بينما كنت أتردد على أحد الأطباء للكشف الدورى  فى أستراليا خلال الأسبوع الماضى ، وهو رجل يتمتع بالمهنية العاليه وبشىء من روح الدعابه ، أفادنى- فى حديث عابر- أنه مقدم على الزواج فى الأشهر القليلة القادمه ، وانه وعروسه سيقضيان شهر العسل فى جزر المالديف ....وأسرع قائلآ فى نغمة مفعمة بالفكاهة "سنحظى بزيارة ذاك البلد قبل أن  تبتلعه مياه المحيط الهندى .." !!! وقد أثار ذلك التعليق الذكى فى ذهنى الكثير من التداعيات والصور، لأن الرجل لم يكن مداعبآ فقط ولكنه كان يعبر عن قضية كبرى تتعلق بمصير البشر جميعآ ، من جراء الحماقات التى ظل يرتكبها الإنسان خلال القرنين الماضيين ، مما أدى إلى ظاهرة الإنحباس الحرارى واختلال التوازن البيئى  . وترتب على ذلك  ثقب فى طبقة الأوزون  ومن ثم رفع درجات الحراره, والذوبان الملحوظ فى ثلوج القطبين الشمالى والجنوبى للكرة الأرضيه ، ثم الإرتفاع التدريجى لمستوى مياه المحيطات والبحار بما يهدد الكثير من الجزر الصغيره  بالغرق ، ومنها جزر المالديف فى المحيط الهندى . هذا علاوة على مشاكل أخرى تتعلق بالجفاف والتصحر والإستهلاك الطائش لمصادر المياه العذبه ، والقطع  الجائر للغابات وتلويث الأنهار ومجاريها بمخلفات الصناعه.

      

                    ويتفق العلماء حول العالم الآن ، أن  السلوك الإقتصادى البشرى خلال القرنين  الماضيين، كان منصبآ على تحقيق منجزات صناعية من أجل راحة الإنسان ، دونما الإلتفات إلى تبعات ذلك السلوك على البيئه وتوازناتها التى يقوم عليها نظام هذا الكون. وتتحمل الدول الصناعيه العبء الآكبر من مسئولية العبث بمقدرات التوازن البيئى هذه، بصورة  جعلت من الإنسان عبئآ على البيئه ، وهو- فى نظر البعض- ظل يتصرف وكأنه المخلوق الوحيد فى هذا الكون الواسع العريض. ومن هنا جاءت الصيحات المتواتره من جمعيات حماية البيئه فى كل أنحاء العالم ، وتصاعدت مطالبات فى منظمات دوليه ومدنيه من أجل إنقاذ الكرة الأرضيه من حماقات البشر قبل فوات الأوان.... وقد شكلت هذه الصيحات الكثير من صوت العقل والمسئوليه خلال الأربعين سنة الماضيه ، إلا أن  الدول الصناعيه ، المسئول الأول عن ظاهرة التلوث البيئى ‘ ظلت تتهرب وتتحايل على تلك المطالبات ، حتى لا ينكمش نشاطها الصناعى ويتأثر مستوى معيشة مواطنيها بصورة سلبيه ! وبرغم الضجيج الداوى الذى أحاط بمؤتمر القمه الخاص بالبيئه والذى إنعقد فى كوبنهاجن، عاصمة الدانمرك، فى الشهر الماضى، إلا أنه فشل فى إلزام الملوثين الكبار (الدول الصناعية الكبرى ) والملوثين الجدد( مثل الصين ) على الإلتزام الفورى بخفض مؤثر لآنبعاثات الغازات الصناعيه بصورة تؤدى إلى تحقيق الأهداف المرجوه من وراء ذلك المؤتمر . ولا شك أن الولايات المتحده تتحمل  العبء  الأكبر فى عرقلة إتفاق ذى معنى فى هذا الصدد.

                

                      ومن الملاحظ أن قمة كوبنهاجن هذه، كانت كغيرها من مؤتمرات الدبلوماسيه متعددة الأطراف التى تتصادم فيها مصالح الدول ، بوصفها ساحة أخرى من ساحات العراك الدبلوماسى الساخن بين ممثلى البلدان الصناعيه وأولئك الذين يمثلون البلدان الناميه ، ثم المارد المنطلق من القمقم ، أى الصين ، التى لم تعد بلدآ ناميآ بمقاييس ذلك المصطلح ، وهى لا تألو جهدآ فى أن تكون دولة صناعيه ودولة ناميه فى ذات الوقت !!

              

                ولعل حكاية جزر المالديف هى أكثر الحكايات من حيث الدراما البيئيه. فهى  مهددة بالغرق والإختفاء تمامآ من على وجه الأرض  ، باعتبارها أكثر البقاع  إنخفاضآ على ظهر الأرض  . وهناك بعض التقديرات بأن المياه ترتفع حولها فى المحيط  الهندى بمعدل 23 بوصه كل مائة عام ، وعليه فإنها ستختفى من على وجه الأرض ربما بعد مائتى عام ونيف!!! وتتكون هذه الجمهوريه من 1200 جزيره صغيره ، منها 200 جزيره مأهوله بالسكان الذين يبلغون فى مجموعهم 390 ألف نسمه ... ومساحتها الكليه لا تتجاوز 115 من الأميال المربعه. ومن الطرائف الملفته للنظر، أن رئيس جمهوريتها الحالى ، محمد ناشيد ، عقد اجتماعآ تحت الماء لمجلس وزرائه بكامل هيئته فى أكتوبر الماضى تناقلته سائر وكالات الأنباء بالصور المتلفزه . وقد أراد الرجل أن يقول للعالم أجمع، بان الإنبعاثات الصناعيه التى تسبب الإحتباس الحرارى ، ومن ثم إرتفاع مستوى مياه المحيطات  ليست أمرآ أكاديميآ ، ولكنها حقيقة قادمة لا مفر منها ، وستكون بلاده من أوائل الضحايا. ليس هذا فحسب ، بل تواترت أنباء تتحدث عن تفكير لدى حكومة جمهورية المالديف فى السعى للحصول على وطن بديل لبلادهم المهدده بالغرق ... وجرى حديث فى ذلك حول تفكيرهم فى أماكن مثل أستراليا أو الهند... برغم أن الكثيرين يستبعدون أن تتيح هذه الدول مثل هذه الفرصه!! وقد وصف رئيس جمهورية المالديف قلق بلاده ، منذ عامين ، عندما قال : " نحن لا نريد أن نهجر بلادنا ، غير أننا – فى نفس الوقت – لا نريد أن ينتهى بنا الأمر لنكون لاجئين لأسباب بيئيه.. "  .

 

         ولا بد أن يتوقف المرء عند فكرة أن يصبح الناس لاجئين " لأسباب بيئيه " هذه ... لأن المجتمع الدولى لم يلتفت حتى الآن لما قد تفرضه ظاهرة البيئه من لاجئين حقيقيين ، يستحيل عليهم البقاء أو العوده لبلادهم ، إن كانوا هجروها ، خاصة هذه الجزر الصغيره المهدده بالغرق فى المحيطات !! وينبغى ألا ينظر الإنسان لهذا الأمر باعتباره مسألة بعيدة ، ولا داعى للتفكير فيها الآن . ومن يدرى فقد يكون مثل هذا الأمر ضمن مهام المفوض السامى لشئون اللاجئين فى مطلع القرن التالى.. وليس ذلك بحساب حياة الأمم بالأمر البعيد!!

 

            إن الكثير من تصرفات الإنسان المعاصر تجاه البيئه المحيطه به ، تتسم بالكثير من اللامبالاه والإستهتار وقصر النظر. بل يمكن وصفها – فى الكثير من الأحيان – بالأنانية بوصفها خصمآ على حقوق الأجيال القادمه من بنى البشر . وللأسف الشديد، فإن أكثر الملوثين للبيئه ، فى عصرنا ، هم أقوانا إقتصاديآ وعسكريآ ، ولكنهم أضعفنا أخلاقيآ فيما يخص الحرص على توازن البيئه . فهم لا يكتفون  بعبثهم بحاضر البيئه ، ولكنهم أيضآ يمتلكون من القنابل الذريه مخزونآ يمكن أن يحطم الكرة الأرضيه آلاف المرات. وبرغم هذا، فلا يصح لأصوات العقل أن تخبو ، بل عليها أن تواصل الإرتفاع ، لأنها أصوات الأمل لإنقاذ العالم من حماقات  قد تكون وبالآ علينا جميعآ .

Ahmed Gubartalla [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]