومة سياسية فى الشمال هيأت للمؤتمر الوطنى الإنفراد بمقاليد السلطه ، وهيأت للحركة الشعبية فى الجنوب  إستمرارها بالإنفراد بهذه المقاليد، فإن مثل هذا الترتيب والتركيب غير قابل للحياة فى عصر ما بعد الإستفتاء. وعلى الطرفين أن يفهما بأن ممارسة السياسه المحكومه بالدوجماتيه والتعصب والإنغلاق والإستئثار ، تورد الناس وأوطانهم موارد الهلاك. ولن تتهيأ البيئة لتجنب إنسداد المسالك أمام الممالك فى الشمال والجنوب إلا بتغيير الشكل والمحتوى للدولتين اللتين ستنشآن من جراء الإستفتاء . ومثل هذه التغيرات ستجنب السودان المزيد من الإنشطارات فى شماله ، وستجنبه مخاطر الإقتتال والفوضى فى جنوبه. وفى تقديرى أن تجاهل هذه الحقائق سيفتح على الناس أبواب الجحيم التى لن يقدر على إغلاقها أحد . وتحضرنى هنا مقولة جون بونيان منذ أكثر من ثلاثة قرون ونصف بأن " الدخول إلى عالم الجحيم يمكن أن يكون عبر بوابات من عالم النعيم " ولعل فى ذلك ما ينبه إلى خطورة ما يمكن أن يجره داء "الغفلة السياسية" من كوارث ومضاعفات!
ثانيآ: سيواجه السودان فى صورته القائمه على دولتين، وضعآ إقتصاديآ أكثر تعقيدآ مما يتصور الكثيرون. وهذا ليس طرحآ من قبيل التنجيم والتشاؤم ، ولكنه طرح تفرضه معطيات الوضع الجديد. وواقع الحال يقول أن إقتصاد جنوب السودان سيكون إقتصادآ واقفآ على قدم واحده ( مداخيل النفط) وإقتصاد السودان الشمالى سيكون إقتصادآ يقف على أقل من قدم واحده ( عوائد مرور النفط وتكريره وخدمات ميناء تصديره ) . وإن لم يكن ذلك على المدى البعيد فإنه سيكون – على الأقل – لمدة السنوات السبعه القادمه. وهنا سيكون شمال السودان قد فقد فجأه ما لا يقل عن 60% من إيرادات الموازنة العامه ، وليس هناك ما يعوضها على المدى القصير من القطاعات الأخرى كالزراعة والخدمات والتمويل بالقروض الأجنبيه. وسيؤدى هذا إلى ضيق شديد فى مصادر دخل الدوله،  مما يجبرها على وقف مشروعات التنميه، واللجوء إلى فرض ضرائب جديده على المواطنين، وعدم القدره على تدبير الموارد اللازمه لإستيراد العديد من السلع الضروريه، ثم تعاظم الضغط على الجنيه السودانى فى قيمته مقابل الدولار والعملات الأخرى ، وهذا سيكون له آثار غير حميده على مناخ الإستثمار . وهذه المتلازمة القاسية ، ليست من عندى ، ولكنها محصلة لتحليل الكثيرين من أهل الدراية بعلم الإقتصاد والممارسين له. وبعبارة أخرى ، لا يمكن الإستهانة بما يمكن أن يجره الإنفصال من تعقيدات إقتصادية ، ويقينى أن الحكمة تفرض الإستعداد للتعامل مع هذه التعقيدات – سياسيآ واقتصاديآ- بدلآ من محاولة التقليل من شأنها وتفادى إتخاذ الإجراءات الموضوعيه حيالها. والمهم هنا أن تعاد التشكيلة الإدارية للدولة فى الشمال ، والتخلص من هذا الجيش الجرار من الوزراء والمستشارين والولاة ووزرائهم ومستشاريهم ، الذين يعجز المرء عن إحصائهم. وكذلك إعادة الصيغة السياسية ، كما ذكرنا سابقآ حتى يمكن التعامل مع الفساد ومحاربته وقطع دابره بما تفرضه أسس التعامل فى الدول الحديثه التى لا تسمح للمال العام أن يستباح ، مهما كانت الدواعى والمبررات. وإن كان الإنسان مرتكزآ إلى  عقيدة دينية أو كان مرتكزآ على غيرها، فكلها تحض على محاربة هذا الداء اللعين.
وبالنسبة للدولة التى ستنشأ فى جنوب السودان، فإن إقتصادها- فى المدى المنظور-  لن يكون هو بأحسن حالآ من إقتصاد الشمال. فبرغم مدخلات وإيرادات البترول ، فسيكون إنعدام الهياكل الأساسيه، وشح الموارد البشرية المدربه، واعتماد الإقتصاد – شبه المطلق- على المعونات الخارجيه ، سيكون كل ذلك مدعاة للكثير من المشاكل التى تعوق إنطلاق إقتصاد الدولة الجديده فى الجنوب على طريق محاربة الفقر والنماء. وسيشكل ما يملكه الجنوب  من موارد كامنه مسرحآ لمطامع الباحثين عن الثراء السريع والمغامرين ، وهذا سيفرض على حكومة الجنوب إتخاذ إجراءات مضنيه، للتقليل من أثر هؤلاء السلبى على إقتصادها وثرواتها.
والمحصلة المنطقية والواقعية هنا، أن يدرك الشمال والجنوب معآ ، بأن التكامل الإقتصادى بينهما، هو الطريق الوحيد الذى سيخفف، نوعآ ما، من متاعب الإنفصال آنفة الذكر. وهذا الأمر يجب ألا يترك للمصادفات والتخمينات، ولكنه يجب أن يخضع للدراسات والمعالجات الحكيمه بين الطرفين. وكلنا يعلم أن الإقتصاد السودانى ظل يعانى من التشوهات الهيكليه المزمنه والسياسات المتعجله، وأحيانآ تلك التى لا تخلو من التسرع والعشوائيه ، وها نحن، برغم فترة قصيرة من الإنتعاش فى بعض القطاعات، ما زلنا نواجه خطر الصدمه الفادحه لمكونات هذا الإقتصاد، بحلول حدث إنشطار السودان إلى دولتين. ثم هناك عنصر واحد يثير القلق فى هذا الشأن، وهو إستمرار المقاطعة الإقتصادية الأمريكية والغربيه للسودان الشمالى. فإذا نشأت منظومة تغدق على الجنوب وتمنع عن الشمال، تتعامل بالدعم المكثف مع الأول، وتغلق ابواب التعامل الإقتصادى مع الثانى، فإن فى ذلك معادلة سياسية ، ما زالت مطروحه فى الأوساط الأمريكية ، وهى ترمى إلى مواصلة الضغط على النظام القائم فى شمال السودان، سعيآ حثيثآ  للتخلص منه.   
ثالثآ: تأتى مسألة المضاعفات الأمنية التى تتعلق بالأمن القومى لللسودان شمالآ وجنوبآ ولإقليم وسط وشرق وشمال إفريقيا. وهذا الأمر يمثل نقطة محورية فى الإجابة على السؤال الكبير الذى نطرحه فى هذا المقال: إلى إين يتجه السودان ؟ وفى هذا الصدد، فقد راينا الكثير من السيناريوهات المتداوله بين العارفين وغير العارفين، وبين المتفائلين والمتشائمين. وهى قد تقع فى إطار المنظور الأكاديمى الذى يختص بأمور الرصد والتنبؤ، وقد ترتبط بالمفهوم السياسى العملياتى الذى يهم الدول المنشغله بأمر مستقبل السودان ، كل من زاوية مصلحته واهتماماته. سواء كانت تلك الدولة من دول الجوار أو كانت من الدول الكبرى كالولايات المتحده . وتتفاوت التوقعات هنا بين السيناريو الهادئ ( حدوث الإنفصال واستقرار الأوضاع بين دولتين جارتين) والسيناريو المتوتر( حدوث الإنفصال وظهور قلاقل على الحدود بين الدولتين فى حدود يمكن السيطره عليها) والسيناريو الساخن ( العودة إلى المواجهات العنيفه بعد الإنفصال وانفراط عقد الأمن والأمان). وهنا تأتى مسئولية شريكى إتفاقية السلام الشامل فى تجنيب الناس مخاطر السيناريو الثانى والسيناريو الثالث. وهذا يستدعى أن يعمل الطرفان على تسوية القضايا الملتهبه التى يمكن أن تشعل القلاقل والمصادمات إذا لم تتم تسويتها . وأهم هذه القضايا، مسألة ترسيم الحدود، ومسألة حصص عائدات النفط، وحقوق المواطنه وترتيباتها بالنسبة للجنوبيين فى الشمال والشماليين فى الجنوب ، والقضايا المتعلقه بمنطقة أبيى فيما يخص تبعيتها ، وكذلك تنظيم إستمرار حقوق قبائل مناطق التماس فى ممارسة نشاطهم الحيوى فى الرعى والتنقل والإنتماء المستمر لتلك المناطق . كذلك مسألة الترتيبات الخاصه بالجنوبيين فى القوات المسلحه والقوات النظاميه الأخرى، فى إطار إتفاقية السلام الشامل. وأيضآ أوضاع الدبلوماسيين الذين يختارون الإنتقال إلى الدولة الوليده ، فى حال الإنفصال. وغير ذلك من المسائل التى لا تحتمل التأجيل على طاولة المفاوضات بين الشريكين.
                    تلك ملامح الصوره التى يمكن أن تتكون فى السعى للبحث عن إجابة للسؤال الكبير: إلى أين يتجه السودان ؟ والأمر الواضح أن الإتجاه والمستقبل ، كلاهما هدفان تتحدد مآلاتهما بما ينهض به المسئولون عن الموقف من  التزامات حكيمة وأعمال. فالحلول لمشاكلنا لن تنزل علينا غيثآ منهمرآ من السماء ولكنها تكون من صنعنا ، مهما كانت التدخلات من خارج الدائره...!! وليكن فى حسابات الجميع، أن أخذ المبادره للتعامل مع هذه القضايا ، هو السبيل الوحيد لبلوغ  بر السلام والأمان . ولنذكر جميعآ أن جوهر الحياة السياسيه يكمن فى الممارسة الديمقراطية الحقيقيه ، وأن العملية الديمقراطيه هى – دون غيرها- القادرة على توطيد أسس السلام والتغيير السلمى للأوضاع والنأى بالناس عن مخاطر التشتت والعنف والضياع.                                                             

                                                                                          
Ahmed Gubartalla [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]