لقد أصبح الإستفتاء حول مستقبل العلاقة بين جنوب وطننا وشماله، قاب قوسين أو أدنى ، والكل منشغل بهذا الحدث الذى سيكون له آثار خطيره على الأوضاع فى السودان ، وكذلك على الأوضاع فى البلدان المجاوره ، والتى يقع السودان فى وسطها ، لأن السودان يشكل رابطآ لدواعى الإستقرار فى كل هذه البلدان، شاء المرء أم أبى. ويخطئ الذين ما زالوا لا يأخذون هذا الحدث المرتقب بما يستحقه من إهتمام وجديه، فهو فى مفهومه وتداعياته ، سيزلزل الأرض من تحت أقدامنا بصورة ربما يعجز الكثيرون الآن عن إدراكها. وحتى إن لم تكن النتيجه، كما يتوقع معظم المراقبين،  هى خيارالإنفصال ، فإننا لا بد أن نستعد من كل النواحى ، لمواجهة مضاعفات أمنية وسياسية واقتصادية ، داخلية وخارجيه ، لا يمكن التغلب عليها إلا بالتدبير الحصيف، والتخطيط المبنى على الواقع ، والإبتعاد عن النزعات الممعنة فى القدرية والكسل السياسى والفكرى . ومادام الهدف من عملية إتفاقية السلام التى أبرمت فى عام 2005، هو عدم العودة للحرب ونبذ الإقتتال والعنف، فليكن ذلك فى قلوب وعقول الذين وقعوا على الإتفاقيه، والذين لم يوقعوا عليها، لأنها أصبحت هى الإطار الحاكم للوضع السياسى فى السودان، برغم ما يأخذ الكثيرون ، خارج المؤتمر الوطنى والحركه الشعبيه، عليها من مآخذ، لن تجدى إثارتها الآن .
                إن الهم السياسى المتعلق بعملية الإستفتاء الخاص بتقرير مصير جنوب السودان، برغم أنه هم يخص أهل السودان بالدرجة الأولى، إلا أنه، فى ذات الوقت، أصبح شأنآ إقليميآ و دوليآ ، ونحن نرى إهتمامآ غير مسبوق بهذا الشأن ، لدى الأمم المتحده، والولايات المتحده،والإتحاد الأروبى  والإتحاد الإفريقى ، والجامعه العربيه،. وكل ذلك بسبب التدويل المفرط لقضايا السودان ، وبسبب المضاعفات التى يمكن أن تنجم فى حالة إندلاع الحرب مرة أخرى. وهكذا رأينا الأمين العام للأمم المتحده ، يبدى أهمية فائقه بخصوص استفتاء تقرير مصير الجنوب والمحدد إجراؤه فى شهر يناير المقبل، وكذلك الإستفتاء الخاص بمنطقة أبيى .ونراه- أى الأمين العام- يرتب لإجتماع على مستوى عال سيعقد فى نيويورك فى الرابع والعشرين من شهر سبتمبر الجارى ، حول الإستفتاء ومستقبل السلام فى السودان. ويلاحظ أن السيد بان كى مون قد صرح بأن إستفتاء تقرير المصير واستفتاء أبيى ، يجب أن يتما فى صورة سلميه وفى جو من الشفافيه. وفى ذات الوقت، يلاحظ أن المصادر الرسميه الأمريكيه، أشارت إلى أن الرئيس أوباما سيشارك فى هذا الإجتماع...ولعل هذا يعطينا مؤشرآ واضحآ للإهتمام الكبير الذى توليه الحكومة الأمريكيه لتطورات الأوضاع المتعلقه بعلاقة الشمال بالجنوب فى السودان. وهو أيضآ مؤشر يدل على ما نعتقده ، بأن الشأن السودانى لم يعد مجرد قضية ما فى السياسة الخارجية الأمريكيه، بل دخل هذا الشأن فى الأجنده الداخليه للسياسة الأمريكيه، بما يمكن أن يكون له من تأثير فى القضايا التى تطرح فى الإنتخابات هناك، وتتولاها جماعات الضغط التى تركز على الأوضاع فى جنوب السودان ودارفور على وجه الخصوص.  
              ومما يلفت النظر، أن مجلس الأمن الدولى ، أصدر بيانآ يوم 15 سبتمبر الجارى ، لتحضير المسرح السياسى الدولى لإجتماع الرابع والعشرين من سبتمبر الذى سيعقد فى نيويورك. وطالب المجلس الشريكين فى إتفاقية السلام الشامل ( المؤتمر الوطنى والحركه الشعبيه) إتخاذ الإجراءات العاجله لتسهيل عملية إستفتاء تقرير المصير وإستفتاء أبيى ، بصورة سلمية وفى موعدهما المضروب. وكذلك إحترام ما يسفر عنه الإستفتاءان من نتائج. وهنا نتوقف عند حديث مجلس الأمن عن ضرورة " إحترام ما يسفر عنه الإستفتاءان من نتائج" حيث نأتى إلى الفكرة المحوريه لمقالنا هذا. وهى أن إستفتاء تقرير المصير، على وجه الخصوص، باعتباره الحدث الأكبر فى تاريخ السودان السياسى المعاصر، يستوجب إحتياطات بالغة الدقه، والوضوح ، حتى تحترم كل الأطراف النتيجة التى ستسفر عنه. والواضح حتى الآن، أن الشريكين  ( المؤتمر والحركه) قد أكدا فى مناسبات عديده أنهما سيحترمان النتيجة التى سيسفر عنها الإستفتاء . وهذا أمر مطلوب، لأنه يقوى من مفهوم السلام ، الذى هو محور إتفاقية عام 2005. غير أن المرء يلحظ - فى ذات الوقت- ومن خلال تصريحات بعض قادة الشريكين، ما يوحى بجو من التوتر السياسى المرتبط بعدم إنجازهما لعدد من المتطلبات المرتبطه بعملية الإستفتاء. فنسمع هنا أن الإستفتاء لا بد له أن يكون شفافآ ونزيهآ لكيما تكون نتيجته محترمه، ونسمع هناك أن الإنفصال واقع لا محاله، ولا تعدو مسألة الدخول فى عملية الإستفتاء سوى أنها بمثابة تقنين لأمر واقع ، ليس إلا..!! وفى هذين الإتجاهين، نذير جدال قد يثور من الطرفين، فى كل الأحوال. وهنا نجد من الضرورى أن يتم تشديد الرقابة الدوليه على عملية الإستفتاء من بدايتها وحتى إعلان النتيجه.                                        
               والذى نعنيه بتشديد الرقابة الدوليه، أن تنطلق الأمم المتحده من الموقف  الذى أعلنه الشريكان (المؤتمر والحركه) بطلبهما للرقابة الدوليه، بما يمكن من الشفافية والنزاهه فى الإستفتاء، وبما يساعد على تفادى اللغط وتبادل الإتهامات، وربما الرفض للنتيجه، وما يمكن أن يترتب على ذلك من وبال وأهوال وخراب
               نحن نعلم أن هناك المئات من المنظمات الحكوميه وغير الحكوميه، التى ستنهال على السودان للإشتراك فى مراقبة الإستفتاء. غير أن هدفى من التشديد على الرقابه هنا، يتركز حول الأمم المتحده وحدها، ودون غيرها، لتكون هى المرجعية الأولى والأخيره، فى عملية الرقابه على الإستفتاء. والمنطق هنا واضح وبسيط ، إلا أنه أيضآ شائك ومعقد . وبعبارة أخرى ، فإن مجلس الأمن، يتحمل المسئولية الدوليه، فى دعم ومساندة ورعاية عملية السلام فى السودان. وهذا يجعل الأمم المتحده ، المسئول الدولى عن مسيرة الإستفتاء ، لضمان نزاهتها وشفافيتها، ولضمان تثبيت مفهوم المرجعية المحايده التى توطد القبول بالنتيجه، ولضمان مباشرة هذه المرجعيه  لدورها فى الكشف عن أية مخالفات جسيمه، لا تتفق مع الموضوعية وقواعد الإستفتاء المنصوص عليها أو تلك التى ترسخت فى العرف الدولى لمثل هذه الممارسات المصيريه . ويقينى ، أن الأمم المتحده، يجب أن تحشد كل الموارد الممكنه ، وتعمل بصورة مكثفه مع الشريكين، ومع كل الأطراف الأخرى ، للخروج من هذا المأزق التاريخى ، بما يدعم الثقة فيها، سواء من أهل السودان ، أو من أهل إفريقيا ، أو منظومة الدول الأعضاء فى الجامعة العربيه . وعلى الأمم المتحده أن تنشط عملها بشكل مكثف مع مفوضية تقويم تنفيذ إتفاقية السلام، ومع مفوضية الإستفتاء لبلوغ هذه الغايه. وفوق كل هذا وذاك، فإن الأمر يشكل تحديآ جسيمآ للمنظمه ، ستنعكس آثاره عليها سلبآ أو إيجابآ ،وعليها إذن أن تعمل بما يفضى إلى نتائج تتسم بالمصداقية الدوليه فى المحصلة النهائية لهذه الأحداث التاريخيه. وتلك أحداث تتعلق ببلد من أوائل الدول الإفريقيه التى انضمت للأمم المتحده، وبلد مؤسس لمنظمة الوحدة الأفريقيه ( الإتحاد الإفريقى حاليآ )، وبلد هو أكبر بلدان القارة الإفريقية مساحة وتنوعآ فى الثقافات والمجموعات الإثنيه، وبلد يقع فى وسط القارة الإفريقيه وتلتف حوله جغرافيآ وثقافيآ تسعة دول سينسحب عليها ما يجرى فيه من أحداث ، وبلد عانى كثيرآ من الإحتراب الأهلى ويتطلع أهله للإستقرار والسلام والتنميه.                              
              وهكذا فأن مسألة تشديد الرقابة الدولية وإحكامها فى عملية الإستفتاء بالسودان لتقرير مصير جنوبه، ليست مسألة شكليه، ولكنها مسألة موضوعيه وحيويه، لا تضاهيها أى أولوية أخرى ، بحسبان المخاطر التى يمكن ان تنشأ عن هذه العمليه، إذا لم تنضبط ممارستها ، وتستوفى فيها الشروط القانونية والسياسيه ، وتتهيأ لها أسباب النزاهة والشفافيه، وتتحدد لها، منذ الآن، مرجعية الحكم على إستيفاء متطلباتها وشروطها.                                            
               وفى الختام لا بد أن ننبه إلى حقيقة هامه، وهى أن من مستلزمات الرقابة على مثل هذه الإستفتاءات أن تتم فى جو من الديمقراطيه ، بما يمكن الناخبين من التعبير عن إراداتهم الحره ، دون ضغط أو قهر أو إملاء ..وأن تتم فى جو يتمتع فيه المشاركون بالأمن ، حيث لا يخشون من تهديد لهم وهم يمارسون حقهم فى التعبير عن آرائهم ، وأن تأخذ السلطات المعنيه على عاتقها تبصير المشاركين بالخيارات المطروحه فى الإستفتاء ، وتركهم بعد ذلك لاختيار ما يريدون. ذلك ما عن لنا من أفكار تستدعى تفتيح العيون والأذهان ، ونأمل أن يكون نصيب بلادنا من هذه العملية ،خروجآ سلميآ لا يكبدنا أكثر مما تكبدناه طوال نصف قرن من الحرب والإقتتال.
*نقلآ عن صحيفة الأحداث بتاريخ 22 سبتمير  2010                                                              
Ahmed Gubartalla [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]