لقد عودتك أيها القارئ العزيز أن أطل عليك متحدثآ عن موضوعات سياسية محلية ودوليه من خلال صحيفة " الأحداث " .... ولكنى سأتناول فى هذا المقال موضوعآ حيويآ يخص مدينة الأبيض ... أو إن شئت فقل ، فلنذهب إلى عاصمة "كردفان الغرا " .. هذه المره!! وإشارتى إلى الأبيض عاصمة لكردفان ليست من قبيل الجهل أو التجاهل للتقسيمات الإداريه التى جعلت من كردفان شمالآ وجنوبآ...فى إطار التكاثر الإنشطارى الذى أصاب ولايات السودان وخلق جيشآ جرارآ من الوزراء والمدراء الذين يمكن أن نباهى بهم بين الأمم...فى مواقع لا تستدعى كل هذا الزحام والنفقات التى ينوء عنها كاهل المواطن البسيط ...لكن قصدى أن مدينة الأبيض هى المحور الإستراتيجى لكردفان الكبرى ، وهى مركز التجارة ‘ وهى سرة وسط السودان الغربى ، وهى موقع الثقل السكانى المتعايش سلمآ ومحبة فى كردفان ، وهى الآن القاعده اللوجستيه الهامه لبعثة الأمم المتحده ، وهى تحتضن مؤسسات هامه كجامعة كردفان ( التى تعانى من شح الموارد !) كما أها مرز حى للمواصلات والإتصالات ، وغير ذلك من كثير دواعى الأهمية والإعتبار.

فمدينة الأبيض بالنسبة لى ليست مجرد مدينه ، ولكنها مسقط رأسى وفيها نشأت وتعلمت أعظم القيم السمحه فى التسامح والتراحم والترابط ، وإعلاء قيم الوطن وإحترام أهل الرأى الآخر ، وحب الوطن الكبير صاحب الفضل علينا جميعآ ... وعندما أكتب عنها فأنا لا أكتب من منظور جهوى أو إقليمى ، وإنما أطمح إلى التأكيد على قيمة وطنية هامه ، تتعلق بالحقوق الأساسية للمواطن فى تلك المدينه ، وعلى رأسها حق الحصول على المياه النظيفه للشرب والحياه ، بوصف تلك مشكلة مزمنه ، لايصح أن يظل الناس لها متجاهلين ، وكأنها لا وجود لها ، مثلما هو حال الإدارات المختلفه التى مرت على هذه المدينه طوال الخمسين عامآ الماضيه أو يزيد!! وكم سمعنا بعضهم يتحدثون عن ضرورة إيجاد حلول جذريه لهذه المشكله ، وكم إطلعنا على تقارير مدبجه عن هذه الحلول ، ولكن لم نر شيئآ من تلك الحلول الجذريه ماثلآ على أرض الواقع ..وكله كلام " خارم بارم" لا يغنى ولا يسمن من جوع أو يروى من عطش!!

كنت فى زيارة لمدينة الأبيض مؤخرآ ، قبل هطول أمطار هذا الخريف ، وقد أصبت بالإحباط والحزن الشديد لما شاهدته من هلع وشكوى بين سكانها من جراء عدم وصول المياه إليهم ...ورأيت " عربات الكارو" التى انتشرت فى كل الأحياء والناس يطاردونها لشراء الماء ( يسمونها تانكرات)...وبعضهم يظل شاخصا ببصره نحو السماء آناء الليل وأطراف النهار ، سائلآ عن موعد هطول الغيث ، حتى تمتلئ الخزانات السطحيه ، وينفرج الكرب!! ولكن أولئك الشاخصين إلى السماء ، لم يكونوا يدرون بأن المشكله ليست فقط فى عدم توفر الماء ، ولكن هنالك أيضآ مشكلة كبرى أخرى وهى عجز شبكة نقل الماء إليهم فى أحيائهم المنتشره فى كل الإتجاهات. وخلال أيام وجودى فى الأبيض، جلست مع بعض العارفين بشئون المياه ومشاكلها وهمومها، كيما أستزيد علمآ ، وأفهم خبايا مأساة العطش الذى يتهدد أكثر من 400 ألف مواطن ومواطنه فى تلك المدينه ( هذا تقدير متواضع حصلت عليه من الإنترنت، ولكنى أزعم بأن سكان الأبيض الكبرى يقارب المليون نسمه الآن)....

وقد أفادنى أحد أولئك العارفين المنشغلين بهذه المسأله أن البدايه تكمن فى تحديد المصادر الحاليه لمياه مدينة الأبيض. وتتركز هذه فى المصادر فى مصدرين إثنين. أولهما المصدر القديم المتمثل فى المياه السطحيه التى يتم تخزينها جنوب المدينه. وثانيهما المصدر المستحدث الذى يأتى من شمال المدينه من الآبار الجوفيه المنبعثه من حوض بارا الجوفى. وحسب هذا المصدر ، فإن الاستهلاك اليومى للمدينه يبلغ حوالى 30 ألف متر مكعب من المياه . وبالنظر إلى المصدرين المذكورين أعلاه، ودونما حدوث مفاجآت سطحية أو جوفيه ، فإن الإمداد المطلوب يمكن توفيره . غير أن محدثى أضاف هنا بأن مصدر حوض بارا الجوفى يعمل الآن بنصف طاقته ( 18 بئرآ من أصل 36 بئرآ فى المخطط لهذا المشروع) وهذا يعنى أن المزيد من الإمداد يمكن تدبيره من هذا المصدر مستقبلآ.....وهنا قلت له أن المشكله الحاليه لا تبدو فى المصادر ولكنها قد تنحصر فى ضعف شبكات النقل وخرابها وانعدام صيانتها أو تجديدها. وبرغم أنه وافقنى مبدئيآ على ذلك ، إلا أننا وجدنا أنفسنا قد انتقلنا بسرعه إلى الحقيقة الماثله أمامنا والمتمثله فى النمو السريع والمذهل حقآ فى عدد سكان مدينة الأبيض. فهى الآن قد تمددت فى كل الإتجاهات سواء كان ذلك بالتخطيط الذى لا يعطى المواطن غير الأرض ويتركه لمعاناته...أو كان ذلك عشوائيآ بتكالب أهل الريف على المدينه ، تطلعآ لحياة هم يعتقدون أنها أفضل! وأمام هذا الواقع، وحتى لا تحل الكارثه بأهل هذه المدينة العريقه، فلا بد لنا من إثارة قضية الحل الجذرى لمشكلة مياهها متمثلآ فى إمدادها بالمياه من النيل الأبيض عبر خط أنابيب من منطقة كوستى .

وأنا لا أطرح فكرة جديدة هنا ، فتلك فكرة قديمة لا يقل عمرها عن نصف قرن .... وأعلم أن هناك الكثيرين من أهل المدينه الذين بح صوتهم من جراء تكرار المطالبة بهذا الحل الجذرى لتتحول مدينتهم من حالة الخوف والهلع من الهلاك ...إلى حالة من الإستقرار والطمأنينة والنماء ، والإستمرار فى دورهم الداعم لتقدم الوطن وازدهاره. إن المعاناة الأسطوريه التى يبتلعها سكان هذه المدينه من جراء مشكلة المياه ، تفوق فى أبعادها كل تصور يمكن أن يخطر بذهن المرء فى القرن الحادى والعشرين ، لأنها معاناة هى فى الأصل لا مبر لها ، لأنها تتعلق بمصدر الحياه ، وتتمحور حول حق أساسى من حقوق الإنسان ، وهو الحصول على مصدر للماء الصالح للشرب فى خضم عصر تسوده ثقافة القضاء على الفقر وتحقيق أهداف الأمم المتحده للألفية الثالثه ، والعمل على القضاء على الأمراض التى لا حصر لها والتى تترتب على عدم توفر مصادر المياه الصالحه لإستعمال الإنسان.

وقد لفت نظرى أن مدينة الأبيض قد أصبحت متحفآ للأمراض المتوطنه المرتبطه بانعدام المصادر النظيفه للمياه، ويعيش أهلها فى حلقة مفرغه بين أوجاع لا تنتهى وزيارات للأطباء لا تتوقف ، ثم الشراب من المياه إياها ، والعوده مرة أخرى لمسلسل الأوجاع والأطباء ، وهكذا دواليك. وكلنا يعلم أن الخروج من هذه الحلقه الجهنميه، يتمثل فى حل واحد، وهو توفير مصدر آمن ومستقر للمياه، وليكن من خلال أنبوب من النيل الأبيض ، يرتبط بمنظومة تحقق تنقية وتوفير المياه للمواطنين. ومما يحتار له المرء أن هناك ثمة إجماع بين أهل الحكم والمواطنين على أن الحل يأتى من النيل الأبيض...غير أن هذا الحل يظل سرابآ وخيالآ ولا يتحرك أحد لعمل شئ فى هذا الإتجاه. وقد قامت سلطات الولايه مؤخرآ بعقد ما أسمته المنبر التشخيصى ( بالإشتراك مع صحيفة أخبار اليوم) ودار فيه الحديث حول أزمة المياه فى مدينة الأبيض . وفى ذلك المنبر ، أعلن المهندس خالد عبد الله معروف ، وزير الموارد المائيه والطاقه أن هناك ثمة عجز فى إمداد المياه ، وأن تقلبات مناسيب الأمطار كانت وراء جفاف مصادر المياه السطحيه الواقعه جنوب المدينه ، وعلى حد قوله، فإن تفادى الكارثه ، لم يكن ممكنآ إلا من خلال دخول مياه حوض بارا الجوفى.وأشار المهندس معروف إلى ما أسماه " التدنى الخدمى فى مواجهة غول العطش بعد مئات السنين من عمر هذه المدينه ..." وقال " إن التخلف الخدمى فى عصر التكنولوجيا يعود إلى تخلفنا فى تقانات حصاد المياه التى كان يمكن أن يكون لها حصيله تبلغ أضعاف ما هو متوفر ". وواصل حديثه بالوصول إلى ما يمكن أن نسميه " مربط الفرس".. بقوله " أنه إذا تم التوقيع اليوم على عقد توصيل مياه النيل الأبيض إلى المدينه ، فسوف يتم إفتتاحه بعد ثلاث سنوات... وأن تكلفته تبلغ حوالى 400 مليون دولار".

نفهم من التصريحات أعلاه ، أن ثمة عجز يلوح دائمآ فى أمر مصادر مياه مدينة الأبيض..وأن التكولوجيا المستخدمه فى تجميع المياه تحتاج إلى التطوير الفعال، وأن الحل الجذرى يكمن فى اللجوء إلى مياه النيل الأبيض . وأسارع هنا لأتساءل : إذن ما هو دور ولاية شمال كردفان لنقل هذا الأحاديث من خانة القول إلى موقع الفعل؟ ولا بد أن أقول أيضآ أننا نعلم أن توفير الموارد اللازمه لهذا الحل ، تظل أكبر بكثير من إمكانيات الولايه وحدها. إذن الأمر يتطلب معالجة قومية إتحاديه تتولاها السلطة المركزية فى الخرطوم . ومثل هذا المشروع ستوجب أن يواصل أهل كردفان الضغط على السلطة المركزيه ، بالإقناع والحجة والحاجه ، ليصعد إلى قائمة الأولويات التنموية القوميه . وبالطبع فإن ما هو متاح من الدراسات والحجج يساند مثل هذه المهمه. وهنا يأتى دور المجتمع المدنى فى مدينة الأبيض ، وهناك من أبناء المدينة الأفاضل الذين سبقونا فى هذا المضمار والذين يصح لهم أن يتصدوا لدعم وضع هذا المشروع ضمن أولويات الدولة . وأنا أدرك أن هذا ليس بالأمر اليسير، فى الظروف الحالية التى ينعدم فيها فقه التخطيط الإجتماعى والإقتصادى ، وتسيطر الكثير من الممارسات العشوائيه على السلوك التنموى ، إذا لم يكن للمشروع ملابسات سياسية معينه ! ولكن لا مفر من الإصرار على هذا المشروع ، وليكن هناك تضافر فى الجهود المدنيه لأهل الأبيض ، لرفع راية هذا المشروع فى كل مناسبة وفى كل منشط وعلى كل منبر. كيف لا ، وهذا هم إستراتيجى يتعدى الأفراد ويتجاوز الأحزاب ، ويرتبط بمستقبل المدينة ووجودها .

لدى إقتراح فى هذا الصدد، ونحن نتحدث عن مشروع قومى قد تصل تكلفته إلى 400 مليون دولار. وهو أن يتم إنشاء صندوق إتحادى يسمى " الصندوق القومى لمشروع مياه الأبيض" . ويتعين على الحكومة المركزيه أن تخصص إعتمادات، ولتكن تراكميه ، على مدى معين ( خمسة سنوات مثلآ) ... ويضاف إلى هذا الصندوق منح أو قروض ميسره من السعوديه والإمارات مثلآ . وفوق ذلك ، أن يطرح عطاء هذا المشروع لشركا ت عالمية ذات خبرة فى هذا المجال. كذلك لا بد من الأخذ فى الإعتبار مسألة الشبكه الداخليه فى مدينة الأبيض وتحديثها ورفع كفاءتها بما يمكن من الإستخدام الأمثل لهذا المصدر، مع مراعاة أن يظل المصدران الآخران ( المياه السطحية والجوفيه ) متاحان على سبيل الإحتياط.

الأبيض كمدينة وجدت بدايات ظهورها على أيدى الأتراك والمصريين فى عام 1821 ميلاديه ، وعليها أن تحتفل بمرور مائتى عام على إنشائها بعد عشر سنوات من الآن... ولا يصح أن تأتى تلك المناسبه ، وهى ما تزال عطشى ، وكأنها لم تنمو وكأنها لم تتطور، وكأن العالم من حولها لم يتطور...ولا أدرى كيف يأتى حكامها ويذهبون ، ويملأون السماء بالضجيج والهتاف والوعود...منذ فجر الإستقلال ، وهى كما هى " مولاى كما خلقتنى"...وإذا أراد الناس أن يدخلوا هذه المدينة فى التاريخ ، مثلما أخرجوها منه ...فعليهم أن يعملوا على مد خط أنابيب المياه لهذه المدينة العطشى ، بلا مبرر، وإلا كان غير ذلك من الشعارات والكلمات بمثابة حرث فى البحر لا طائل منه ولا جدوى . وأنا لا أعرف وظيفة لأهل الحكم سوى خدمة الناس فى مطالب عيشهم وحياتهم. وفى الختام فإنى أرجو مخلصآ من أهل الأبيض تعليقآ او تحسينآ أو تعديلآ لإقتراحى هذا ، بما يمكن من بلوغ الغاية المنشوده ، حتى تجد تلك المدينة العريقه ما تستحقه من تٌقدير وعرفان.

Ahmed Gubartalla [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]