الدكتور تاج السِّر حمزة الريّح ( أبو كرّار ) رجل قُدَّ من مروءة ، وصيغ من وفاء ، مألوف السجايا ، جمّ الفواضل ، أنيس العِشرة ، جميل المداعبة ، فكِه ، ذكيّ ،  أعرف الناس بالناس ، وأحسنهم تمثلاً لمكارم الأخلاق ، حُبِب إليه الخير وزُيِّن في قلبه ، أبرّ الناس بأهله وأوصلهم رحماً ، يحترم الصغير ، ويوقِّر الكبير،  يساعد الفقير ويكفل اليتيم ،  يحمل الكلّ  ويعين على نوائب الدهر . أحبه أهله كما أحبهم ،  وبادلوا ودّه بأحسن منه . أقرب أصدقائي إليّ  ،  وأصفاهم سريرة ،  وأصدقهم مودة  ، وأنبلهم قصداً ، من رُزِق معرفته فقد غنِم ،  ومن حُرم منها فقد غرِم .
ما خُلق تاج السّر إلا ليكون معلّماً  ،  وقد علم من نفسه هذا الميل الفطري لمهنة التعليم فراض هذه الفطرة بالعلم ،  فدخل كلية التربية  ( جامعة الخرطوم ) وتخرج فيها  ، ثم صقلها بالخبرة والدُّربة والمران ،   فصار من أبرع المعلمين أداءً ، وأقدرهم عطاءً ، يحبه تلاميذه لما فيه من خصال المعلم المقتدر ، فهو متمكن من مادته  ، حازم في غير قسوة ، ذو حس فكاهي ،  وقدرة فذّة على التمثيل والمحاكاة  ، وعنده من محفوظات القصص والنوادر ما يغنيه عن التكرار ، فإذا ساقك قدرك أن تعقبه على صف ،  أو تنوب عنه في درس ،  فقد امتُحنت وابتليت  ، وركبت مركباً صعباً ، وعرّضت نفسك لسخط التلاميذ ،  ولو كنت معدوداً في زمرة المعلمين الأكفاء الحُذّاق .
بعض أصدقاء تاج كانوا يعرفون أشواقه العارمه للمهن العسكرية واستهدافه كلياتها قبيل امتحان الشهادة السودانية،  و لا يسلمون له بأنه التحق  بمعهد المعلمين العالي  (كلية التربية لاحقاً) حباً في التدريس والتماساً لثوابه  ، وإنّما من أجل ماكان يُعطى الطالب فيه من راتب مجزٍ أثناء الدراسة ،  ويستدلون على رجحان هذا الرأي بأنه ( شايقي ) .
وشايقية أبي السُّرّة  ( القًرضًة المُرّة ) مطعون فيها  ، فقد وُلد وعاش في بلاد الجعليين والعبدلاب (الكدرو و أبو حليمة  شمال الخرطوم ) وتطبّع بطباعهم،  ولا يعرف عن جذوره في (مملكة كَجَبي) في  بلاد الشايقية إلا اسمها ومكر أهلها  ، والشايقية والعبدلاب والجماعات القبلية الأخرى التي تعيش في بلاد الجعليين على ضفتي النيل بين الخرطوم وشندي وما حولها أشد تمثلاً للثقافة الجعلية من أهلها، ولا أدري علة ذلك .
تربّى أبو كرار في أسرة كبيرة ولكن أفرادها شديدو التلاحم والارتباط ببعضهم ،  بل إنّ هذه الصفة ملحوظة على جميع أهله المنتشرين في منطقة الخرطوم بحري حضرها وقراها ، كما أنهم عُرفوا بقوّة البدن ، وشجاعة القلب ،  شهدت منهم والده – رحمه الله – فقد كان فارساً لا يعرف الخوف إلى قلبه سبيلاً ، جريئاً غير هيّاب ، إذا زللتَ زلّة أو فرّطتَ في واجب ، ولا تحب أن تسمع ذلك من غيرك ،  فاحذر أن تجالسه أو يقع بصرك على بصره ،  فإنه يواجهك به لا محالة .  ومن قصص شجاعته المشهورة أنه حمل الأطباء على استئصال الزائدة الدودية منه بلا (بنج) عندما تعذّر وجود المصل  المخدّر في  مستشفى الخرطوم بحري . ولأجداده من سناجك أبو حليمة وحلفاية الملوك  مواقف معروفة مع السلطان علي دينار حين غزا البريطانيون دارفور في عام 1916، تدل على وفاء وشموخ .
التقيت تاجاً قبل ثلاثة عقود أو يزيدون،( تحديداً في  شهر مايو من عام 1976)  في مقابلة لاختيار طلّاب للدراسات العليا في معهد الخرطوم الدولي التابع للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (أليكسو) ،  فانعقدت بيننا صداقة قبل دخول المعاينة التي ترأّس لجنتها - المكونة من الأستاذ عبد الرؤوف محمد صالح مدير قسم الثانويات  حينها، وآخر من ديوان شؤون الخدمة - الدكتورُ عبد القادر حسن الضو مدير التدريب بوزارة التربية والتوجيه آنذاك، والذي كان أحد العمداء الأوائل لمعهد المعلمين العالي.  ولا عجب  فقد أُوتي أبو كرار محاب ّ القلوب . و من حسن طالعي أنّ الأستاذ عبد الرؤف كان قد درّسني مادة الجغرافية في مدرسة مدني الثانويّة ،  كما كان مسؤولاً عن الداخلية ( المناقل ) التي كنت أسكن فيها ، فشهد لي أمام لجنة المعاينة شهادة  كفتني مؤونة إقناعهم بقبول شخص لا يعمل في مهنة التعليم ، فقد كنت ضابطاً إدارياً في وزارة الحكم المحلي ، فجزاه الله عني خير الجزاء وجعلها في ميزان حسناته.  ثُمّ ازدادت صداقتي بتاج  متانة أثناء دراستنا في ذلك المعهد الكائن  في الديوم  الشرقية (كانت مباني المعهد القديم  هي المكاتب الإدارية للكلية المهنية العليا فيما سبق، وأصبحت الآن -بعد أن انتقل المعهد إلى مقره الجديد في مطلع التسعينيات - جزءاً من كليات جامعة السودان) ،  وتصاعدت علاقتنا على مرّ الأيام حتى بلغت ذروتها . كان تاج يسكن في أبو حليمة يغدو منها إلى المعهد ويروح إليها يومياً رغم طول المسافة وبؤس الشوارع وقلّة المواصلات ،  بل كان أوّل الحاضرين من الطلاب وآخرهم خروجاً ، فقد كنا نبقى في المعهد بعد خروج الدارسين والعاملين نستذكر دروسنا ونتغدى  لحمة بالفرن ،  وكنا نسميها ( المواسير ) لكبر عظامها  ،  في إحدى الأندية قرب المعهد ،  ثم نخرج  قبيل المغرب، وربما كانت لتاج بعد ذلك  حصص في المدارس الثانوية المسائية التي كان يديرها اتحاد المعلمين فيؤديها ويعود إلى بيته متأخراُ  في آخر حافلة ( ما قلنا شايقي )، وكثيراً ما صحبني إلى بيتي  في نمرة 3 قرب ميدان الأسرة في الخرطوم أيام الامتحانات وبات معي،  فكنا نتعشى بالفول في دكان قريبي ( دقّاش ) ، وكان يسره أن يقابل ، حين يأتي معي  ، الأستاذ أحمد حسن فضل السِيد ، صديق والده منذ أن كان معلما في مدرسة وادي سيدنا القديمة في الخمسينيات وكان (عمي حمزة) سائقاُ لسيّارات المدرسة. والأستاذ أحمد حسن لا يسكن هذا الحي ولكنه كان كثير الزيارة لابنته التي كانت جارتنا .
كانت فترة دراستنا في المعهد فترة خصبة ممرعة ، تعرفنا فيها على إخوة وأخوات  كرام متميزين. وكانت دفعتنا الثالثة منذ بدء المعهد، و فيها من الأصدقاء الذين لا تزال حبال الود بيننا وبينهم  موصولة: سلمى الزين،  وأم سلمة المك، وصفوان عثمان، وعبد الباقي المبارك ،  والفاضل عبد الرازق ،  وحيمورحسن ، ومحمود بشير، والشيخ كمال عجيب الأرباب، وعبدالرحمن نورالدين، و طه محمود، وعبد الفتاح محجوب، ومحمد أدروب أوهاج، ومصطفى النحّاس المصري ، وحافظ نظام الدين خان الباكستاني . ورحم الله زملاءنا الطاهرين من تلك الدفعة الذين تقدمونا  مرتقين إلى الدار التي لا ترقى إليها الأباطيل :الشاعر المُجيد مجتبى عبدالله ، و الأستاذ عبد المحمود عبد الله ، والأستاذ محمد مفتاح سليمان الأندونيسي ،  و الأستاذ أحمد عبدالله حمّاد المصري ، وقد كان الشيخ الزاهد كمال عجيب يضحكنا بتعليقه اليومي ( البت دِي جنّها مروحة ) والبنت هي الأستاذة سلمى الزين ، وكانت تأتي متأخرة ، وأوّل ما تفعله حين تدخل حجرة الدراسة  تزيد من قوّة دفع المروحة  غير عابئة  بالشيخ الملثّم دائماً خوف الإصابة بالبرد . ولعل أمتع الرحلات في حياتي  تلك الرحلة اللغوية الميدانية التي قمنا بها إلى بورتسودان بإشراف أساتذتنا الأفاضل: الدكتوريوسف الخليفة أبو بكر-أطال الله عمره- و الدكتورالرشيد أبوبكر ، والأستاذ عبد اللطيف الخليفة مشرف الطلاب، رحمهما الله وأحسن  إليهما. وكان تاج السر قد عمل في ثانويات بورتسودان في أوائل السبعينيات فتبعناه في شعاب المدينة التي خبِرها وشقق دروبها، كما قادنا في رحلتين خالدتين في الذاكرة إحداهما برية عبر الكثبان الرملية الشمالية إلى منتجع عروسة على الساحل، والأخرى  بحرية مخيفة إلى جزيرة سنقنيب في حدود المياه الأقليمية السودانية في البحر الأحمر، وقد دعونا الله مخلصين له الدين أن ينجينا إلى البر في ذلك اليوم الشتائي البارد عندما تلاطمت الأمواج العالية وتكسرت حول زورقنا الصغير. وقد سجد بعض زملائنا شكراً لله عندما وطئت أقدامنا اليابسة ونجونا إلي بر السلامة.
كنا طوال عامي الدراسة (76-1978) في معهد الخرطؤم الدولي نلتقي في فترة الراحة في البوفيه لنسمع قصص تاج السر ونوادره التي لا تنفد ، ونستمتع بالطعام وبالشراب في ضيافة عمي عبد الحميد صاحب البوفية، و قد كان الزمان غير الزمان ،  والعمر غير العمر ، ما أثقلنا هم ، ولا شغلتنا مكابدة عيش .
وممن ترك فينا أثراً وتعلمنا منه المهنية والدقة والصبر وحب العمل الأستاذ ادوارد ( المصري ) أستاذ الوسائل التعليمية ، فقد كان يقضي  كل يوم الساعات الطوال في مختبر اللغة ينظف أجهزته ويزيل ما علق بها من غبار في بلد لا تكاد العواصف الترابية تخطؤه يوماً  .
فترة  الدراسة في معهد الخرطوم الدولي فترة تحتاج إلى فضل عناية وربما اعود إليها فأوفّيها حقها من التدوين إن كان في العمر بقية .
ثُمّ تخرجنا في منتصف عام 1978 بدرجة الماجستر في تعليم اللغة العربية لغير أهلها، وتفرّق الزملاء في الأرض يبتغون الرزق  ، فذهبت أنا إلى جامعة أم القرى بمكة ، وذهب أبوكرار ( وكان كرار يومئذ في رحِم الغيب ) إلى الرياض مدرساً بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلاميّة ،  ثم انتُدِب في أوائل 1980 ، أي بعد عام  من عمله في الرياض ،إلى إندونيسيا مع اثنين من زملائه ليكوّنوا أول هيئة تدريس في معهد اللغة العربية الجديد التابع لجامعة الإمام في  "جاكرتا " حاضرة إندونيسيا ، وقد قضى فيها بضع سنوات ترأس فيها قسم اللغويات بالمعهد وعمّق فيها خبرته واستفاد من موهبته في تعلّم اللغات فتعلم اللغة الملاوية وأجادها فأحبه أهلها من جاوةٍ وحضارمة وحاولوا أن (  يلوّموه )  في بنت عمّه فما أفلحوا ! ثم أعلن معهد الخرطوم الدولي عن وظائف  معيدين  فكانت من نصيبه هو واسحاق القرشي ومصطفى النحاس ، فابتعِث إسحاق إلى بريطانيا ، وتاج السر إلى أمريكا  ، بينما اختار النحاس المصري الأصل الدراسة في مصر  .  وفي جامعة انديانا  بمدينة بلومنتن، حصل تاج السرعلى الدكتوراه والماجستير في تقنية النظم التعليمية مع تخصص فرعي في تعليم اللغات ، وتخرج بامتياز مع إجادته للغة الإنجليزية إجادة من يعلم أنها لغة البحث  ،  ولا فكاك لباحث جاد اختار هذا النوع من الدراسة من إجادتها  حديثاً وكتابة ومعرفة بأسرارها  ،  وقد فعل   ، ( الشايقي راسو قَد ، كما كان يصفه صديقه حمد النيل العشا) . وقد تعرضّت جامعة الدول العربية، وذراعها الثقافي" إليكسو " إلى ظروف مالية قاسية في أواخر الثمانينيات، فخفّضت ميزانية معهد الخرطوم الدولي ،  الذي كان تابعاً لها  ، وقيدت بنود منصرفاته وعلى رأسها دعم دراسة المعيدين الثلاثة في الخارج . فأكمل تاج دراسته على نفقته الخاصة ، وفي هذه الفترة  زاره في مسكنه بجامعة إنديانا الدكتور صالح بن حسين العائد السعودي مخبرا إياه بأن جامعة الامام محمد بن سعود الأسلامية تشرع في إنشاء معهد في واشنطن على غرار معهد إندونيسيا الذي عملا فيه معا في أول الثمانينيات، وقد أبدى له رغبته ، وهو وكيل المعهد ، ورغبة مدير المعهد في العمل  معهما على  تأسيسه، فأخبره تاج بأنه ما زال يربطه عقد مع المنظمة العربية ومعهدها في الخرطوم ،  رغم تخليها عنه وقطع منحته الدراسية ، وأنه  سيعود إلى الخرطوم بعد حصوله على المؤهل فإن لم تف ِالمنظمة بشروطها معه فسيعود ليشارك في تأسيس المعهد السعودي الوليد. وقد صدق حدسه فلم تلتزم المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم  -لظروفها المالية وهيكلها الوظيفي الجديد- بتعيينه خبيرا بمعهد الخرطوم الدولي كما نص عقدها معه ومع زميليه المعيدَين اسحاق والنحاس على ذلك ،   فأخلى المعهد سبيله ، فعاد إلى أمريكا  ( بركة الجات مِنّكُن )  ليعمل في معهد العلوم الإسلامية والعربية  في فرجينيا في منطقة واشنطن الكبرى، وعمل مع صديقه الدكتور العايد ، الذي أصبح مديراً للمعهد آنذاك، على تأسيس ذلك الصرح العلمي المتميز.
شارك الدكتور تاج مشاركة فعّالة في تأسيس المعهد  ،  وإنشاء قسم اللغة العربية فيه ،  ووصله بالمؤسسات الأكاديميّة الأمريكية مستغلاً خبرته ومعرفته باللغة الإنجليزية وببرامج دراسات الشرق الأوسط في كثير من الجامعات الأمريكية والكندية ،  وصلاته الشخصية بأساتذتها والباحثين في مجالات اهتماماتها ، وقد كان للندوة السنوية التي يقيمها المعهد ويشرف عليها وعلى تشر وقائعها الدكتور تاج أثر كبير في شهرة المعهد وذيوع صيته إذ كان يفد إليه سنوياً عشرات العلماء والباحثين في مجالي اللغة العربية والدراسات الإسلامية من الجامعات الأمريكية والكندية فيقدّمون  الأوراق العلمية المتميزة إلا أن المعهد أصابته لعنة الحادي عشر من سبتمبر فانتهى به الأمر إلى إغلاق ،  وإن كان الدكتور تاج قد فارقه قبل إغلاقه إلى جامعة جورج واشنطن منسقا لبرنامج اللغة العريبة بقسم الدراسات الكلاسكية والسامية فيها. وقد عملنا معا في ذلك البرنامج بمهنية راقية حرصنا فيها دون اتفاق ملفوظ على عدم تداخل علائقنا الشخصية القديمة مع ما تفرضه علينا بيئة العمل الأكاديمي والإداري في الجامعات الأمريكية العريقة. وقد نجم عن ذلك نجاح في البرنامج دلت عليه زيادة ملحوظة في عدد الطلاب الراغبين في دراسة  اللغة العربية في الفصول الدراسية التي تلت، مما استوجب إشادة رئيس القسم وعميد الكلية بالجامعة فأثار غيرة القائمين على برنامج اللغة العبرية المنافس،  ثم التحق تاج بمعهد السلك الدبلوماسي التابع لوازرة الخارجية الأمريكية مشرفاً على برنامج اللغة العربية ، رغم أن الدكتورة فيشر رئيسة القسم بجامعة جورج واشنطن بذلت كل ما في وسعها لبقاء الدكتور تاج في الجامعة ، ولكن لأمر ما يعلمه هو فضّل وزارة الخارجية على الجامعة وفي كلٍّ خير ،   وهناك في المعهد الدبلوماسي   التف حوله عدد من العجائز و (الكراكيب ) مثل قاضي المحكمة العليا  السابق الدكتور إبراهيم خالد المهدي ،  والدكتور أحمد أبراهيم  عثمان ( أبو الوليد ) ،  والدكتور حيدر العوض  ، يدرّسون العربية وثقافتها وينتظرون الآخرة .
ولعل من أمتع الفترات التي قضيتها في صحبة الدكتور تاج  بعد فترة معهد الخرطوم أياماً قضيناها العام الماضي ( مايو 2010 م ) في قاهرة المعز ، فقد كنت في زيارة لشقيقتي الدكتورة مريم الإمام نائبة المستشار الاقتصادي بسفارة السودان ، وكان تاج في رحلة عمل . حرصنا في هذه الأيام  أن نزور الأماكن السياحية والمواقع الثقافية في القاهرة ما استطعنا ، وكان من بينها الأزهر الشريف ، و هناك سألنا مرشدنا في الزيارة عن ( رواق السنّارية ) الذي كان سكناً للطلاب السودانيين منذ عهد السلطنة الزرقاء ، فأخبرنا المرشد بأنه حوّل إلى مكاتب للإدارة ، فأحزننا الأمر ورأينا فيه استفزازاً لأمة السودان ؛ لأنه معلم ثقافي تاريخي ينبغي الحفاظ عليه ، فكل رواقات الأمم الأخرى قد صارت مُصليات وعليها لوحات تدل على نسبتها لبلدانها إلا رواق السّنارية فقد طمست معالمه ، ولا عجب فليس لشيء سوداني حرمة أو احترام  في نفوس أهل الكنانة حُكاماً وسوقة  رغم خصوصية العلاقة كما يقول الساسة أخزاهم الله  . هذا وقد كتبت في هذا الموضوع مقالاً في الصحف السودانية ، وتحدثت مع المستشار الثقافي في السفارة السودانية فما شعرت أنه يولي الأمركبير عناية كما لم يعلّق على المقال في الجرائد أحد ، فعذرت إدارة الأزهر ، واستصوبت نظرة أهل الكنانة إلى أهل جنوب الوادي والله المستعان .
ومما خفف عنا وقع خبر تحويل رواق السنارية إلى مكاتب وطمس أثره مقابلة صديقنا وحبيبنا  وزميلنا الأستاذ مصطفى النحاس ، وقد درس معنا في معهد الخرطوم  وكان له صلة خاصة بتاج السر يزوره في أبوحليمة ويواده ،  ولم تنقطع صلتهما فأبوكرار كثير الزيارة لمصر .
قابلت مصطفى بعد أكثر من ثلاثين سنة ولم يزل هو هو بقفشاته ونوادره وملاحظاته الساخرة وكرمه الفياض ،  وقد كان كرمه  هذا مصدر إزعاج لنا ، ففي كل زيارة نزوره في منزله ،  ولو كانت مفاجئة ،  يصر على إطعامنا أجود الطعام ويكثر منه ، ويتحفنا بالهدايا ، ولا يقبل عذراً ( صعايدي راسو ناشف )  وهذا الطعام يطبخه بنفسه أو ينادي ابنته لمساعدته فقد توفيت زوجه ، رحمها الله ، وتركت له أبناء وبنات بارين صالحين ، ربياهم على اخلاق الريف المصري وأحكام الدين وصراحة المصريين وحبهم للنكات والنوادر ،  وقد وجدوا في تاج  هذه الصفات فأحبوه .مصطفى من المصريين القلائل الذين يعرفون السودان وأهله ويحبونه ، وقد انتقلت هذه المحبة إلى أبنائه  وبناته فأحبوا السودان قبل أن يروه  .
ولما كان المرء لا ينفك من طبعه ولا يفارقه حيث كان فقد جاء تاج إلى أمريكا بكل ما رفدته به ثقافته السودانية من خصال الخير ،  فبيته وماله ووقته مبذول لعمل الخير وخدمة إخوانه وأصدقائه وأهل السودان عامة .
ما قصدت بهذه المقالة أن أكتب سيرة الدكتور تاج فهى أجل وأكبر من أن تستوفيها هذه الصفحات ،  ولكنها خواطر أكتبها عن بعض من قابلتهم في مسيرة  حياتي ،  وكان لهم أثر باق فيها .



Hashim Muheldein [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]