بسم الله الرحمن الرحيم

قومية القوات المسلحة ... و  عودة

هجليج  للوطن ... والأغلبية الصامتة


عمر خليل علي موسي- كاتب في الشئون العسكرية والأمنية

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


1.    احتلال هجليج رغم سودانيتها  كمواطن سوداني محب لوطنه وكأحد افراد  القوات المسلحة السودانية  القدامى ، ساءني احتلال منطقة هجليج السودانية وسقوطها في ايدي قوات دولة جنوب السودان  يوم الثلاثاء 10/أبريل/2012 ، وهي  منطقة بترولية تتبع للشمال و لا تدخل ضمن المناطق الاربع المتنازع عليها بين السودان الشمالي والسودان الجنوبي  في منطقة الحدود الفاصلة بين الدولتين  جنوب ولاية كردفان .  كان هذا الاحتلال مغامرة جنوبية غريبة  في العرف العسكري والسياسي اختلف المحللون في اسبابه الفعلية . مهما كانت الاسباب فهو عمل مستهجن من دولة وليده ينقصها الكثير وهي تتحاور مع الشمال في قضايا النفط والحدود ، فإذا تعدت دولة الجنوب واحتلت  منطقة مثل ابيي  كان الامر اهون ولا يستبعد وقد يجد له البعض المبررات نسبة للتنازع حول المنطقة ،  إلا ان مهاجمة واحتلال منطقة لا تدخل ضمن مناطق النزاع له فهو أمر آخر .  للتوضيح : في  الخارطة اعلاه  يبدو خط  حدود 1956 الفاصل بين الدولتين باللون الاصفر والخط الاحمر هو الخط الذي يفصل منطقة ابيي عن هجليج ، اذن المستطيل الواضح بضلعين باللون الاصفر وضلع احمر ومفتوح من الشمال هي منطقة هجليج وهي بعرض نحو 35 كلم من الشمال للجنوب وطول 60 كلم من الشرق للغرب ويظهر المطار والبلدة  والطريق الي ربكونا وبانتيو في اقصي الركن الجنوب الشرقي .
2.     هل من خلل في قواتنا المسلحة ؟ ما دعاني لكتابة هذا الموضوع هو أني سبق أن  كتبت موضوعا في الصحف الورقية ومن خلال عدد من المواقع الإلكترونية الاخري قبل انفصال الجنوب في نوفمبر/2010 كان  بعنوان (رؤى حول إستراتيجية دفاعية في حالة ولادة دولة جديدة  بالجنوب / انظر الرابط)  من خلال هذه الرؤى تنبأت محذرا بما يحدث الآن في جنوب ولاية كردفان والمناطق الحدودية الجديدة في هجليج ومناطق النفط الحدودية السودانية الأخرى ، وطالبت بأهمية تبني استراتيجية دفاعية تؤمن هذه الحدود التي بطول 1950 كلم تقريبا ، تأمينا شاملا وقويا بالاعتماد علي القوات المسلحة لمهنيتها وحرفيتها وتجاربها السابقة وخبرتها في حروب الجنوب وفوق هذا وذلك لقوميتها التي يفترض ان تكون ، ان اجتياح الجنوب لهذه المنطقة الاستراتيجية الهامه في ساعات قليله وإخراج قواتنا خارجها ومن قبل وصول قوات العدل والمساواة قبل اعوام قليلة الي تخوم امدرمان ، يضع علامة استفهام ويوضح جليا ان هناك خللا ما تعاني منه قواتنا المسلحة العريقة يتمحور حول العمل الاستخباري / الاستطلاع (في حالة معركة امدرمان ) ، أما في حالة هجليج والتعديات الجنوبية الاخيرة هنا وهناك فاهم المعضلات التي تواجه وستواجه قواتنا هي اعادة الانتشار والتمركز في منطقة حدودية طويلة تتعدد فيها بؤر الاضطرابات ، فمنطقة هجليج لم تك مؤمنة بقوة دفاع كافية رغم اهميتها الاستراتيجية (لعدم توقع مهاجمتها)  ‘ ويفترض ان تلتقط استخباراتنا مثل هذه المؤشرات والنوايا خاصة بعد توقف تصدير نفط الجنوب عبر الشمال وان الجنوب قد يسعى لوقف استفادة الشمال من نفطه بالمقابل ومن ثم دعم دفاعات هجليج ومثيلاتها من المناطق النفطية .  عموما دون الدخول في تفاصيل قواتنا المسلحة فإنها  في حاجة للتأهيل ورفع الكفاءة القتالية بما يتناسب والحروب الخارجية ضد تهديد جديد قد يتسلح بأحدث الاسلحة الامريكية والإسرائيلية ، مع اهمية رفع الروح المعنوية لمنتسبيها ومدها عاجلا بالأسلحة الحديثة المتطورة التي تتناسب والتهديد الجديد والخطير .  يجب أن ندرك (عسكريا وتنظيميا ولوجستيا) أن عهد السلاح الشخصي لجندي المشاة ( البندقية ج/3 والكلاشنكوف ) قد ولي وانتهي بنهاية ثمانينيات  القرن الماضي . ظهرت اسلحة شخصية حديثة لجندي المشاة غربية المنشأ وشرقية فائقة الدقة في التصويب وإزداد مداها وقلت اعطالها وخف وزنها ، وتطور لبس الميدان والعمليات القتالية الحديثة كثيرا فهو لبس يختلف كثيرا عما يرتديه ابناؤنا بالقوات المسلحة ، عموما يجب ان ندرك أن الحرب اصبحت حديثة ان لم تدار من الفضاء ، تدار من غرف القيادة والسيطرة المتطورة والمجهزة تقنيا  بأحدث سبل السيطرة والتوجيه وإدارة العمليات البرية والجوية والبحرية في آن واحد ، وأن حرب المدرعات الحديثة والصواريخ ارض/ارض والطائرات العمودية المسلحة والطيران والحرب البحرية تتطلب أن نحصل علي احدث ما تنتجه ترسانات العالم من اسلحة ومعدات .  فأين نحن من كل ذلك ؟ نعم أن كل ذلك باهظ الثمن ومكلف لكنه لا يقارن بأمن واستقرار وقوة الوطن  ، يشطح ويخطئ  بعض كتابنا ومحللونا في تحميل وزر الإخفاقات العسكرية الأخيرة لقواتنا المسلحة ! فهل سأل هؤلاء انفسهم هل وفرت الدولة هذه المتطلبات الحيوية لقواتنا المسلحة  لحماية عرين الوطن ؟. خلاصة القول أنه لا خلل في قواتنا المسلحة.....بل الخلل في مخططينا وفي تعاطيهم مع اولويات  الدولة ومتطلباتنا الاستراتيجية....!
3.    حتمية قومية القوات المسلحة . هناك مسألة أخري هامة وهي يجب أن نؤمن علي أن  شأن الدفاع عن الدولة هو من صميم عمل وواجب القوات المسلحة وحدها لمهنيتها وتخصصها وقدراتها ,أن بقية القوات من مجندين ودفاع شعبي ومجاهدين وقوات شبه عسكرية لا يمكن ان تعمل عمل القوات المسلحة المهني والمعروف خاصة القتال والمعارك البرية المفتوحة ضد جيوش نظامية معادية ولا يمكن ان تحل محلها في ذلك  ، فهي يجب أن نبقي سندا للقوات المسلحة في تامين الجبهة الداخلية والمواقع الاستراتيجية الداخلية وعمليات الامن الداخلي ولتغطية ظهر القوات المسلحة عندما تكون مشغولة بمعارك برية / جوية /بحرية حقيقية . ان اهمال القوات المسلحة لصالح اي قوات شبه عسكريه اخري لاي سبب من الاسباب ليس في صالح أمن وسلامة الوطن من الناحية  التعبوية  والاستراتيجية ، وبديهي مثل هذا التداخل في الاختصاصات والمسئوليات يشتت الجهود ويهبط الروح المعنوية ويضعف القوات المسلحة التي يفترض فيها القومية البحته خاصة عند تعيين كوادرها من هيئات القيادة والضباط والرتب الأخرى ، فالحكومات تأتي وتذهب وتبقي القوات المِسلحة ،  التي يجب أن لا تتأثر بذهاب وضع سياسي معين او تَسيُد وضع آخر ، فهي وحدها صمام الامان للوطن ، من المهم أن لا تتبع عقائديا او فكريا او تنظيميا لحكومة ما ، او حزب ما ، بل يُنأى بها عن الانحياز لحزب وعن الصراعات الحزبية لأنها فقط لحماية الوطن وليس الأنظمة ، فالوطن للجميع والأنظمة لأتباعها فقط ، . إن تداخل الواجبات العسكرية في المعارك والدفع بقطاعات شبه عسكرية دون خبرة قتالية عالية وحقيقية  في معارك برية ضد عدو نظامي ، يربك عمل القوات المسلحة ويخل بضبطها وربطها وبمنظومة القيادة والسيطرة . الحرب البرية احتراف بحت وليست مجرد بندقية وضغط علي زناد ، فهي علم يعتمد علي التعبئة والخبرة وأوجه الحرب التي تدرس لسنوات وتأهيل مستمر للضابط والجندي ، وخبرات تراكمية وعمليات مدروسة وإستراتيجيات عسكرية ، ولا يتحقق ذلك في ايام او شهور بل هو نتاج سنين من الخبرة العملية والتعبوية والدورات لكوادر القوات المسلحة والتدريب المستمر (بدءا من طابور الجماعة الي دورات قادة الفصائل وقادة السرايا ومن ثم قادة الكتائب وقادة الالوية) والدراسات التخصصية الاساسية والمتقدمة والعليا من قادة وأركان ودورات حرب ومن ثم التمارين المشتركة والمناورات العسكرية بالفرق والفيالق .
4.    الخرطوم ومواقع اخري والتهديد الماثل . ان دولة الجنوب الوليده وجدت ضالتها في من يمدها بالأنواع المتقدمة من الاسلحة والعتاد العسكري ويؤهل قواتها المسلحة وذلك  من أصدقاءها الجدد (اسرائيل والولايات المتحدة ) وأنها خلال فتره وجيزة ستفاجئنا بما ملكت وبما ستملك من عتاد قد يدمر المنشآت ويسقط الطائرات ويحتل المدن الحدودية ويهدد المشاريع التي أصبحت علي مرمي حجر من الحدود الجديدة مثل خزاني الروصيرص وسنار ، وسكر كنانة والنيل الابيض ، بل ان العاصمة الخرطوم  ليست بمنأى عن التهديد ، إذ  تبعد عن بروز (جيب) أعالي النيل الخطير نحو (390 كلم فقط ) !  ( كما مذكور في الدراسة المشار اليها اعلاه وهي في هذا الرابط http://www.sudanile.com/2008-05-19-17-39-36/206-2009-03-21-19-00-02/20638-2010-11-02-18-45-        54.html)
علما بان هذا الجيب يدخل عميقا نحو ( 270 كلم) داخل احشاء الوطن قياسا ببقية خط الحدود الذي يفصل بين السودان ودولة جنوب السودان ، ليضع الخرطوم حاليا  تحت رحمة مديات أي صواريخ جوالة قد يمتلكها  الجنوب  او صواريخ بالستية قصيرة أو متوسطة المدي او حتي لطيرانه القاذف المستقبلي ، وبالتالي مدن مثل سنار والروصيرص وكوستي ومدني في مدي أخطر(اقل من 390 كلم )  الشئ الذي يستوجب سرعة وضرورة الاستعداد لمجابهة مثل هذا التهديد الصاروخي الخطير  .
5 . الأغلبية الصامتة عبًرت عن قومية قواتها المسلحة ووطنها . رغم الأزمات التي تعصف بالأمة من غلاء طاحن وحروب هنا وهناك في جنوب النيل الازرق وكردفان ودارفور ، ورغم الاحباط الذي اصاب الجميع في مقتل باحتلال هجليج بسهولة ويسر ورغم ما لازم احتلال هجليج من غضب وحزن دفين إلا أن خروج الجماهير عصر ومساء يوم الجمعة 20/ابريل كان سببه  قومية القوات المسلحة ولصالحها ، وبديهي ان معظم الذين خرجوا عفويا كانوا من  الأغلبية الصامتة لاينتمون لهذا الحزب او ذاك مهما حاول البعض تصوير غير ذلك  ، فنهم ينتمون للوطن السودان ويقفون خلف قواتهم المسلحة رغم الضيق والإحن والمحن ، هذا الخروج الجماهيري الكبير يحسب لصالح قواتنا المسلحة وقوميتها ووطنيتها ، ويجب ان لا يدعي حزب او جماعة او طائفة بان من خرجوا هم جماهيره او اتباعه ، فالخروج قوميا عفويا أسعد الجميع وأكد ان الامة بخير وأنها لن تسكت إن استفزت في وطنها وقواتها المسلحة وقوميتها ومقدراتها ،  ما حدث يوم جمعة هجليج  يجب ان يؤكد ضرورة ان تعود قواتنا المسلحة قوية كما كانت قبل عهود وان يبذل الغالي والنفيس من اجل اعادة تأهيلها ، وان يُشدِد قادتها وأبناءها علي حياديتها وقوميتها والابتعاد بها عن صراعات الاحزاب والسياسة ، وان يعلن عن هذه القومية ويُؤكَد عليها من قبل قادتها والقيادة السياسية مكافأة للطيبين الذين عبروا وانتفضوا عفويا بحبها. 
6 . ختاما علي الدولة أن تسعي لفك ضائقة هؤلاء البسطاء محبي الوطن وقواته المسلحة من الاغلبية الصامتة الذين افرحتهم وأثلجت صدورهم انتصارات قواتهم وذلك بتسهيل سبل المعيشة والحياة لهم ومحاربة آفة الفساد والمفسدين ثم بسط كامل الحريات  لهذا الشعب التواق للحرية والقومية التي يعشقها  في كل شي : قومية السلطة و قومية الثروة و قومية القوات المسلحة والأجهزة النظامية الأخرى ، وقومية الإعلام وتداول كراسي السلطة بنزاهة وشفافية وسلم فالأحزاب والجماعات تبقي فقط  لمنتسبيها وتذهب إن عاجلا او آجلا ، اما الوطن فباق للجميع وكذلك قواته المسلحة .

\\\\\\\\\\\\\\\\\