كلما كنت فى طائرة تحلق فوق سماء الخرطوم أو كلما نظرت إلى موقعها على الخريطه.. تداعى إلى ذهنى خاطر واحد ومثير للجدل ، وهو أن موقع هذه المدينه الفريد ، والذى لا مثيل له فى العالم ، لم يجد منا التقدير واالتدبير . وضاع منا سحر الموقع بسبب عجز الإنسان عن إعطاء ذلك الموقع الساحر حقه من الرعاية والتطوير ،وهكذا  صا رت عاصمتنا فاقدة الشخصيه ، وكأنها واحده من إخفاقاتنا الكبرى والتى لن يغفرها  لنا أبناؤنا وأحفادنا من قادم الأجيال.  وسحر الخرطوم  يكمن فى أنها العاصمه الوحيده فى العالم التى تقع عند ملتقى نهرين من أعظم الأنهار ( النيل الأزرق والنيل الأبيض) وتتوسد قلب نهر النيل العظيم ، أطول الأنهار فى العالم .. وهو شريان حياة لحضارة الإنسان الأولى فى جنوب مصر وشمال السودان... وفى هذا السياق، إن كان هيرودوتس قد وصف مصر بأنها " هبة النيل " فإننى أنعت الخرطوم بأنها " هبة النيلين" ..!!

                        وهل رايت أيها القارئ الكريم نهرين يتعانقان فى بقعة رائعة الجمال ، وبرغم لقائهما يسيران جنبآ إلى جنب وكليهما يفصح عن لون يختلف  قليلآ عن الآخر ، حتى يذوبان تماما فى لون واحد حتى المصب.. وما أروع منظر غروب الشمس عند ملتقى النيلين فى الخرطوم ، وهو ما لم أشهد مثيلآ لروعته  إلا فى  منظر الغروب عند شلالات فيكتوريا على نهر الزمبيزى العظيم . والفرق بين الموقفين ، أن الإنسان فى زامبيا وزمبابوى جعل من تلك الروعه مشهدآ يتقاطر إليه السواح من كل مكان ، بينما أهملنا نحن هذا المشهد وأعلنا جحودنا بنعمة الطبيعة هذه ، وأهملناها مثلما أهملنا الكثير من ميزات هذا الوطن ،وتركناها فريسة  للعشوائية والتخبط  والضياع . وفيما عدا بعض الإشارات العابره فى  قصيدة لشاعر سودانى هنا أو هناك ، فإن موقع الخرطوم الساحر هذا لم يخطر على بال أهل السياسه أو على بال حكام محافظة الخرطوم ، والتى أصبحت ولايه ذات جيش جرار من " الوزراء"  الذين وجدوا أنفسهم فى أوضاع من صنعهم أو  صنع غيرهم  لا تمكنهم من الإلتفات إلى العدوان اليومى الذى يقع على ميادين الخرطوم وعلى حدائقها ، والفوضى العارمه التى تسود شوارعها ، ممثلة فى حركة مرور  تثير الفزع وتضرب عرض الحائط بأبسط قواعد سير المركبات ، برغم وجود مؤسسات ، هى فى أحسن الأوصاف ، غير قادرة على كبح جماح مثيرى فوضى  المرور فى شوارع العاصمه.

                    ومما يحير الإنسان ، ان ما يسمى بالخطط السكنيه التى بليت بها الخرطوم خلال الثلاثين سنة الماضيه، جاء معظمها على خلاف أبسط قواعد التخطيط السكنى .. دون مراعاة لمسائل الخدمات والجوانب الوظيفية لسكنى البشر، بل أن من مهندسينا العباقره ، من وزع الأراضى السكنيه على مجارى مياه الأمطار ومداخل الأنهار ، وأصبح أهل العاصمه يولولون كل عام من جراء الأمطار والسيول والفيضان !! ومما يؤسف له أن هناك الكثير من الأموال المهدره كل عام لحفر مصارف ترابية تشوه الشوارع ولا تحمى أحدآ من مياه البرك الآسنه ، وأخشى أن يكون هذا الأمر قد أصبح من سبل " كسب العيش "  كما يردد الكثيرون من سكان العاصمه. والسؤال هنا، هل أصبح " عجز الإنسان" ذا صفة مستدامه فى التعامل مع روعة هذا المكان؟ أم أن هناك فسحة من الأمل فى أن نتجاوز متلازمة العجز ونسعى إلى  جهد ينطلق من أرضية تتسم بالموضوعية والمهنية المجرده والإنفتاح الذكى على تجارب خلق الله فى تخطيط المدن..؟

                 إن المتتبع للمسيرة العمرانية للخرطوم خلال الخمسين  سنة الماضيه ، يلاحظ أن حكومة الديمقراطية الأولى ، لم تفعل شيئآ ذا بال فى التعامل مع تخطيط العاصمه ، وظلوا بما ورثوه من الإنجليز والأتراك والمصريين ، فرحين  ( هؤلاء هم الذين خططوا وعمروا الخرطوم

                                              

التى ورثناها عند الإستقلال عام 1956) .  ثم جاء نظام الفريق إبراهيم عبود ، وفى تقديرى ، أنه التفت إلى بعض ملامح التحديث والتخطيط للعاصمه . وقد تمثل ذلك فى تخطيط وتشييد حى العمارات بالخرطوم .. وربطه بنظام للمجارى ، ثم الإعتناء ببعض الحدائق العامه  وأماكن الترفيه . ولكن الديمقراطيه الثانيه جاءت وأنفقت كل وقتها فى الشجار السياسى ، وضاع منها خيط التنمية والعمران ، سواء كان ذلك فى العاصمه أو فى غيرها من أنحاء البلاد. وأصبحت الخرطوم تعيش على ما بناه نظام عبود . ومن الغريب أن نظام النميرى  ،الذى ظل فى الحكم لمدة ستة عشر عامآ  ، لم يترك بصمات تذكر على خارطة الخرطوم ، وحتى بعض الأحياء الجديده التى ظهرت فى ذلك العصر مثل حى الرياض وحى الصفا ،وأحياء الطائف وأر كويت  وشمبات وشمال أم درمان ، شيدت دون ربطها بنظام للمجارى ، ودونما مصارف لمياه الأمطار ، وظل حالها هكذا حتى يومنا هذا !!

                  أما ما شهدناه فى عهد حكومة الإنقاذ ، فهو مختلف عما سبقه من عهود ، باعتبار أن مداخيل البترول ، ومداخيل التمكين ، وغيرها ‘ أطلقت زخمآ عمرانيآ غير مسبوق. وظهرت العمارات الشاهقه فى كل مكان ، حتى فى عدد من الأحياء الشعبيه . غير أن معضلة الخدمات فى الكهرباء والمياه والصرف الصحى ...ظلت تمسك بتلابيب هذه العمارات والفلل والكبارى الجديده . وقد كشف فصل الخريف الماضى الكثير من المستور فى مأساة غياب التخطيط العمرانى وعيوبه المفزعه فى الخرطوم . ولعلنا نذكر جميعآ أن بعض المسئولين فى الولايه ، إعترفوا بالقصور المعرفى للكوادر الهندسيه التى تزدحم بها المكاتب والتى يترتب عليها القيام بمهام تخطيطيه أو إصلاحيه لبعض المرافق المعنيه...

 

                             ومن المشاكل العويصه فى معمار الخرطوم ، أنه بناء لا نسق فيه ، ولا تنسيق له ، وكل من يبنى ، فهو على هواه فى الأشكال والألوان .. وهكذا تبدو المبانى الحديثه ، برغم الأموال الطائله التى أنفقت عليها ، تبدو عشوائية المظهر وتصبح المدينه، لا شخصية لها . وربما ذلك  هو سبب ما روى عن الدكتور منصور خالد ، بأنه وصف حركة البناء الأخيره فى الخرطوم بأنها من قبيل " الشغب العمرانى"... ولنسأل مسئولى العمران عندنا: ألم تشاهدوا مدنآ كالدار البيضاء والرباط وتونس العاصمه؟ حيث تفرض الدوله نسقآ معينآ يحفظ لكل مدينة شخصيتها.

                           إننى عندما أثير هذه القضايا ، إنما أثيرها من منطلق البحث عن حلول لمشكلة عاصمتنا التى ترهلت واتسعت وتشعبت فى كل إتجاه، وتضخم عدد سكانها بما يفوق التصور . فقد هاجر إليها أهل السودان من جراء الحروب والجفاف والتصحر وانعدام الخدمات فى الأرياف.. . وصار الملايين من سكان العاصمه يعيشون فى أوضاع  لا تليق بالبشر . ناهيك عن التدهور المريع فى صحة البيئه وتراكم القمامه والجيوش الجراره من الكلاب الضاله التى تجوب الشوارع ليل نهار وكأننا نعيش فى مشهد كنا نراه فى أفلام تصف حال  العصور الوسطى. وكلما مر الإنسان على ضفاف النيلين أصابته الحسره بسبب الإهمال المريع الذى أصبح من نصيب هذه الضفاف. فأين الكورينش يا عباد الله الذى يفترض أن يزين هذه الشواطئ ؟ أليس من حق البشر عندنا أن يستمتعوا ، ولو قليلآ،  بنزهة على ضفاف النيلين ؟ وللأسف فلم نشهد أى جهد على كورنيش النيلين ، إلا على موقع محدود بين الفلل الرئاسيه وكوبرى القوات المسلحه.. وفيما عدا ذلك فقد اكتفينا بالكورنيش الذى ورثناه عن الإنجليز والأتراك والمصريين ، على النيل الأزرق أمام القصر الجمهورى وحتى كوبرى الخرطوم بحرى القديم. ولا نريد أن نسمع أن القصور فى الميزانيات هو السبب وراء ذلك ، ولعمرى أنه قصور فى النظر ليس إلا.

 

                      ومادمنا فى ذكر الأتراك واستعمارهم ، فلا بد أن ننوه إلى أن جيش الأتراك ا هو الذى إختار واسس موقع العاصمه فى الخرطوم. وذلك فى العام 1924 عند عبور قواتهم من جهة أم درمان نحو قرية " الخرطوم " التى تقع فى مقرن النيلين ..وذلك لأسباب إستراتيجيه تتعلق بموقعها ، خاصة بالنسبة لحركة المراكب جنوبآ على النيلين الأبيض والأزرق  ، او ما يبدو من خصائص دفاعية للموقع من حيث الطبيعه . وتظل الحقيقة الماثله مجسدة فى روعة الموقع وسحره، حتى وإن زالت المبررات الإستراتيجيه التى ساقها الأتراك فى اختيار الموقع فى أواخر القرن التاسع عشر الميلادى.  وقد حرص محمد على باشا على زيارة الخرطوم عندما زار السودان عام 1838 بهدف توطيد حكمه فى مناطق  السودان المختلفه .( استغرقت زيارته للسودان أربعة أشهر ) . 

 

                     لقد لاحظت فى كثير من الأحيان أن الشاغلين لوظائف عامه عندنا ، لا يعيرون إلتفاتآ لما يكتب فى الصحف عن أداء أجهزتهم ، التى هى فى الأصل أنشئت لخدمة المواطنين الذين يدفعون الضرائب لتمويل مرتبات هؤلاء الموظفين ... وتلك ثقافة غير حميده ، لا بد لنا أن نتجاوزها ، لأن من أخذ الأجره ، حاسبه الله بالعمل . والخرطوم فى نظرى ليست منظرآ من الحجارة وجوالات الأسمنت والطوب الأحمر والأخضر والطين . فهى فى نظرى مسرح لكثير من المعانى والمشاهد التى لا تخص الإنسان السودانى وحده ، بل تعنى الكثير لغيرنا فيما وراء الحدود. فتلك هى المدينه التى لقى فيها تشارلس غوردون مبعوث الإمبراطورية البريطانيه  مصرعه ( عام 1885) على أيدى جيش المهدى ، فى زمان  كان ذلك فيه أحد المشاهد الهامه التى ترتبط بأوروبا وإفريقيا ومصر وتركيا و وتحركات الإستعمار الأوروبى . ثم كانت هى المدينه التى عاد إليها الإنجليز والأتراك بقيادة الجنرال  كتشنر ، بعد موقعة كررى  ، حتى يبسطوا سلطانهم فى العمق الإستراتيجى فيما وراء الأراضى المصريه ، ويمكنوا لتفوق وسيادة السلاح الحديث على وسائل الحرب القديمه وما إرتبط بها من طرائق فى إدارة الحياة العامه. وغير ذلك،  فالخرطوم هى مدينة إنعقد فيها أهم مؤتمرات القمه العربيه ، ألا وهو مؤتمر اللاءات الثلاثه فى عام 1967 . ثم أنها المدينه التى استضافت واحدآ من أهم مؤتمرات القمه الإفريقيه فى عام 1978 والذى كان محضورآ بصورة مشرفه ومكثفه وظل علامة على طريق القمم الإفريقية التاريخية  الناجحه.   وهى المدينة التى تحتضن المصرف العربى للتنميه الإقتصاديه فى إفريقيا ، وهو الذى يجسد إحدى الروابط الإستراتيجيه فى التعاون العربى الإفريقى . 

 

                        من كل هذا ، يمكن أن نخلص إلى أن مسألة وضع الخرطوم العاصمه ( بمدنها الثلاثه) ومستقبلها ، تظل من الهموم القومية الكبرى ، والتى تتجاوز الأفراد والأحزاب والموظفين التنفيذيين ، وتسمو إلى مرتبة المعاجة القومية الشامله . وعليه فإننى أدعو جميع المعنيين بالأمر، إلى التفكير الجاد فى تأسيس " هيئة فنية قوميه " من حوالى 50 خبيرآ وطنيآ ، ممن يشهد لهم فى عالم التخطيط العمرانى الحديث ، والبيئه، والسكان ، والصحه ، والنقل والمواصلات ، والفنون الجميله ، والصرف الصحى ، والطاقه ، والإتصالات الحديثه ...ألخ  ويتعين على هذه الهيئه الفنيه ، اكرر " الفنيه" دراسة وبحث مسألة تطوير وتحديث وصيانة العاصمه القوميه  حتى العام 2050 . وعلى هذه الهيئة الفنيه ، الإستعانه بالمنظمات الدولية ذات الصله ، بصفة إستشاريه ، مثل منظمات الأمم المتحده للمستوطنات البشريه، والسكان ، والبيئه ، والصحه وبرنامج الأمم المتحده الإنمائى ، وكذلك البنك الدولى. أما عن قرار تأسيس هذه الهيئه ، فيمكن أن يترك لرئيس الجمهوريه الذى ستأتى به الإنتخابات ، هذا العام  ، ليكون ذلك ضمن المسائل ذات الأولويه والتى تخضع لتشاور واسع يضمن للهيئة فى تكوينها الإبتعاد عن المجاملات الحزبيه الضيقه.

                     ذلك ما كان من هموم أطرحها حول وضع ومآلات عاصمة بلادنا ، والتى لا نريد لها أن تضيع فى زحمة الصراعات والمساجلات ... فهى أعز لدينا من كل ذلك وأكبر .. وأرجو ألا يكون نداؤنا هذا حرثآ فى البحر ! 

 

 

نقلآ عن صحيفة " الأحداُث " بتاريخ 9 فبراير 2010                     

Ahmed Gubartalla [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]