كانت العرب تقول إنّ الرثاء أصدق الكلام ؛ لأنّ رهبة الموت ترقّق القلوب ، وتزيل عنها الرّان ، وربما نبشت في أضابيرها ، فأخرجت منها قبساً من نور الإيمان المركوز في قاعها ، ولكن مرثيّة التحالف الديمقراطي في أمريكا للشاعر محجوب شريف كذّبت ذلك كلّه وسفّهته ، فما رأيت مرثية من قبل ــ منظومة كانت أم منثورة ـــ خلت من لفظ الجلالة ( الله ) ، أو العبارات المستخدمة في الترحم على الميّت نحو " رحمه الله " و" إنّا لله وإنّا إليه لراجعون " إلّا هذة المرثيّة المنكودة ، رغم أنّ هذه العبارات ما عادت تحمل الشحنة الإيمانية  التي وضعت لها ، وإنّما هي قوالب لفظيّة تقال في مناسبات ومواقف وسياقات اجتماعيّة معيّنة ، ولكن شيوعيّة القوم أبت عليهم  حتّى هذه القوالب الثقافيّة إمعاناً في إقصاء الدّين ، ولو كان شكلاً ، عن الحياة بل والممات ! ومن لم يرق قلبه ويذعن ، في مثل هذه اللحظات فهو فيما سواها  أغلظ وأطغى .
وما رأيت مرثية أصرّ كاتبها على إبراز الانتماء الفكري والسياسي للراحل إلّا هذه المرثيّة المنزوعة البركة ، فهي بيان شيوعي جاف ، أرقّ كلمة فيه كلمة " نورانيّة " التي أعقبتها عبارة " الإنسان الثوري الرفيع " فذهبت بنورها .
ولعل أقرب العبارات إلى روح الدّين في هذه المرثية المظلمة عبارة " الكنف الموطأ " وكلمة " البرزخ " ولا أدري كيف تسرّبت هذه العبارة النبويّة إلى كاتب هذه المرثية فلم يلق لها بالاً ، ولو انتبه لمحاها ؛ لأنّها من معجم الطفيليّة البرجوازيّة .
كذلك كلمة " البرزخ  "تعدّ من المصطلحات الإسلاميّة ، فالحياة البرزخيّة حياة الأموات قبل البعث ،  فلينتبه الرّفاق فإنّ عرق الثقافة الإسلاميّة التي أدبروا عنها دسّاس .
إذا نظرنا إلى مرثية التحالف من وجه آخر ، فهي كلمة صادقة ، مبرأة من النفاق ، تعبّر تماماً عن دخيلة كاتبيها ؛ لأنها أبانت موقف الشيوعيين من الدّين والغيبيّات ــ وإن كان واضحاً لا يخفى إلا على غافل ــ فقد كانوا ، ولا تزال عصبتهم في السودان ، ينكرون هذا الموقف السلبي  من الأديان، ويروّجون وسط العامة أنّ فكرتهم اقتصاديّة تسعى إلى رفاه المجتمع ، ولا علاقة لها بإنكار الألوهية ، ولكن الطقس البارد ، والعيش الرغيد ، والبعد عن ضغوط المجتمع ، في بلاد الغربة ، جرّأهم ، وكشف غطاءهم ، وأبان حقيقة أمرهم .
قال أصحاب المرثية : "ولو ان الشيوعية في طورها النهائي كما وصفتها الاشتراكية العلمية، هي انتقال الإنسان الجديد من ملكوت الحوجة و الضرورة و التشوهات و الزيف و الخوف الي ملكوت " الحرية " .. فان محجوب شريف يكاد يكون قد حقق الشيوعية و جسدها عبر حياته العامرة بالنبل و الاستقامة و الوعي الإنساني العميق "
أيّ شيوعيّة هذي التي يمكن للفرد أن يحققها في نفسه ؟ أصارت حالة صوفيّة يتدرج فيها الفرد في مدارج الكمال حتى يصل إلى حيث لا حيث ؟! أم هي حركة مجتمعيّة ؟يبدو أنّ طول المكث مع الإخوة الجمهوريين في خندق المعارضة قد أثّر فيهم ، ووجد جراباً روحياً فارغاً فملأه أو ( ناصصه )
متى تنتقل الشيوعيّة إلى ملكوت الحريّة ؟! لقد ظلت تحكم الاتحاد السوفيتي ، ودول أوروبا الشرقيّة قرابة القرن ، فلا أعلم أحداً ، شيوعياً كان أم لم يكن ، قال إنها اقتربت من ملكوت الحرية ، دعك عنى تحقيقها ، بل إنّ هذه البلاد شهدت أسوأ أنواع الدكتاتوريّات ، وأشنع ضروب الامتهان للكرامة الإنسانيّة .
قالوا : "   و مع ذلك فان محجوب كحالة واقعية بعيدة عن الأسطورة، هو نتاج بسيط و سهل لأفضل ما افرزه الوعي الانساني السوداني الثوري "
كذبتم والله ! لم يكن محجوب شريف نتاجاً لما أفرزه الوعي السوداني الثوري ، فهذه مقولة باطلة تعزو الفضل إلى غير أهله ، محجوب اعتنق الفكرة الشيوعيّة بعد أن نشأ وتربى  في تراب السودان ، وعلى عادات المجتمع السوداني بكل خلفياته الثقافية التي لم تكن الشيوعيّة من مكوّناتها ، ومحجوب نفسه لا ينكر أنه من صناعة الشعب السوداني ،  وولادة " العكّة " اليوميّة لحياة النّاس ، فما لكم كيف تحكمون ؟
صحيح أنّ الفكرة الشيوعيّة كانت أحد مكوّناته الثقافيّة ، وأنّ المدرسة الواقعيّة الاشتراكيّة في الأدب ، كان لها أثر بالغ في تناوله لأغراض الشعر ، وجعلت قصائده معبّرة عن هموم الناس ، وتلك مزيّة في المدرسة الواقعيّة لعمري لا ينكرها إلا جاحد لفضلها على الأدب ، ولكن لا يعني ذلك أنها صنعت فيه هذه الموهبة ، فذلك فضل الله يؤتبه من يشاء ، ولا يعني أن مزاياه الشخصية كانت نتاج الشيوعيّة ، ولو كان الأمر كذلك ما وُجد بين الشيوعيين من هو عُطل من الفضائل .
ركزت المرثيّة أو بيان الحزب الشيوعي السوداني في أمريكا على انتماء الشاعر محجوب شريف إلى الحزب الشيوعي ، وأظهرت ذلك في كل فقراته ، ولو أنهم أخرجوه من ضيق الانتماء الحزبي إلى فضاء القوميّة السودانية ، ورحابة العالم الشعري ، لكان خيراً له ولهم ، ولكن أنّى لهم السموّ إلى هذا المكان فقد بعُد المزار
والراحل الشاعر محجوب شريف شخصيّة سودانيّة معروفة ، وشاعر مشهور ، وانتماءاته الفكريّة والسياسيّة معروفة لاتحتاج أن تكون موضوعاً لرثائه .
والمرء يُنعى إلى الناس بما يحبونه فيه  ، لا بما هو موضع خلاف بينه وبينهم ؛ لذلك لا يحسن أن يكون الانتماء السياسي مدخلاً للنعي أو الرثاء ،ولكن القوم يحسّنون القبيح !
ولعل أصحاب البيان نسوأ أن يذكروا من مناقبه أنّ ابنته ( مي ) طردت البروفسر مامون حميدة ، وزير صحة ولاية الخرطوم ، حين جاء يزوره في المستشفى أثناء مرضه ، ونسوا أن يشيدوا بثوريّتها  فلله درها بنت أبيها !  ولو كان الوعي الثوري هو الذي شكّل الأخلاق الرفيعة لمحجوب لكانت مي أولى به . لا أظن أنّ الرفاق فاتهم هذا التصرّف الثوري ، ولكن دماثة خلق  ( أبو جبر ) أبت ذلك ،  فسُكت عن طرد الوزير  في هذه المرثية اليابسة .
الدّين ــ وأعني به دين الإسلام ــ جزء من مكوّنات الثقافة السودانيّة ، بل هو مصدر كثير من  العادات والسلوكيات  الراسخة في المجتمع السودانيّة ، فلا أدري كيف يطمع حزب سياسي لحكم السودان وهو لا يحترم ثقافة شعبه ؟!
حدثني من لا أشك في صدقه أنّ الأستاذ عبد الخالق محجوب كان يجلّ الدين الإسلامي غاية الإجلال ، ويعدّه حركة ثوريّة خلافاً للأديان الأخرى ؛ لذلك كان يطمع في تحرير نظريّة شيوعيّة سودانيّة تحترم ثقافة أهله ، ولعل البروفسر عبد الله علي إبراهيم ــ إنْ صدق ظنّي ــ يسير على هذا المنهج ، فهو رغم جهره بشيوعيته يحترم ثقافة أهل السودان ودينهم أيّما احترام  ، بل إليه المرجع والمآل فيهما .فما بال هؤلاء القوم لا يتأسون بأسلافهم ، ولا بحملة الفكر المستنير فيهم ؟!
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.