لماذا لا يستفتي الشمال والجنوب معا في تقرير مصير الوطن ..؟

 

بقلم : عمر خليل علي     / كاتب ومحلل

 

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

  

       الناظر لخارطة السودان هذا الوطن القارة الذي تبلغ مساحته مليون ميل مربع يجد انه تكون بوضعه الجغرافي الحالي  منذ  1905 وفق تحديد وإرادة المستعمر ( التركي البريطاني/المصري) وثُبت الوضع الحالي كنتيجة لاتفاقية (سايس - بيكو) 1916 التي قسمت دول الشرق الاوسط المُستعمَرة بين بريطانيا وفرنسا وفق الرسم الجغرافي الذي نراه اليوم والذي استمر ولا يزال لعدة عقود، ثم توالت علي السودان  منذ الحكم الإنجليزي المصري ، العديد من الحكومات بدأ بحكومات ما بعد الاستقلال المتعددة، والتي ارتضت جميعها بهذه الخارطة الجغرافية السياسية رغم التباين القبلي والإثني والديني والثقافي  واللغوي والاجتماعي والاقتصادي بين أقاليم جمهورية السودان خاصة الشماليه والجنوبيه  ، وحتي اقاليم السودان الشمالية (والتي تشمل اقاليم الشمال والغرب والشرق) لم تسلم من بعض هذا التباين والذي ادي حديثا بعد اتفاقية نيفاشا الي ظهور حالات من  المطالب والنعرات الإنفصالية خاصة في الغرب والشرق.

 

          ما دعاني لهذه المقدمة (الجيوبوليتكية)..هو تاثير السياسة علي هذا التكوين الجغرافي فهي التي حددت مديرياته التسع في بداية التكوين(ستة مديريات شمالية وثلاث جنوبية) وهي التي حددت من يكون هنا ومن يكون هناك..ورغم المحافظة علي الاطار الخارجي الجامع (الحدود الدولية) مع الدول المجاورة ، الا ان الحكومات المتعاقبة عملت علي تقسيم الداخل الي اقاليم  ومن ثم الي ولايات وصل عددها الي   26 ولاية  بحجة اللامركزية وتقصير الظل الاداري  والتنمية الي آخرالمبررات،ومنذ الخمسينات كان للسياسة دورها البارز في اذكاء نارالصراع التي ظهر (دخانها ) في الخمسينات من القرن الماضي بين الجنوب ممثلا في حركة التمرد الاول وتحول الي ِِصدام مع الشمال ممثلا في حكوماته المتعاقبة...ثم اعقب ذلك التمرد الثاني في حقبة مايو والذي كان نتيجة لتقسيم مديريات الجنوب الثلاث الي عدة اقاليم...هذا التمرد الذي ادي الي حروب وشقاق بين الشمال والجنوب  لم تتوقف الا باتفاقية  نيفاشا 2003  المعروفة (بين حكومة الانقاذ والحركة الشعبية) والتي اعطت الجنوب حق تقرير المصير في عام 2011 والذي سيختار بين امرين إما استمرار الوحدة الحالية مع الشمال وإما انفصال وتكوين دولة الجنوب وفقا للاتفاقية...

 

       اتفاقية نيفاشا اعطت حق الاستفتاء للجنوبيين فقط ..رغم ان الامر شامل يخص سكان كل الدولة الحالية والتي تسمي جمهورية السودان ...ومن المعروف دوليا ان حق تقرير المصير يعطي للاقليات التي جعلها وضعها الجغرافي تتبع لاكثرية اخري (تعاني من غبن سياسي اجتماعي الخ..)  ، لكن هذه التبعية لدولة الاكثرية تكون في شكل اقليم ذو حكم ذاتي او منطقة ادارية ذات خصوصية الخ... كاقليم (فويفودنا) ذو الاقلية المجرية والذي وجد نفسة ضمن حدود جمهورية  يوغسلافيا ويتبع لصربيا  وكان يتمتع بالحكم الذاتي... وكذلك اقليم (كوسوفو) ذو الاقلية الالبانية..والذي ُضم ليوغسلافيا السابقة كاقليم حكم ذاتي ويتبع صربيا حاليا واعلن الانفصال من طرف واحد...وهناك العديد من الامثلة كمطالبة الاكراد بالانفصال عن الدول التي وجدوا انفسهم بها كاقليات نتيجة لاتفاقية (سايس – بيكو) في كل من العراق وتركيا وسوريا وايران ويطالبون بتكوين وطن لهم منفصلا ...ولا اود الاستفاضة في ذلك وامثلة الحكم الذاتي لاقاليم من هذا القبيل كثيرة في آسيا الوسطي وغيرها... قياسا لذلك لم يكن جنوب السودان اقليما ذو حكم ذاتي الا لفترات قليلة خلال حكم مايو وكان طيلة هذه الفتره ومنذ الحكم الثنائي مكملا(بولاياته) لشمال السودان جزءأً من جمهورية السودان الموحدة بل انتشر ابناءه بسبب الحروب او التجارة او التعليم الخ في جميع اقاليم السودان واستقروا فيه وبلغ عددهم الملايين...واعني بذلك ان صفة الاقليم القائم بذاته والمتمتع بحكم ذاتي انتفت عن الجنوب وهو يحكم كبقية اقاليم السودان.. لكل ولاية والي ونائبه ووزراءه ومعتمدين ومحافظين الخ ...

        من هذا المنطلق نخلص الي ان ولايات الجنوب لا تمثل اقليما ذاتيا ذو خصوصية مثلها في ذلك مثل اقاليم الغرب والشرق والتي قد يكون لها نوابا لرئيس الجمهورية كالجنوب ، اذن  ما يحق لجنوب السودان يحق ايضا لشماله...خاصة في شأن مصيري استفتائي  كبير كهذا يخص كل الوطن..ويتطلب من كل بنيه شماليين وجنوبيين ان يقرروا فيه هل يستمر هذا الوطن موحدا ام ينفصل الي دولتين شمالية وجنوبية ؟      قبل الاسترسال في ما يحق او لا يحق علينا ان ننظر بعين الاعتبار الي من يقرر هذا الامر الجلل الذى يوحد او يجزئ الوطن ..هل حكومة الانقاذ او حزب المؤتمر وحده مخول لتقرير ذلك ؟ وهو اتي للسلطة عن طريق القوة ولا يمثل الشمال كله وهناك اختلاف بينه واحزاب الشمال الكبري وطوائفه حول نيفاشا والانتخابات الخ .. وهل الحركة الشعبية التي اتي بها المؤتمر الوطني لحكم الجنوب( عبر نيفاشا) وكانت تحمل  السلاح و تحاربه..  هل تمثل كل الجنوب باعراقه واحزابه ويحق لها ان تقررمصير الجنوب..؟..الاجابة علي هذا التساؤل الكبير غير مطلوبة الآن  لان شريكي نيفاشا قد قررا ورتبا ذلك الاستفتاء بعد الإنتخابات !!! ألم يكن منطقيا وأجدي أن يترك أمر هذا الاستفتاء (ان كان لا بد منه) للحكومة المنتخبة التي ستجئ بها انتخابات 2010...والتي هي حسب المعطيات الحالية وحدها التي يحق لها ان تقرر في شان كهذا ، لا ان تاتي هذه الحكومة المنتخبة ديمقراطيا لتجد نفسها مكبلة بقرارات الشريكين الحركة والانقاذ ...واهما اجراء الاستفتاء الخاص بالجنوب....وحتي ان صدر هذا القرار عن حكومة قوميه تسبق الإنتخابات لكان ذلك مقبولا لانه يمثل راي جماعي لكل احزاب الساحة السياسية وبالتالي هو راي الاغلبية فلا ضير....

 

 

      من هنا ان هذا الاستفتاءالذي  سيفرز وطنا موحدا او مجزءا  هو امر كبير وخطير وتـاريخي لانه سيقرر في مصير وتاريخ وطن باكمله وليس الجنوب وحده ، لذا من الاهمية ومن المنطق أن يعني امر الاستفتاء كافة ابناء الشعب السوداني شماليين وجنوبيين ..( من البديهي وصحيا ان تختلف الآراء حول الوحدة والانفصال كأن  يري كثير من الشماليين في الإنفصال حسنات وحلا لعقود من عدم الاستقرار والحروب..أوأن يري آخرون في الوحدة قوة وصلابة ومنعة للسودان.. وكذلك الاخوة بالجنوب لهم كل الحق ان يروا ما يشاءون ،  ضد او مع)..

      إن توحد او تجزؤ الوطن لا يهم الشريكين وحدهما بل يهم أيضا الغالبية السكانية في الشمال باحزابها المختلفة ولها ان تقرر في هذا الأمر اولا يكون الاستفتاء او لا يكون (واضعين في الإعتبار ان طرح استفتاءات كهذه قد يغري جماعات اخري في الشرق والغرب بالمطالبة بنفس الشئ .. وبعدها نتباكي علي وطن كان ) ...فان كان لابد من الاستفتاء فليقل الجميع       ( شماليين وجنوبيين) كلمتهم..إن ذلك أجدي من  فرض الامر بهذه الطريقة الإقصائية للآخرين منذ نيفاشا 2003...؟  والأهم من كل ذلك  لماذا تُكَبل الحكومة القادمة بعد 2010 بمقررات نيفاشا وهي ليست طرفا فيها ... ؟

         واخيرا سؤال لأحزابنا الكبري في السا حة السياسية  لماذا غضت الطرف عن هذا الامرمنذ 2003..؟ اهو اللهث خلف السلطة وحده  الذي يهمها ، وان كان الامر  مصير وطن يتوحد او يتجزأ او يتلاشى... ام هو وهن وضعف وخروج مبكر من حلبة الصراع  ؟ يبدو ان الامر سيان لقادة هذه الاحزاب ..!  التي يجب ان تعلم بأن التأريخ لا يرحم..!