تنشأ الدول الجديده إما باندماج أكثر من كيان سياسى فى دولة موحدة أو فيدرالية أوكونفيدراليه (مثال ألمانيا واليمن) ، أو بانفصال كيان أو أكثر عن دولة لتكوين كيان سياسى جديد( مثال دول الإتحاد السوفيتى السابق وإثيوبيا)، وتصبح تلك الكيانات وحدات ذات سياده فى المنظومة الدوليه حال الإعتراف بها من قبل المجتمع الدولى.والسودان فى حال إنفصال جنوبه ، سيكون إحدى الدول التى ستنشأ عنها دولة جديده ( لم يتضح أمر تسميتها حتى الآن) . وسيؤدى ذلك إلى ظهور قضايا عمليه، تستدعى الحلول والمواجهه، تتعلق بحقوق المواطنه، وبعض مخاطر ما يعرف فى القانون الدولى بحالات "إنعدام الجنسيه". والمعروف أن هناك إرتباطآ عضويآ بين الوضع القانونى للدوله، وبين الحقوق الدستوريه لمواطنيها ، سواء كان ذلك على المستوى الداخلى أو على المستوى الخارجى. ويمكن أن تضيع حقوق المواطن فى بلده، أو خارج بلده، ويتعرض للكثير من المتاعب ، إذا لم يكن هذا الإرتباط العضوى قائمآ بين وجود الدوله ودستوريتها ، وبين منظومة حقوق مواطنيها . ولذلك فإن ظهور الدول الجديده يحمل معه دائمآ بعض مشاكل إنعدام الجنسيه ، مالم تكن هناك ترتيبات قاطعه للتعامل مع هذه الحالات. وبتطبيق ذلك على السودان فى حال الإنفصال ، فإن العديد من المواطنين الجنوبيين فى الشمال، ومواطنين شماليين فى الجنوب ، سيتعرضون إلى مخاطر وملابسات إنعدام الجنسيه، مالم تفطن كل الأطراف المعنيه  باستفتاء تقرير المصير إلى هذه المسألة.
                ولنبين فحوى ذلك للقارئ الكريم،لا بد أن نذكر حقيقة أساسيه، وهى خطورة المضاعفات التى يمكن أن تنشأ بالنسبة للذين يجدون أنفسهم فى منطقة الظل بين الشمال والجنوب، ويستدعى الأمر تصحيح أوضاعهم القانونية والمدنيه، فى ضوء تفصيلات ترتبط بمرحلة ما بعد الإستفتاء. وبعبارة أخرى  ،فإن قيام الدول الجديده، الخارجه من كيان دولة أخرى، يستوجب ضمان حقوق المواطنه، للأشخاص الموزعين بين الكيانين. وهذه الحقوق تقوم عليها حياة الإنسان ووجوده، ممثلة فى حق الملكيه، وحرية التنقل ، وحقوق الإقامه فى موضع معين،ووحدة الكيان العائلى، وحقوق الطفل ، وكذلك المساواه وعدم التفرقه بين المواطنين. وفى هذه الحاله تتعرض بعض الشرائح المستضعفه ، أكثر من غيرها ، لمخاطر ضياع أو إنتقاص الحقوق، مثل الأطفال والنساء والمواطنين الرحل وبعض أولئك الذين يقطنون على حافة الحدود الدولية للسودان.
                    نحن نعلم أن ثمة بدايات لمفاوضات قد جرت بين المؤتمر الوطنى والحركه الشعبيه فى هذا الأمر، كما نعلم أن الولايات المتحده، والأمم المتحده لها إهتمام بهذه القضيه، إلا أن الواضح لنا أن هذه الأفكار والمطارحات، لم تصل إلى تفاهمات قطعيه  حتى الآن. والواقع أن الوقت يمضى سريعآ ، وعلى المعنيين بالأمر أن يحسموا التفاهمات حول هذه المسأله، حتى لا تحدث حالة من الإرتباك أو الفوضى ، عند بروز المشاكل العملية لقضايا المواطنه، عند إعلان الدولة الجديده فى الجنوب.
الأصل فى معالجة هذه الأمور، أن يكون هناك إقتناع لدى الطرفين، ولدى المهتمين، والضاغطين فى الساحة الدوليه على هذين الطرفين، بأن تسوية حقوق المواطنه ومعالجتها بعد الإنفصال لا يمكن أن تتم بين عشية وضحاها. بمعنى أنها قضايا نشأت وتكونت عبر المئات من السنين ، و لايجدى معها سوى أسلوب التدرج الموضوعى فى المعالجه. وهذا يقتضى أن تتفق الأطراف المعنيه على فترات سماح لمسائل تنقل الأفراد، ومسائل الملكيه الثابته كالعقار وغيره، ومسائل الحركه بين المراعى بالنسبة للقبائل الرحل ( يمكن أن تكون هناك ترتيبات شبه دائمه فى هذا الصدد بين مناطق المسيريه والدينكا) ، وكذلك الترتيبات المتعلقه بالحصول على البطاقه أو الرقم القومى ، والحصول على جوازات السفر ، والحصول على تصاريح العمل ، وغير ذلك كثير من القضايا المتفرعه عن حقوق المواطنه.
مما يثير القلق ، اننى عند الإطلاع على الكثير من التصريحات والمقالات ، أجد أن الكثيرين منا ينظرون إلى مسألة الإنفصال بين الجنوب والشمال بكثير من التبسيط والإفتراض بأنها مثل عملية جراحية يفقد فيها الجسم عضوآ....وتبدو منطلقات  هذه النظرات وكأن الجنوب  سيذهب إلى كوكب آخر بعيدآ عن الشمال..!!! وتلك لعمرى نظرة غير واقعيه، لا تنطبق على الدول . فالجنوب والشمال، بعد الإنفصال، سيظلان جارين ملتصقين بضرورات الجغرافيا والتاريخ، وعليهما أن يرتبا أوضاعهما على ذلك الإرتباط الطويل والمتعدد المنافع والمصالح ،وهكذا تكون العلاقات بين الشعوب والدول .
                      إن ظهور بعض حالات إنعدام الجنسيه ، أو ظهور بعض المشاكل فى حقوق المواطنه، يجب أن يكون حافزآ للمعنيين بالإحتياط لمعالجة هذه المسائل، وعدم تركها معلقة فى الهواء، لأن الحلول لن تأتى هابطة من السماء، ولكنها  ستأتى من البشر المعنيين بالأمر. ويمكن التنويه هنا أن الأمم المتحده لديها خبرة ثره فى التعامل مع هذه المسائل فى مواقع أخرى من العالم تعرضت لمثل هذه التحديات. ولدى المنظمة الدوليه، مخزون مفيد من هذه الخبرات والتجارب. بل إن المفوضيه الساميه لشئون اللاجئين، لديها سجل مفيد فى التعامل مع قضايا المواطنه وانعدام الجنسيه. وينطبق الوضع هنا سواء كانت حالة إنعدام الجنسيه ناجمة عن إجراء قانونى أو ناجمة عن أمر واقع. وللمفوضيه ولاية قانونية دوليه،منصوص عليها فى إتفاقيتين دوليتين                            إحداهما إتفاقية عام 1954 الخاصه بوضع الأشخاص عديمى الجنسيه، والثانيه إتفاقية عام 1961 المتعلقه   بتخفيض حالات إنعدام الجنسيه.وبرغم الجهود الدوليه فى هذا المجال، فهناك الآن حوالى 12 مليون شخصآ يعانون من حالة إنعدام الجنسيه ينتشرون فى كل قارات العالم ..وهؤلاء يشكلون عبئآ على الدول التى يعيشون فى أراضيها، ويعيشون فى دوامة من ضياع الحقوق، ويمثلون مشكلة للمجتمع الدولى... وهم فى واقع الأمر " أشخاص يعيشون فى فراغ قانونى موبوء بحقوق منتقصه " . ونحن بالطبع لا نريد للسودان أن ينضم إلى هذه القائمه... وعلينا أن نتفادى ذلك بالمبادرة وكسب الوقت الذى هو كالسيف،إن لم نقطعه، قطعنا.
من خلال الخبرة والمتابعه مع الأمم المتحده، فقد رأيت المفوضيه الساميه لشئون اللاجئين تقدم المشورة الفنيه لعدد من الدول ، بهدف مساعدتها للتقليل من حالات إنعدام الجنسيه، ولعل السودان، يمكنه أن يستفيد من مثل هذه المساندات الفنيه . وبالطبع فإن وزارة الداخليه السودانيه، وأجهزتها المختصه بأمور الجنسيه، والسجل المدنى والبطاقه الشخصيه والجوازات والهجره ، يمكنها تدعيم موقفها بالإستفاده من خبرات الأمم المتحده هذه، مع الدول الأخرى التى تعرضت لحالات مماثله ومنها – على سبيل المثال لا الحصر- أوكرانيا وسيريلانكا وجمهورية التشيك بعد إنفصالها من سلوفاكيا وقيرقزستان وغيرها.                                   
                  إن القصد من هذا المقال ، هو التنبيه إلى أن المسائل المتعلقه بمرحلة ما بعد الإستفتاء ، تستوجب إستعدادآ مدروسآ لمضاعفات وتعقيدات القضايا الخاصه بالمواطنه ومخاطر حالات إنعدام الجنسيه. ويقتضى الأمر تبنى منهاج براجماتى لإحتواء هذه المضاعفات . وقد لفت  نظرى  تصريح أدلى به مؤخرآ الدكتور كمال عبيد وزير الإعلام نقلته الصحف عن  برنامج "مؤتمرإذاعى" نسبت إليه قوله بأن الجنوبى فى الشمال لن يكون مواطنآ حال وقوع الإنفصال ، ولن يتمتع بحق المواطنه، والوظيفه، والإمتيازات ولا حق البيع والشراء فى سوق الخرطوم.
              إن المؤشرات كلها تدعولأخذ المبادرات الموضوعية والعمليه التى تحفظ للسودان سلامه بعد الإستفتاء. وبالنظر إلى الإجتماع الذى إنعقد فى نيويورك يوم الجمعه 24 سبتمبر، فإن الإشارات واضحة وضوح الشمس ولا لبس فيها. وفحواها أن الإستفتاء على تقرير مصير الجنوب وعلى وضعية منطقة أبيى ، قادم كما هو مقرر فى إتفاقية السلام الشامل. وأن إنفصال الجنوب عن شماله ، لم يعد حديثآ أكاديميآ أو مسامرة فى المجالس والمحافل، وإنما أصبح يلوح بقوه فى الأفق القريب.
   ولم يعد المجتمع الدولى ينظر إلى موضوع وحدة السودان كمسألة مستقبليه، فهى فقط - بالنسبة له -  أمر سيكون من حادثات التاريخ !     والقوى ذات النفوذ والتأثير فى الجنوب وفى المحافل الدوليه مافتئت تضغط  فى  ذلك الإتجاه .وهكذا فقد ولى عهد النوايا الحسنه والتمنيات، ,ويأتى الآن الواقع الصادم لمن يرغبون فى غير الإنفصال.ونكرر القول النافع هنا ، بأن وقوف السودان على أبواب ظهور دولة جديده فى جنوبه،لا يجب أن يحرم أهله من العمل الدؤوب للحيلولة دون العودة إلى مربع العنف ، الذى لا يريده أحد
*نقلآ عن صحيفة الأحداث بتاريخ 29 سبتمير 2010
Ahmed Gubartalla [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]