مر إثنا عشر عامآ على رحيل  الفنان حسن حاكم الذى كان من القامات السامقه فى مجال الفن التشكيلى والرسم الكاريكاتورى على إمتداد العالم العربى . وقد ذاعت شهرة هذا الفنان الفريد فى مصر ( التى عاش فيها أكثر من أربعين عامآ) والكويت ( التى عاش فيها أكثر من عشرين عامآ ) . غير أنه لم يكن له من حظ الشهرة فى وطنه الأصل السودان ، فيما عدا بعض فنانى وأدباء جيله، من أمثال الشعراء الأفذاذ  الجيلى عبد الرحمن ومحمد الفيتورى وتاج السر الحسن و بعض الفنانين التشكيليين  ومنهم إبراهيم الصلحى ، وبعض أولئك الذين عاشوا فى مصر أو ترددوا عليها فى الأعوام الستينات والسبعينات من القرن الماضى وتفاعلوا مع نجوم أوساطها الفنية والصحافيه.
                 وقصدى من هذا  المقال أن أحييى ذلك الفنان العظيم ، الذى لا يعرف الكثيرون أنه  مواطن سودانى  جاء أهله من قرية    " شبا " فى شمال السودان ، ثم  تربى فى مصر وترعرع فى ربوعها المختلفه، بين مدينة أنشاص الصغيره ومدينة القاهره المزدحمه الكبيره . وكان والده الذى عمل ضمن الخاصه الملكيه فى "أنشاص" فى سلك العسكريه المميز آنذاك ، يريد له أن يكون ضابطا وعسكريآ مثله . غير أن حسن حاكم  إحتكم إلى عشقه العارم للفن والرسم ، ونجح فى أن يتفادى الدراسة العسكريه، ويلتحق بدراسة الفن ، وهكذا كان الرجل  فنانآ أصيلآ إستجاب لنداء قلبه وعقله ، وأعطانا فنآ وإبداعآ لا يشق له غبار.
                    تميز فن حسن حاكم  بالتعبير المذهل عن مواقف شعبيه وإنسانيه. والملفت فى سيرته أنه كان من أوائل الفنانين الذين طرقوا أبواب الرسوم المتحركه فى مصر بفيلم " مغامرات تيتى ورشوان "  بالإشتراك مع صديقيه الفنانين عبد الحليم البرجينى  ومصطفى حسين . كما أنه إنخرط  بعد ذلك فى المجموعه الفذه التى لمعت أسماؤها فى نهاية الخمسينات وطوال الستينات من القرن الماضى فى مصر ، ومنهم  حسن فؤاد وأحمد طوغان ومصطفى حسين وجورج البهجورى وصلاح جاهين وإيهاب شاكر وغيرهم من المبدعين.                   

                أجد نفسى مدينآ للقراء لألقى شيئآ من الضوء على سيرة الفنان الإنسان حسن حاكم ... ولعلى بذلك ألقى الضوء على تلك الشخصية الفذه التى  ما زال  بريقها  ساطعآ و متلألئآ تنشرح له قلوب العارفين بإشراقات ذلك الراحل المقيم.
                كان أول عهدى بالراحل حسن حاكم فى منتصف الأعوام السبعينات من القرن الماضى، وكان هو نجمآ متألقآ فى عالم الفن ويعمل وقتها بمجلة " العربى " بالكويت. وقد ربطتنى به صلة مصاهرة سمحت لى بأن أراه عن قرب فى حياته اليوميه وأصاحب شخصيته الفذه التى تجسدت فيها الكثير من القيم الإنسانية الساميه. وقد رأيت أن حسن حاكم- رحمه الله وأحسن إليه - لم يكن فنانآ يسكب أفكاره وروحه فى رسوماته فقط ، ولكنه كان يسكب الكثير من إنسانيته فى أعماله وفى علاقاته الإنسانيه. وقد كانت داره فى الكويت لأكثر من عشرين عامآ بمثابة منتدى يؤمه الفنانون والكتاب والأدباء وأهل الصحافه من مصر والسودان ، سواء أولئك المقيمين فى الكويت أو الذين يزورونها فى مهمات عابره. كذلك فإن داره فى القاهره ، بعد عودته من الكويت ظلت مفتوحة للزملاء الذين عاصرهم  فى الصحف والمجلات المصريه المرموقه منذ منتصف الأعوام الخمسينات. وظل يغشاها تلاميذه من الرسامين الذين كانوا يستمتعون غاية المتعه بصحبته وملاحظاته وقفشاته الذكيه ...وسواء فى القاهره أم فى الكويت فقد استضافت دار حاكم الكثير من أعلام الفن والأدب والصحافه. وعلى سبيل المثال لا الحصر فقد عمرت تلك الدار بشخصيات منها الرسام العبقرى مصطفى حسين،وافنان التشكيلى البارع نصر الدين طاهر والشعراء عبد الرحمن الأبنودى ومحمد الفيتورى  وجيلى عبد الرحمن ... وصديقه صاحب إستطلاعات " مجلة العربى" الراحل حسنى زكى، والراحل الكاتب الفذ محمود السعدنى وصديقه الإعلامى المتميز محمد مرعى والفنان الخالد محمد حمام وغيرهم كثير من أصدقائه الأعزاء.
                 لقد كانت آخر أعمال الراحل حسن حاكم مرتبطة بمجلة "كاريكاتير"  المصريه ، مع رفيق دربه وصديقه الفنان الكبير مصطفى حسين ، وذلك فى مطلع الأعوام التسعينات . لقد شهدته فى تلك الأيام، وهو يجلس فى مرسمه بمنزله فى القاهره لساعات طوال ليدفع بالكاريكاتير تلو الآخر للمجله، ووجهه ينضح بالسعادة والإنشراح. وكان يقول لى أنه وجد نافذة رحبه ليطل على عشاق فنه من خلال مجلة "كاريكاتير"...وأنه عندما يرسم كان يشحن الرسم بكل المعانى الممكنه ، حتى لا يضطر أحد لكتابة تعليق على تلك الرسومات...وكنت أقول له : يا أستاذ أنت ترسم من القلب وتدخل القلوب وتجعل الناس يضحكون فى زمن عز فيه الضحك وكثر فيه العابسون ... !! وكان يبادلنى بضحكة سريعة الإيقاع ولكنها عميقة الوقع والتأثير أفهم منها أنه يقوم برسالة تفوق الإنفعالات العابره! . ومن نوادره ذات المغزى العميق أنه كان يقول : " إن رسوماتى للكاريكاتير مثل مشروب الحلو مر السودانى.." . ولا يفوت القارئ أن فى ذلك إشارة ذكيه لعبقرية " التوليف بين الضدين" أى بين  الضحك والرساله التى لا تخلو من مراره...أو إن شئت فقل ، فكرة التوليف بين شئ من الشهد وشئ من إبر النحل !
           
                    لقد أقيمت العديد من المعارض للفنان حسن حاكم ، واحتفى به أهل الفن فى مصر والكويت كثيرآ بوفاء العارفين لفضله والمقدرين لفنه . وفى كثير من المواقف سمعت زملاءه وتلاميذه، بعد وفاته، يتحدثون عن فنان عظيم ، إتسم بالتواضع الجم والخلق الكريم والحياء والعفه ، يقولون " أنه فنان لم ياخذ حقه".. وقد سمعت ذلك فى إحدى المرات فى القاهره  من الفنان التشكيلى الكبير مصطفى حسين ... ويبدو لى أن معنى "الحق " هنا جاء فى سياق الإشارة لإمكانيات الراحل حسن حاكم  الهائله التى لم تجد طريقها  المأمول إلى الدائرة الإعلامية الواسعه. وطوال إقامته بالكويت فقد كان الفنان حسن حاكم محاطآ بالتقدير من أهلها ، وكنت أشعر دائمآ أنه كان يتوق إلى التفرغ التام للرسم والإبداع ، غير أن للوظيفة أحكامآ تستدعى الوفاء بها أينما حل الإنسان.   
            لقد كان حسن حاكم عاشقآ لليل ، وكنت أراه دائمآ وهو يسهر إلى الساعات الأولى من الفجر وهو يرسم .. ويحتسى الشاى ويداعب من يكون بجانبه من أفراد الأسره بكلمة هنا وطرفة هناك.. وكنت أقول له دائمآ " إيه الحكايه يا أستاذ ؟  "إنت عملت الليل معاشآ ولا إيه..؟"  فيقول لى مداعبآ " أنا معكم بالليل وبالنهار ".... وفى إحدى الليالى ، وهو يداعب الورق بريشته الساحره، طلبت منه أن يرسم بورتريه لشخصى لأحتفظ به ضمن مقتنياتى...ولكنه مارس معى تواضعه الجم وقال: ما دمت تريد بوتريه لتحتفظ به، فإنى سأطلب من صديق يزورنى دائمآ هو الفنان محمد النادى ليرسمه لك..ثم أضاف بأن محمد النادى من أبدع راسمى البورتريه فى مصر...وهكذا تكرم الأستاذ النادى فى مرة لاحقه بعمل ذلك البورتريه والذى ما زلت أحتفظ به حتى اليوم.
            ملاحظة أخرى عن إنسانيات الراحل حسن حاكم، فقد كان الرجل ذا شخصية محببه عند الآخرين ، وهو لم يكن ينظر إلى الناس بوظائفهم أو أعمارهم أو طبقاتهم أو أموالهم، وإنما كان يتقرب من الجميع بود فيه إخلاص وصدق كبير. وقد لاحظت أنه كان ينظر إلى الحياة بكثير من التأمل الهادئ الذى لا يخلو من الفلسفة التى تنزع إلى التصوف ، وتترفع عن الماديات والإحتكاكات بين البشر. لذلك لم يترك الراحل حاكم وراءه من متاع الدنيا ما يركض الكثيرون وراءه من أشياء ومتاع زائل . وكفاه أنه عند رحيله فى العام 1998 ترك وراءه زهرتين هما إبنتيه . وترك زوجته رفيقة دربه التى عاشت معه مشواره الحافل ، الكاتبه زينب كردى، والتى رحلت هى أيضآ عن دنيانا فى العام الماضى ، فلها وله الرحمة والمغفره.  
          
       بحكم عملى الطويل فى السلك الدبلوماسى ، كنت وأسرتى نتنقل من بلد لآخر، وقد كان وجود الراحل حسن حاكم من الحوافز الكبرى التى تجعلنا نتسابق فى العطلات للإستمتاع بصحبته فى الكويت أو فى القاهره. وكان الرجل مدرسة مشحونة بالقيم الجميلة التى يسعد بها الناس من حوله... ولن أنسى يومآ فى منتصف الأعوام التسعينات عندما ذهبنا معه إلى نادى الصحافيين  على شاطئ النيل فى القاهره ، بعد الوعكة التى ألمت به ، وقللت من قدرته على الحركه... حيث رأينا عددآ من أهل الفن والصحافه يتسابقون لتحيته والتعبير عن أمنياتهم له بالشفاء... وأذكر أن  صديقنا الصحافى والكاتب الراحل يوسف الشريف، كان من أسعد المحتفين برؤية حسن حاكم فى تلك الأمسيه.
 
        قبل أن أختم مقالى عن حسن حاكم الإنسان ، فلا بد لى أن أذكر بأنه كان قوى الإراده ، ولم يكن يترك لطوارئ الأحوال الوقوف بينه وبين ممارسة فنه الذى عشقه وكرس حياته من أجله. فعندما داهمه المرض وعطل يده اليمنى - التى كان يرسم بها- عن الحركه، جلس أيامآ طويله وهو يتعلم الرسم بيده اليسرى...وقد نجح فى ذلك ، ومن اللوحات التى رسمها بيده اليسرى إحداها التى يستوحى المرء منها أنه كان يودعنا ...!!!
          تلك خواطر وددت أن أشارك القراء بها عن حسن حاكم الإنسان ...ذلك الفنان المبدع الذى جعل حياته فنآ وجعل فنه حياه. وبالقطع فقد كان حسن حاكم تجسيدآ رائعآ للتمازج الحضارى والثقافى بين السودان ومصر...وكم كنت أطمح فى أن يساعدنا الفنانون التشكيليون وفنانو الكاريكاتير فى بلادنا  ليقيموا معرضآ يضم بعض أعماله العظيمه ، للإحتفاء بذكرى وتراث هذا الفنان السودانى الشامخ الفريد... فقد كان الرجل بدرآ منيرآ وعندما فقدناه تأكد لنا أنه حقآ ، فى الليلة الظلماء يفتقد البدر .

* نقلا عن صحيفة الأحداث بتاريخ 24 أغسطس 2010      
Ahmed Gubartalla [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.