عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

        الساحة السياسية السودانية حُبلي هذه الأيام بالكثير من المتغيرات السياسية التي أفرزتها المرحلة بما تشمل من إعداد للانتخابات وانعكاس ذلك على التركيبات الحزبية القديمة والحديثة والتجمعات الطائفية وغيره ، الملاحظ  أن فترة 20 عاما من الحكم الشمولي لم تستطع  أن تبعد الناس عن أحزابها وتجمعاتها وولاءاتها السياسية ، بل علي العكس الأحزاب الكبيرة ظلت كبيرة رغم الانقسامات والإنسلاخات التي طالت جميع الأحزاب والتي أفرزت أحزابا  صغيرة توصم من الكثيرين بأنها ذات مصالح وقتية لم يستطع قادتها البقاء بعيدا عن بريق السلطة والوزارات ومقاومة الإغراءات وأظن أن ذلك سيكون خصما على هذه الأحزاب في يوم الحساب في أبريل  2010 القادم وستزول هذه الاحزاب كالزبد فوق سطح بحر السياسة المتلاطمة أمواجه . إنها الديمقراطية وما علينا إلا الرضا. 

            الشئ المحير والمفزع أن يكون في الساحة الحزبية السودانية كل هذا الكم الهائل من الأحزاب السياسية التي فاق عددها الستون  حزبا بعضها بأسماء لم يسمع بها الشارع قبل الانتخابات المقبلة ولن يسمع بها بعدها ، أحزاب بلا طعم ولا لون ولا رائحة ، لا قواعد جماهيرية لها، عددها أكثر من النقابات المهنية ، لا ماضي  ولا حاضر والمستقبل في علم الله  ، إلا أن الواضح لا تأثير لهذه الأحزاب إن خاضت معركة الانتخابات منفردة أو تحالفت جميعها في حزب واحد . فهل يا ترى أن قادة هذه الأحزاب (التي خفت موازينها)  قد غاب عنهم أن الشعب السوداني شعب سياسي بطبعه  ( زِويق يعني)  ؟  يعرف أين مصالحه ويستطعم السياسة رغم ابتعاده 25 عاما عن ممارسة حقه الانتخابي ويعلم جيدا أن من كل هذه (الهَلُمة) من الأحزاب لا يوجد سوي 7- 8 أحزاب ذات وزن وقواعد جماهيرية ولها برامجها...! دولة كالهند تعد مثالا للديمقراطية عدد سكانها فاق المليار إلا أن عدد أحزابها لا يتعدي أصابع اليد الواحدة !

         هناك أسباب دعت أحزاب المعارضة للتوجه إلي جوبا غير أجندة المؤتمر الستة التي أعلن عنها، من أهم هذه الأسباب تعنت المؤتمر الوطني وتأخره في إجراء انفتاح ديمقراطي لهذه المرحلة التي تسبق الانتخابات  ، ويشمل ذلك كافة الاستحقاقات الديمقراطية وأهمها إطلاق الحريات الكاملة الغير منقوصة ومعالجة موضوع القوانين المختلف عليها ، في ما يخص الاستفتاء ، المنطق يقول طالما نحن جميعا ارتضينا هذا الحق للجنوب فلماذا لا نتركهم وحدهم يقررون ويختارون بين الوحدة أو الانفصال ؟ دون تأثير من احد بجعل هذا جاذبا أو ذاك منفرا ، نحن متحدون منذ الاستقلال فان لم تجعله فترة ستون عاما ماضية جاذبا فلن تجعله فترة عام متبقية جاذبا حتى موعد الاستفتاء ! إن ارتضينا بمنطق حرية الاختيار بين الوحدة أو الانفصال دون تأثير لرغبات وأشواق الشمال من البديهي أن نصف عدد الجنوبيين جميعا (في أي مكان بالعالم وليس الجنوب وحده  +1% أي 51%) هو الفيصل والمرجح  سوي مع أو ضد الاستفتاء فإن خفنا تزويرا في الشمال أو الخارج فلتقم به الأمم المتحدة في الشمال والخارج أو حتى بالجنوب. أيضا الحركة الشعبية لديها سبب قوي آخر لعقد مؤتمر جوبا بجانب موضوع الاستفتاء فهي تري أن التهديد بمقاطعة الانتخابات خيارا مطروحا في حالة عدم استجابة المؤتمر لموضوع الاستفتاء  والمطالب الاخري، فهي أي الحركة ستستقوي بأحزاب المعارضة الكبرى في مقاطعة الانتخابات وفي المقابل ستؤيد الحركة كافة مطالبات الأحزاب المعارضة الخاصة بالاستحقاق الديمقراطي قبل الانتخابات وتقف معها وكل ذلك في الديمقراطية حقوقا مشروعة ولا ضير منها .

     الشئ المستغرب له كل هذه الضجة الإعلامية الحكومية (باستخدام جهاز يفترض أن يكون قوميا محايدا وهو تلفزيون جمهورية السودان) للتقليل من أهمية مؤتمر جوبا بل إن الاهتمام بهذه الجزئية من أحزاب الوحدة الوطنية اظهر (جقلبتها الغير مستحبة) وكثرة البتابت عيب ، واستغرب لتصريح د.( رياك قاي) المستنكر لسعي المعارضة للسلطة وان هناك تحالف مقدس بين الحركة الشعبية والأحزاب الطائفية كما قال..! شئ غريب.!  وماذا في ذلك إن سعت المعارضة نحو السلطة وهذا حق شرعي وهدف أساسي ومشروع ..! وهل السلطة حق وحكر  خاص بدكتور  قاي وحزبه..؟ وما الضير إن تحالفت الحركة مع من ترغب وهي شريكه للمؤتمر في مرحلة تنتهي بابريل.. وتسعي لمرحلة جديدة ولها كامل الحق أن تتحالف أو لاتتحالف ...وهل التطبيل لموقف الحزب الاتحادي بزعامة الميرغني من قبل أحزاب الوحدة الوطنية يمكن أن يعتبر تحالف مع الطائفية ؟ أكيد لا ...إذن لم كل هذه الضجة والزعيق ..مالكم كيف تحكمون ؟ عموما مؤتمر جوبا شئنا أم أبينا يضم اكبر الأحزاب السودانية ذات الوزن والثقل الجماهيري والماضي العريق  وهي حزب الأمة القومي والمؤتمر الشعبي والحزب الشيوعي والحركة الشعبية وحزب الأمة بزعامة مبارك وحزب البعث وهناك أحزاب ذات وزن كبير في مناطقها كجبهة الشرق وحركة مناوي وغيرها ،إذن هذا الثقل الحزبي الكبير يستطيع أن يخطط ويتدارس ويتحاور في كافة مشاكل السودان جميعها بدءا من مشكلة دارفور والحكم في المرحلة القادمة والانتخابات واستحقاقاتها والاستفتاء والوحدة وغيرها من هموم الوطن ... وقد تتشكل في المرحلة المقبلة تكتلات حزبية وتحالفات هنا وهناك حسب مصالح هذه الأحزاب ونظرتها وتقييمها للأمور،أي ترتيبات جديدة (بِلية حسب لغة لعب الورق)، وهو حق مشروع ومتاح وديمقراطي طالما ارتضينا بالديمقراطية وسيلة للحكم .

       يتوقع أن تصدر بعد مؤتمر جوبا  قرارات وتوصيات وحلول يتمني الجميع أن تقابل  بروح من الوفاق والتحاور من قبل الحزبين الكبيرين الآخرين الاتحادي الديمقراطي والمؤتمر الوطني  - وان لم يحضرا الاجتماع رغم تقديم الدعوة لهما من الحركة الشعبية- راجين أن تعلو مصلحة الوطن ومصلحة هذا الشعب فوق الجميع وفوق المكايدات الحزبية ، هذا الشعب الذي عاني ولا زال يعاني ..فهل آن له يرتاح وان يوفر له كبقية خلق الله العيش الكريم  ؟ نأمل ذلك .