بقلم: عمر خليل علي موسي / كاتب في الشئون العسكرية والأمنية /الدوحة

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

1 . تقديم . هذا المقال كُتب ونُشر قبل عامين تقريبا في ابريل 2014 عند الاعلان عن الحوار الوطني وهانذا اعيده  لاهمية قومية القوات المسلحة والشرطة والامن لعهد مقبل يفترض ان يكون قوميا وديمقراطيا ، عسي ان يكون بيننا من يحتكم للعقل والدستور والشعب لاخراج البلاد من وهدتها الي نور الحرية  والديمقراطية المحروسة من قبل هذه الاجهزة القومية الثلاث ....

*******


2  .  القوات المسلحة السودانية والأجهزة الامنية الاخري (الشرطة والأمن ) عانت علي مر عهودها منذ الاستقلال من عالم السياسة والسلطة  والاستقطاب والحزب الحاكم ، كما عانى منها بالمقابل عالم السياسة والسلطة خلال 3 حقب عسكرية (6+16+27) اعوام أي نحو 49عاما من عمر الاستقلال البالغ 60 عاما .  مما اثر سلبا علي الدولة وعلي أداء القوات المسلحة المهني  وأداء بقية الاجهزة الامنية ، فلم تنعم هذه القوات بالقومية الحقة والولاء الكامل للسودان الدولة حتي في فترات الديمقراطية علي قلتها (11 عاما لثلاثة فترات ديمقراطية) كان الحزب الذي يفوز بالانتخابات ويُكون الحكومة يسعى لكسب ولاء هذه الاجهزة والهيئات العسكرية بدءاً بتعيين وزير الدفاع من الحزب الفائز والذي يبدأ يتخلص من القادة والضباط(بحجة الصالح العام) الذين يُخشى منهم وإحلال البدائل من اهل الثقةوالحزب  ، علما بان القوات المسلحة والأجهزة الامنية  ينبغي ان تتسم بالقومية والولاء للوطن والشعب وتحرس الدستور القومي وما يفرزه من نُظم منتخبة ، فكان ان انجرفت القوات المسلحة نتيجة لهذه الإستقطابات الحزبية واستولت علي السلطة 3 مرات لتؤثر علي الحياة السياسية سلبا وتجلب انظمة سرعان ما يخلع قادتها الانقلابين بّذاتهم العسكرية صوريا ويبدلون جلودهم ويكونوا حزبا حاكما  تؤول له مقاليد الامور ويكوَن الحزب الحاكم  اجهزته الامنية الاخري من اهل الحزب  وتسلب وتكبت الحريات  بأنواعها ويتردى الوضع الاقتصادي ويعم الفساد والفقر وتشتعل اطراف البلاد حروبا وينتكس كل شيء داخليا وخارجيا  ، وتقصقص اجنحة القوات المسلحة وقدراتها عمدا وخوفا من اطاحتها بهذه الانظمة وتًقوي الاجهزة الاخري من شرطة وامن ومليشيات مسلحة علي حساب القوات المسلحة ، وما الاتحاد الاشتراكي السوداني والمؤتمر الوطني  إلا من شاكلة هذه الاحزاب الحاكمة التي جاءت  بقوة الانقلابات العسكرية .


3.    الآن وبعد التردي في معظم الاوضاع السياسية والعسكرية والامنية  والاقتصادية والاجتماعية ، البلاد مقبلة علي مؤتمر جامع يفترض أن يؤديالي فترة انتقالية  وحكومة قومية تهيئ  خلال الفترة الانتقالية لدستور السودان القومي ، ينبغي ان تشمل  قواتنا المسلحة والأجهزة الاخري هذه الصفة القومية من تكوين وتهيئة القوانين والواجبات والمهام  والقادة والمنتسبين خلال فترة الإنتقال ، والتي ينبغي أن تعقبها انتخابات حرة نزيهةتأتي بمن تأتي وفقا لديمقراطية الانتخاب ، لتجد الحكومة المنتخبة هذه الاجهزة جاهزة تحمي الديمقراطية والدستور وفقا لواجباتها التي يحددها الدستور القومي ، عليه لابد اولا ان تشكل من خلال الحوار الوطني لجنة قومية من العسكريين ذوي الخبرة ( قادة وأركان وقضاء عسكري وشرطيين وأمنيين واستراتيجيين ذوي علاقة بالقوات المسلحة والأجهزة الامنية الاخرى ) بالخدمة والمعاش من المستقلين تُعني بوضع نظم وقوانين لوضع معالجات عاجلة وناجزه لمعالجة ما آلت اليه القوات المسلحة والشرطة  والأمن  من حال خلال اكثر من ربع قرن من عمر الوطن كانت فيه هذه الاجهزة الثلاثة بعيدة كل البعد عن القومية  لتنتقل انتقالا سلسا ومعافى خلال الفترة الانتقالية من قوات وأجهزة موالية لحكومة وحزب ليصبح ولاءها قوميا بكل ما تعني هذه الكلمة من معانى سامية وواضحة لتصبح ذات ولاء فقط : لله وللوطن وللشعب فهؤلاء باقون ما بقيت الدولة ، اما الحكومات فتأتي وتذهب .


4.  قومية القوات المسلحة :  كما اسلفت يجب ان تكون قواتنا المسلحة بافرعها الاربعة قومية ومهنية وحرفية اسما وتكوينا ومهاما وسلوكا لصالح الوطن ، ولا علاقة لها بالسياسة ينبغي أن يُبعد منها خلال فترة الانتقال كافة المنضوين لها (حزبيا وجهويا وتمكينا ) خاصة علي مستوي قياداتها العليا من وزراء ورئيس للأركان وهيئة اركان مشتركة الى قادة الوحدات والفرق والألوية  وكذلك عمليات التجنيد في المدارس والمعاهد والقبول في الكليات العسكرية ، لا مجاملة في قومية القوات المسلحة بأي حال من الاحوال  ، توضع وتنقح لها القوانين العسكرية وتؤدي قسما يؤكد قوميتها ، وتحدد اللجنة العسكرية القومية المقترحة مهامها وبأنها وحدها (اي القوات المسلحة) هي المسئوله عن الدفاع عن الوطن بحدوده البرية والبحرية  وحماية اجواء السودان من اي اختراقات ويشرع في تقويتها ورفع كفاءتها العسكرية وروحها المعنوية وتحسين شروط الخدمة بها لتصبح جاذبة ويبذل النفيس والغالي لتكون جاهزة للذود عن الوطن ومقدراته ، وينبغي ان لا يُسمح بازدواجية الادوار الدفاعية ، خاصة اقحام  تلك المليشيات التي تربك عمل القوات المسلحة من دفاع شعبي وقوات دعم ولا  تداخل للشرطة و الامن في مهام القوات المسلحة القتالية في مناطق العمليات وغيرها ، ولا تُستوعب بالقوات المسلحة القومية اي قوات تتبع لأي جهة كانت تحمل السلاح في السابق ، لان  عمليات المستوعبين اثبتت كارثيتها منذ حرب الجنوب عندما تم استيعاب منضوي الحركة الشعبية وغيرهم  بالجيش السوداني في عهد مايو والإنقاذ ، خاصة اللذين استوعبوا (عن طريق مفوضية نزع السلاح وإعادة الدمج والتسريح  ) من منتسبي الحركات الموقعة  ، (كلما وقعت مجموعه تُضَم للقوات المسلحة  تحت مسمي اعادة الدمج )، هذا الضم والدمج يخل بالضبط والربط بالقوات المسلحة ويقلل من كفاءتها القتالية ويفت من عضدها ومن نسيج قوميتها وأثبتت التجارب أن ولاء هؤلاء المنضوين ينصب فقط للحركات والجهات التي كانوا يتبعون لها . وينبغي ان تكون مدارس ومعاهد القوات المسلحة البرية والجوية والبحرية وكلياتها العسكرية بأنواعها وكلية الاركان والأكاديمية العسكرية العليا والدورات الخارجية هي فقط روافدها الرئيسة بالخبرات والكفاءات من ضباط وإفراد ويتم بهذه المعاهد والكليات التأهيل والتدريب ورفع الكفاءة القتالية ولا غير ذلك .

5. قومية الشرطة : لا شك ان الشرطة ايضا أصابها ما اصاب القوات المسلحة من استقطاب وتمكين وعدم قومية ، وهو الشيء الذي يضع عبئا علي اللجنة  المشتركة المشار اليها اعلاه والتي تضم في تكوينها خبراء شرطيين وقانونيين لمعالجة امر الشرطة والاهتمام اولا بقوميتها ومهنيتها وتدريبها والحد من هذا الترهل في العدد الكبير لإداراتها الذي بلغ نحو 20ادارة  وأعدادا كثيرة جدا من الرتب العليا والرتب الوسطي  ، هذه الكثرة من ادارات وإفراد  جعلت للشرطة قوات في مناطق العمليات وهو عمل ليس من مهام الشرطة بأي حال من الاحوال فالشرطة في كل بلدان العالم تهتم بأمن المواطن ، حياته وممتلكاته واسرته الخ .. وتهتم الشرطة ايضا بالجانب القانوني والجنائي  بجانب الواجبات المعروفة من جمارك وجوازات وحياة برية وعمليات انقاذ الخ ( ينبغي ان نعلم بان القتال بمناطق العمليات / الحرب تحتاج لكفاءة قتالية ذات قيم وقدرات خاصة من دورات تدريب مكثفة  حتمية مثل : دورات  قادة فصايل وقادة سرايا وقادة كتائب وألوية وقادة واركان ثم اكاديمية الحرب العليا  فليس كل من حمل سلاحا ووضع صباعه علي الزناد محارباً فالحروب تعبئة واستراتيجية وفنون قتال لها مدارسها ومعاهدها وكلياتها ) ، اذن لا علاقة للشرطة بتأمين الحدود البرية والبحرية ، ولا ادري عن نشأة الشرطة الشعبية والمجتمعية والنظام العام فهي محمية بقوانين  افرزت كثير من المشكلات والحالات التي كانت مثار للجدل داخليا وخارجيا  فسلوكيات المواطن  من صميم حريته الشخصية التي تنتهي عندما تبدأ حرية الاخرين فان تعداها يأتي دور الشرطة كبقية دول العالم ومجتمعاته المنضبطة . كل هذه المسميات الكثيرة والترهل الاداري والوظيفي  ينبغي ان يكون موضع تقييم جديد وجاد من قبل اللجنة المقترحة والمنبثقة عن مخرجات الحوار الوطني يراعي فيه مصلحة المواطن  وقومية الشرطة وولاءها الذي يجب ان يكون للوطن وليس للحكومات وأن تؤدي قسما يؤكد قوميتها.
6. قومية جهاز الأمن : جهازالامن القومي كياناً هاماً للغاية لتامين الداخل والحياة الديمقراطية ضد كافة الاختراقات  وينبغي ان لا ينحاز لاي طرف بالدولة من احزاب او طوائف او حكومات تاتي وتذهب ، الا انه خلال فترات الحكومات العسكرية الثلاث التي مرت علي البلاد وخاصة حقبة مايو والإنقاذ ، التي أصبح فيهما جهاز الامن (تكوينا ومهاما ) يدين بالولاء المطلق للحكومة التي جاءت به ولسياسة الحزب الواحد الحاكم  ، وهو كالقوات المسلحة والشرطة ينبغي ان يخضع لمعالجات نفس اللجنة المقترحة التي تنظر في تهيئة هذه الاجهزة لتكون قومية خلال فترة الانتقال التي يفترض ان تعقب الحوار ، من حيث التكوين والتنظيم والمهام والواجبات والقوانين المنظمة لعمل الجهاز ، تؤدي الاجهزة الامنية قسما كالقوات المسلحة والشرطة بولائها لقومية الوطن ، وان لا يتداخل عمل جهاز الامن القومي مع مهام القوات المسلحة خاصة في مناطق العمليات ومع الشرطة في مهامها الشرطية والمجتمعية ، من هنا ينبغي ان يكون جهاز الامن مدنيا بحتا بكافة اداراته من امن داخلي وامن خارجي وغيره  يهتم بجمع المعلومات وتحليلها ولا علاقة له بالعسكرة (تنظيما وتكوينا ورتبا)  وتنحصر مهامه المتعلقة بأمن الدوله داخل حدود الدولة البرية والبحرية فسياسة الدولةيوجهها دستورها القومي ، وينبغي ان لا تتعارض مهام امن الدولة مع مهام هيئة الاستخبارات العسكرية وامن القوات المسلحة ، الاستخبارات العسكرية تهتم اولا بالمعلومات عن العدو الخارجي تسليحة وتكوينه وكفاءته العسكرية وتدريبه الخ .... وتتواجد ايضا في سفارات بلدانها في مهام تعني بجمع المعلومات العسكرية عن الدولة المضيفة وهي مهام دولية للملحقين العسكريين و تهتم الاستخبارات ايضا بأمن القوات المسلحة فيما يخص الانشطة الهدامة داخل المؤسسة العسكرية وكذلك مراقبة وتتبع اي تحركات ونوايا تعمل علي تقويض مكاسب الديمقراطية والسلطة المنتخبة والوضع الذي يأتي بارادة شعبية.  

 
7.  ختاما القوات المسلحة  والشرطة وامن الدولة  ينبغي ان ينصب اهتمامها الكلي  فقط بواجباتها ومهامها الدستورية التي حددها الدستور وتبتعد عن السياسة والحزبية والطائفية والتعصب وتبتعد وتمنع نفسها عن انشاء وإدارة الشركات الإقتصادية لصالحها او لصالح منتسبيها وتوفر احتياجات من خلال التعاونيات الخاصة بها ، وينبغي ان نعلم أن لا علاقة لهذه الاجهزة بالاقتصاد والمال ، ومن هنا ادعو الزملاء من العسكريينوالشرطيين والامنيين وغيرهم الادلاء بدلوهم وخبراتهم وعدم البخل بها لتأطير المبادئ وإنارة الطريق لبعث قومية هذه الجهات الثلاث من اجل قوات مسلحة وشرطة وأمن لتكون صمام الامان للوطن والمواطن في ظل مجتمع قومي  ونظام دستوري انتخابي معافى يأتي بوضع منتخب متراض عليه من الجميع لتبدأ البلاد نهضتها في أجواء من الحرية للجميع وولاء للوطن وحده لنلحق بركب العالم بإمكانياتنا وقدراتنا الوطنية ليعم الخير البلاد والعباد .


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.