القاهره من المدن التى تروق لى كثيرآ ، برغم أسفارى وترحالى فى كثير من بقاع الدنيا ، وربما كان لهذه الصله ما تتميز به هذه المدينه من تفاعل فريد بين الماضى والحاضر والمستقبل...فهى موقع يضع بين يديك مصر الفرعونيه ومصر القبطيه، ومصر عصر دخول الإسلام، ومصر المملوكيه ، ومصر المرتبطه بأروبا ومصر الخديويه ومصر مركز الثقل العربى ، بل ومصر التى قدمت كثيرآ من أجل إفريقيا أيام الكفاح ضد الإستعمار والعنصرية البغيضه. وكل هذه التفاعلات أعطتنا ما يمكن أن نسميه " شخصية القاهره"...وهذه الشخصيه لا يمكن فك طلاسمها بسهوله أو فى توقيت معين، ولكنها ذات صفه "طلاسميه" كلما انفكت منها عقده، ظهرت فيها عناصر جذب أخرى تتميز بها هذه المدينه التى تجاوز سكانها الآن 20 مليونآ من البشر ، ومنهم حوالى 2 مليون يتنقلون بمترو الأنفاق ، ناهيك عن ملايين آخرين يتخذون من وسائل المواصلات الأخرى على سطح الأرض، وهى بنبضها تضج بالحياة والصور الإنسانية المفعمة بالمعانى ذات المغزى والحراك الديناميكى الذى لا ينتهى ولا يتوقف.وهى حافلة بآدابها ومنافذ ثقافتها المتعدده ، وفنونها المنتشرة لمن أراد أن يعب من تلك الذخائر .

ويقينى أن مايميز شخصية القاهره أنها حظيت بمسار تكاملى للحضارات التى ضمتها هذه المدينه دونما غلو أو تعسف أو إقصاء لأى من هذه الحضارات المتعاقبه والمتفاعله والمتكامله فى ذات الوقت. وتلك محمدة لا تقدر بثمن لما يترتب عليها من أسباب الإنفتاح والتسامح .

                 وبرغم أن عهدى بالقاهره ليس بالقصير، وهى مدينة تلقيت بها دراستى الجامعيه فى العقد السابع من القرن الماضى فى كلية الإقتصاد والعلوم السياسيه..حيث تلقينا علمآ نافعآ على أيدى أساطين فى علوم الإقتصاد والسياسه والقانون الدولى والمنظمات الدوليه ..ومن أولئك الأساتذه من ينهضون بأدوار هامه حتى اليوم، ومنهم الدكتور بطرس غالى الأمين العام الأسبق للأمم المتحده .. وعلى مدى  تلك الصله  .. فإنى كلما ذهبت إلى القاهره تستهوينى وقفات فى "القاهره الخديويه"...وهى القاهره التى يطلق الكثيرون عليها إسم " وسط البلد" وهى فى معمارها وتخطيطها مشابهة لباريس .. وهى فى الأصل تصميمات تم تنفيذها فى منتصف القرن التاسع عشر الميلادى وبدايات القرن العشرين  بواسطة خبرات فرنسيه ، جلبها أبناء محمد على وأحفاده مثل الخديوى سعيد وإسماعيل .

                من المشاهد المرتبطه بجولاتى فى القاهره الخديويه، أن أدلف إلى ناحية ميدان إبراهيم باشا بالقرب من الموقع القديم لدار الأوبرا التى إحترقت وبنت الدوله بديلآ جديدآ لها فى منطقة الجزيره...ويستهوينى التمتع بالتنقل بين أكشاك "سور الأزبكيه"...وهو موقع قديم يزدحم بالدرر من الكتب القديمه والنادره التى يعرف قيمتها عشاق القراءة والإطلاع على الكنوز الثقافية التى تزخر بها خزائن القاهره ... ويقينى أن السودانيين الذين تلقوا العلم فى الجامعات المصريه أو الذين يشتغلون بأمور الثقافة ، قد زاروا سور الأزبكيه مرة أو مرات وهم فى القاهره.

                 وسور الأزبكيه اليوم ، ليس هو ذلك المكان الرحب المنتشر حول حديقة الأزبكيه، كما كنا نعرفه فى الماضى، فقد حاصرته المبانى ومحلات بيع السلع والمستلزمات الأخرى ، حتى إنكمش حجمه ، غير أن معناه ومغزاه ومكانته فى عقولنا وقلوبنا ظلت باقية لا تتزحزح.

             عندما زرت سور الأزبكيه مؤخرآ ، مارست هوايتى المفضله بالبحث عن بعض الكتب القديمه والنادره. ومن عجائب الأمور أن أكشاك السور تسعدك دائمآ بالمفاجآت الساره ببعض الكنوز الثقافيه من الطبعات القديمه ، أو التى نفدت فى منافذ بيع الكتب العاديه. وهذه المره، عثرت على ثلاثة كتب وصحيفه، كلها ذا صله بتاريخ السودان والأحداث فيه، لم أتردد فى إضافتها لمقتنياتى .

              أول الكتب ، تقرير ضخم عنوانه " السودان" صادر عن الحكومة المصريه ، تمت طباعته عام 1953 ، وهو يشمل وثائق هامه تخص وضع السودان السياسى والداخلى والدولى منذ العام 1841 وحتى عام 1953. وهذا مرجع بالغ الأهميه، ومن وثائقه نص إتفاقية الحكم الثنائى الموقعه بين مصر والمملكه المتحده فى فى يناير 1899.ممهورة بتوقيع بطرس غالى ، الجد عن الجانب المصرى واللورد كرومر عن الجانب البريطانى. وبالطبع فإن نظام الحكم الثنائى الذى خضع له السودان منذ عام 1899 وحتى إستقلاله، كان نظامآ فريدآ ، لم يكن له مثال فى التاريخ الحديث ، فقد كان يسمى ثنائيآ فى شكله، غير أنه كان أحاديآ فى مبناه ومضمونه لصالح الجانب البريطانى!

            أما الكنزالثانى الذى عثرت عليه هذه المره، فهو كتاب من جزئين ، عنوانه "عصر إسماعيل"..يحوى بين صفحاته الكثير من المعلومات عن السودان فى النصف الثانى من القرن التاسع عشر.وهو من تأليف المؤرخ المصرى المرموق ، عبد الرحمن الرافعى ، صاحب المنهاج المميز فى كتابة التاريخ ، حتى أطلق الدارسون عليه لقب " جبرتى مصر الحديث".  وقد صدرت الطبعه الأولى لهذا الكتاب فى عام 1932. ومما لفت نظرى فى هذا الكتاب ما ورد فيه فى صفحة 43 عن الكتيبه السودانيه التى حاربت فى المكسيك عام 1864... وتلك كتيبة قوامها 1200 من الجنود السودانيين ،بقيادة البكباشى جبرة الله محمد ( قتل أثناء الحرب فى المكسيك) بعث بها الخديوى سعيد تلبية لطلب من صديقه نابليون الثالث ...لمساعدة الجيش الفرنسى هناك.. وقد أبلى أولئك الجنود بلاءآ حسنآ برغم أن تلك الحرب لم يكن لديهم فيها لا ناقة ولا جمل، حسبما عبر عبد الرحمن الرافعى . وقد وصف القائد الفرنسى " فورى" هؤلاء الجنود بأنهم " ليسوا جنودآ ..بل هم أسود" ! وبرغم الكثير من التنظير والتبريرات حول إرسال تلك الكتيبه السودانيه إلى المكسيك، فإن الأمر لم يكن سوى صفقة بين الخديوى ونابليون الثالث ، نظرآ للعلاقة الخاصه التى ربطت أسرة محمد على باشا بالنظم الحاكمه فى فرنسا.

           أما الكتاب الثالث من درر سور الأزبكيه هذه المره، فهو طبعة قديمة لديوان  "أغانى الحياه" للشاعرالرومانسى التونسى العظيم أبو القاسم الشابى. وقد صدرت هذه الطبعه فى عام 1954 . وفيها صورة بخط يد الشاعر لقصيدته الشهيره " إرادة الحياه".. وتلك رائعة شعرية تغنت بها الشعوب العربيه  فى محاربة الإستعمار والظلم والطغيان والإضطهاد بما جاء  فى إفتتاحيتها الخالده:

إذا الشعب يومآ أراد الحياة.. فلا بد أن يستجيب القدر

ولا بد لليل أن ينجلى     ..  ولا بد للقيد أن ينكسر

 

وأبو القاسم الشابى ، شأنه شأن شاعرنا التيجانى يوسف بشير ، فكلاهما عبقرى ثاقب الفكر والنظر ، تجلت فيه شاعرية فذه. ومات كلاهما وهو فى ربيع العمر، وهذا ما شدنا إليهما فى رومانسية مشحونة  بتقديرإبداعات الفن لذينك العملاقين الذين مضيا ولم يمضيا!

                 وثيقة أخرى عثرت عليها هذه المره أيضآ بسور الأزبكيه ، نسخه أصليه من صحيفة "أخبار اليوم" القاهريه ، الصادره بتاريخ 3 مارس 1973  ، وهى تورد فى عنوانها الرئيسى  ذلك الحدث البشع الذى شهدته الخرطوم وقتها وراح ضحيته السفير الأمريكى ومستشار السفاره الأمريكيه والقائم بالأعمال البلجيكى ، عند هجوم بعض العناصر الفلسطينيه على السفاره السعوديه فى الخرطوم. وقد كان لذلك الحدث وقع الزلزال فى السودان وفى المنطقه العربيه والعلاقات السودانيه الأمريكيه. وقد تناولت هذا الحدث الكثير من التعليقات والتقارير، ولا شك أنه وضع حكومة الرئيس الأسبق جعفر نميرى فى مأزق كبير.وكان واضحآ أن الذين قاموا بتلك العمليه، قد أضروا كثيرآ بالقضية الفلسطينيه فى أوساط الرأى العام الدولى . وقد إطلعت على بعض المقالات حول تأثير تلك العمليه على العلاقات السودانيه الأمريكيه ، برغم أن السودان لم يكن سوى مسرح لها ، ولم يكن شريكآ فيها لا من قريب أو من بعيد. وأذكر أن صديقنا الدبلوماسى المميز والأكاديمى المرموق السفير محجوب الباشا كان قد نشر مقالآ حول العلاقات السودانيه الأمريكيه بعنوان "حادثة السفاره السعوديه والعلاقات السودانيه الأمريكيه " بموقع  " سودانايل" بتاريخ 20 فبراير 2010 أشار فيه بموضوعية إلى هذا الحدث وانعكاساته ..

                 ذلك ما كان من أمر حظى هذه المره مع " سور الأزبكيه" فى الٌقاهره... وهو موقع أرجو ألا يختفى من خارطة تلك المدينه فى خضم زحف العمران الذى تعانى منه المدن الكبرى فى كل مكان. لأن الزيارة لذلك الموقع ليست هى بشئ من النوستالجيا ولكنها رحلة فى درب الثقافة والفن والفكر والأدب ... لا تعدلها متعة ، من متع التنقيب عن كنوز ثمرات المطابع فى أى مكان آخر. وأنا أعرف الكثيرين من الأصدقاء الذين يستمتعون بزيارة هذا الموقع ، برغم أنه إنكمش فى مساحته، لكنه- فى نظرى- إتسع وأصبح أكثر عمقآ فى قيمته.

 

Ahmed Gubartalla [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]