تناقلت وكالات الأنباء العالميه هذا الأسبوع  خبرآ يتعلق بإسرائيل له مدلولات كبيره بالنسبة لمستقبل هذا الكيان فى المحيطين الإقليمى والدولى . والخبر يتحدث عن انضمام إسرائيل ( ومعها أستونيا وسلوفينيا) إلى منظمة التعاون والتنمية الإقتصاديه  OECD  التى تأسست فى عام  1961ومقرها فى العاصمة الفرنسية باريس. وتكمن أهمية هذه المنظمه فى أنها بمثابة النادى الدولى للبلدان التى ترفع شعار الديمقراطيه واقتصاديات السوق الحر وتضم فى عضويتها 31 دوله ( أصبحوا الآن 34 دوله) ، يشكلون القوى الكبرى والمؤثره فى مجريات السياسه والإقتصاد الدوليين. وتضم المنظمة فى عضويتها الولايات المتحده وكندا ودول الإتحاد الأروبى ، علاوة على اليابان واستراليا وكوريا الجنوبيه وتركيا والمكسيك . وبهذا تكون إسرائيل قد حققت حلمآ ظلت تركض وراءه لسنوات عديده ، لأنه سيمكنها من فرض أمر واقع جديد بدخول هذه المجموعه من خلال " شرعنة" وضعها السياسى والإقتصادى والدفع بعيدآ بكل الإتهامات والحقائق المتمثله فى كثير من ممارساتها اللاديمقراطيه فى حق الشعب الفلسطينى وإحتلالها لأراض عربيه سورية ولبنانية . وتعتبر هذه الخطوه الإسرائيليه ، من أكبر الإنتصارات الدبلوماسيه التى حققتها إسرائيل خلال العقدين الماضيين ، وهى لا تقل أهمية – فى مغزاها ومردودها -  عن نجاحها فى إلغاء قرار الجمعيه العامه للأمم المتحده الذى كان يعتبر الصهيونيه شكلآ من أشكال العنصريه.

 

                           إن إنضمام أسرائيل لهذه المنظمه يمثل نقلة نوعيه وهائله فى تصنيف إسرائيل من الناحيتين السياسيه والإقتصاديه ، بل والإستراتيجيه  . وهى بهذا تفرض أمرآ واقعآ  يضرب عرض الحائط بكل الإنتقادات المشروعه الموجهه لها ككيان مثقل الكاهل  بانتهاكات حقوق الإنسان ، بما لا يؤهلها للإنضمام الى منظمة  التعاون والتنمية الإقتصاديه ، إن كان هناك عدل فى الأخذ بما تعلنه المنظمه من معايير سياسيه تحكم إنضمام الدول إليها. ولنعلم إلى أى مدى نجحت إسرائيل فى تحقيق هذا التحرك الدبلوماسى ، علينا أن  ننوه إلى حقيقة واحده وهى أن المنظمه تتخذ مثل هذا القرار بالإجماع ، وهكذا فقد أجمع أعضاؤها على قبول إسرائيل . وبالطبع فلم يكن هناك من جهد دبلوماسى مضاد للمسعى الإسرائيلى ، فيما عدا محاولات من السلطة الفلسطينيه ، لكنها لم تجد أذنآ واحده تصغى أوتستجيب بالنظر إلى الدعم الأمريكى والأروبى الهائل لإنضمام إسرائيل. وليكن معلومآ لنا أن هذا الحدث سيفتح أبوابآ كبيره للإقتصاد الإسرائيلى  تبلغ مليارات الدولارات فى التبادل التجارى ونقل التكنولوجيا المدنية والعسكريه  وتشجيع المشروعات المشتركه مع هذه الدول ...بل والدخول فى ترتيبات وصفقات تمكنها  من إختراق إقتصاديات الدول العربيه   المنتجه للنفط  والتى لا تتيح أوضاعها حاليآ التعامل الإقتصادى المباشر مع إسرائيل !

 

                    لقد صرح بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلى بأن عضوية هذه المنظمه  " فتحت لإسرائيل آفاقآ جديده فى دنيا الإستثمار " ... وأضاف أنه يأمل فى أن تصبح إسرائيل ضمن الخمسة عشر دوله ذات الإقتصاديات الأكثر تطورآ فى العالم. كذلك وصف محافظ البنك المركزى فى إسرائيل  هذا الحدث  بانه " يشكل علامة هامه على طريق إندماج  إسرائيل فى الإقتصاد العالمى .. ويعكس إلتزام إسرائيل بمعايير دولية متطوره "....وفى ذات السياق أكد وزير الماليه الإسرائيلى بأن إنضمام إسرائيل لهذه المنظمه سيترتب عليه إستثمارات أجنبية هائله . وإن لم يفصح الوزير الإسرائيلى عن فوائد أخرى كثيره تجنيها إسرائيل ، فإن الجوانب السياسيه لهذا الإنضمام هى الأكثر أهميه فى نظرنا. لأن إسرائيل بوصفها دولة " فوق القانون" ظلت تنتهز الفرص لتمكين وضعها الدولى بالأفعال وليس بالشعارات... وهى فى ذلك تستغل السند الأمريكى والأروبى لها لتنفيذ مخططاتها دون خوف أو وجل ودون مراعاة لمصالح وحقوق الآخرين وعلى رأسهم أهل فلسطين . ويقينى أنها ستستفيد من موقعها فى منظمة التعاون والتنميه الإقتصاديه للتغطيه على سياستها الإستيطانية الشرسه ، غير عابئة بالإعتراض الخجول الذى تبديه الولايات المتحده ... وغير عابئة بقمم الدول العربيه ومبادراتها المعلنه التى تتحدث عن الأرض مقابل السلام . وكما لاحظ العديد من المراقبين فقد برعت إسرائيل فى فرض الأمر الواقع بالإنتشار السرطانى للمستوطنات اليهوديه فى الأراضى الفلسطينيه  ، بما فيها القدس  ،وهو ما يشكل قتلآ فعليآ للمبادرة العربيه ويجعل الحديث الدائر عن " حل الدولتين" حديثآ يتسم  بالخيال ولا يرتبط بالواقع لأن الأرض التى من المفترض أن تقوم عليها الدولة الفلسطينيه ، تخضع لحركة إستيطانية متسارعه ، بينما تكسب إسرائيل الوقت بالحديث عن سلام ودولة فلسطينية  لا يدرى أحد على أى أرض تقام..!!!

 

                         كذلك فإن إسرائيل ستستغل هذه العضويه فى التغطيه والتمويه المستمر بخصوص برنامجها النووى العسكرى ، والذى ظل – بفضل الدعم الأمريكى والأروبى- خارج نطاق الرقابة الدوليه  . كما أنها ستعمل على المزيد من التغلغل فى الساحة الدوليه بانضمام مراقبين إسرائيليين للإنتخابات التى تقام فى الكثير من البلدان الناميه وتبعث المنظمه مراقبين عنها  لعمليات الإقتراع فى هذه الدول. والأهم من ذلك فإن الكم والكيف الهائل من المعلومات التى تصدر عن الأجهزه البحثيه لهذه المنظمه حول  كل الموضوعات التى  تتعلق  بتدعيم التعاون الثنائى والدولى ستكون فى متناول الأجهزة المعنيه فى إسرائيل ، دونما عناء أو مشقه. يضاف إلى ذلك إستفادة إسرائيل بالتفاعل المكثف مع شبكة منظمات المجتمع المدنى  والبرلمانات المرتبطه بالمنظمه بالنظر لما لهذه الكيانات من تأثير فعال على الساحة الدوليه.

               

                       يبدو لنا أن الكثير من الأجهزة الرسميه وغير الرسميه فى العالم العربى  لم تأبه كثيرآ بهذا التطور .. كما أننا لم نشاهد محاولات عربيه جاده للعمل المشترك من أجل عرقلة حصول إسرائيل على هذا الموقع الدولى المرموق ، فى وقت تضاعفت فيه خروقات  إسرائيل  للقانون الدولى و وتصاعدت اعتداءاتها المستمره على حقوق الفلسطينيين . وإذا اعتبر الإسرائيليون إنضمامهم لمنظمة التعاون والتنميه الإقتصاديه – بعد ستة عشر عامآ من الجهد- إنتصارآ كبيرآ ، فإن منطق الأشياء يجعل من هذا الحدث هزيمة أخرى يتجرعها الجانب العربى فى معاركه الخاسره إقليميآ ودوليآ ، وتعزيزآ لممارسة سياسات  " الفرص الضائعه "  التى  عانت منها القضيه الفلسطينيه منذ عام 1947 وحتى الآن.

 

* نقلآ عن صحيفة "الأحداث"  بتاريخ 14 مايو 2010             

Ahmed Gubartalla [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]