رؤية نقدية (2)
هاشم  الامام محي الدين
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
ناقش الباحث في الفصل الأول من الكتاب المرجعيات اللغوٌية والفلسفيه السياسية لمن سمًاهم بالتيارات الانبثاقية المعاصرة وذلك من خلال ثلاثة محاور:
أمٌا المحور الاول فيتعلق بالبحث في معاني بعض المفردات اللغوٌية التي زعم أنُ دعاة الدولة الإسلامية يرون أن لها دلالات سياسية ، وهذه المفردات هي: " خليفة" و" إمام" و"أمير" . وأحسب أن الباحث كان في غنى عن إهدار وقته  في تفنيد رأي متوهم لا وجود له ، فليس أحد من المفكرين الإسلاميين الداعين لقيام الدولة الإسلامية يقول ذلك ، أو يعوّل عليه ، فاللغة كما يقول الفقهاء من علوم الآلة ، فهي أداة من أدوات فهم الشرع ، وليست هي في نفسها دليلاً شرعياً ، وهذه المفردات التي ذكرها الباحث لها معان لغويٌة يعرفها العرب قبل الإسلام ، بل هي من المشتركات اللفظيٌة  فالمفردة الواحدة منها تحمل في طياتها عدٌة معان ، ثمٌ حدث لها توسع دلالي بعد الإسلام فأصبحت مصطلحات  سياسية ، والمصطلح عامة وثيق الصلة بالمعني اللغوي ، إلا أنّه قد يتجاوز البناء اللفظي، ويتخطي الجذر اللٌغوي.
البحث عن مضامين سياسيٌة لمدلولات هذه الألفاظ قبل أن تدخلها المعاني الاصطلاحٌية الاسلامية ليس من ورائه جدوي،  فالعرب قبل الإسلام لم تستخدم هذه الألفاظ سوى كلمة "أمير" في معانٍ سياسيّة ،لأنهم لم  تكن لهم دولة ، ولا كبير اهتمام بالسياسة او الحكم ، والمفردات اللٌغويٌة تعكس اهتمام أصحاب اللٌغة . وسواء أكانت لهذه المفردات دلالات سيا سية أو لم تكن ، فلا يقوم ذلك حجة لدعاة الدولة الإسلامية ، لأنّ الشرع لا تستنبط أحكامه من مفردات اللغة . أما البحث عن هذه المضامين السياسية لهذه المفردات بعد أن دخلها المعني الاصطلاحي فبحث في مصطلحات سياسية أفرزها واقع قيام دولة إسلامية  ضمّت أرجاء واسعة من المعمورة ، وسادت قروناً متطاولة ،وهي ليست في حاجة إلى شواهد لغويّة لوجوب قيامها ، فهي  أبين من أن يبحث عنها في معجمات اللٌغة كما سنبيٌن .
والباحث لايكاد يفرق بين المعني اللغوي وبين المعني الاصطلاحي أو هو – والله اعلم- قصد هذا الخلط لحاجة في نفسه ، فالمعني اللغوي هو استعمال العرب للفظ ،والمصطلح بمثابة الاسم يصطلح عليه جماعة من الناس تجمعهم حرفة او مصلحة او سواها علي اطلاق لفظ  بازاء معني او ذات ، لا ينازعون فيما اصطلحوا عليه ،إذ لا مشاحة في الاصطلاح كما يقول العلماء .
ومن صور خلط الباحث بين المعاني اللغوية وبين المعاني اللصطلاحيّة أنّه عدّ المعاني التي وردت للفظي "إمام" و "خليفة" في القران الكريم معاني اصطلاحية ، فهو يقول : (ومن الدلالات الاصطلاحية لمفردة "إمام" قوله تعالي : إنا نحن نحي الموتي ونكتب ما قدموا وكل شي أحصيناه قي إمام مبين ) ومعنى "إمام" في الآية معنى لغوي تعرفه العرب قبل الإسلام ،ولو انه حمله علي بعض ما فسٌر به ، وهو اللٌوح المحفوظ ، وقال إنه من الحقائق الشرعية ، لكان اقرب الي الصواب . كذلك عدّ معنى  كلمة " خليفة " الواردة في قوله تعالي " واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح : الاعراف:69 " معنى اصطلاحي مع أنّه لغويّ أيضاً أي :يخلف بعضكم بعضا .كذلك عدّ كل المعاني التي وردت لهذه الألفاظ في المعاجم اللغوية معاني لغوية،مع أن المعاجم تحوي المعاني اللغويّة والاصطلاحيّة للكلمة ، فصناعة المعاجم نشأت في منتصف القرن الثاني الهجري ، وأوّل معجم عرفته العربية  هو (معجم العين ) للخليل ابن أحمد الفراهيدي المتوفي 175 هجري ،فجمع اللغة وتصنيفها وعمل المعاجم تمّ بعد أن استقرت المعاني الاصطلاحية لهذه الألفاظ الثلاثة ؛ لذلك نجد كلا المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي للكلمة  في المعجم ، ولكن الباحث يكتفي بالمعاني اللغوية في المعجم ويسكت عن المعاني الاصطلاحية خشية أن تكون حجة عليه .
 جاء في معجم ( مختار الصحاح ) : "والخليفة " السلطان الاعظم وقد يؤنث ، وأنشد الفراء :
أبوك خليفة ولدته أخري             وانت خليفة ذاك الكمال
 وفي (القاموس المحيط ) : الإمام ما ائتم به من رئيس أو غيره . وفي ( معجم المقاييس ) الإمام كل من اقتدي به وقدم في الأمور ، والنبي صلي الله عليه وسلم إمام الائمة ، والخليفة إمام الرعية.  
وهذه المعاني الواردة في هذه المعجمات رغم ما تحمله من مضامين سياسية ولكنها ليست ممٌا يحتجّ به علي تضمٌن بعض الألفاظ اللغوية لمفاهيم سياسية ، لأنٌ هذه الألفاظ بهذه المعاني  مصطلحات ، والكاتب إنّما تجاهلها لأنه يعدّها معاني لغوية ، فخشي أن تكون حجة عليه .
المصطلحات "خليفة " و "إمام" و " أمير المؤمنين "مصطلحات سياسٌية حادثة بعد الإسلام  اصطلح عليها أهل الإسلام في تسمية ولي أمرهم وحاكمهم ، وتطورت مدلولاتها السياسية بتطوٌر الدولة الإسلامية وتقلباتها ، فالقرآن لم يشر إلي لقب  من يتولي أمر المسلمين بل ترك هذا الامر إلي جمهور المسلمين ، فهم الذين سموا أبا بكر رضي الله عنه "خليفة " لأنه خلف النبي صلٌي الله عليه وسلم علي الخلافة التٌامة بعد موته في ولاية جميع أمور الأمة السياسية  والدينية ، وسموا عمر رضي الله عنه أمير المؤمنين استتقالاً لقولهم خليفة خليفة رسول الله ، والعرب تجنح الي الخفة في اللفظ ، وسٌمي الشيعة علياً رضي الله عنه إماماً ، ثم غلب لقب "خليفة "علي سلطان المسلمين في كل عهود الدولة الإسلامية .
أفرغ الباحث جهده في نفي المدلولات السياسية للفظة " خليفة " الواردة في كل من قوله تعالي ( وإذا قال ربك للملائكة إني جاعل في الارض خليفة ) وقوله تعالي ( يا داؤود إنّا جعلناك خليفة في الارض ) وآية سورة البقرة لا تحتاج إلي  إعمال العقل في نفي المدلولات السياسية عنها ،كما  لم يدّع أحد ذلك، فالخليفة معناه الخالف لمن كان قبله من الملائكة ، ويجوز أن يكون بمعني المخلوف أي يخلفه غيره ، وقيل هذا الخليفة هو آدم ، وقيل كلٌ من كل من له خلافة في الأرض . وأما آية سورة (ص) فمعناها  يا داوود إنا استخلفناك أي جعلناك خليفة لمن قبلك من الأنبياء، لتأمر بالمعروف وتنهي عن المنكر، وتحكم بين الناس بالعدل الذي هو حكم الله بين عباده ، والمدلول السياسي للآية واضح ، وكون داوود كان ملكاً ممٌا لا خلاف فيه ،ولكن الباحث حاول أن يلتفّ علي معني الآية ،ويجعلها مجرد رواية تاريخية ،كاٌن القران كتاب تاريخ يورد قصص الأمم السابقة  لمجرد العلم بها ، وكأن الدليل علي أن الإسلام عقيدة وشريعة يحتاج الي تقصي اخبار اهل الكتاب !
الخلافة تعني الخلافة عن الله تعالي لتنفيذ مراده في الأرض وإجراء أحكامه سواء أكانت هذه الاحكام عقديٌة او سياسية تتعلق بالحكم ، وهذا المعني شرحه الرسول صلي الله عليه وسلم فيما رواه ثوبان : قال : قال رسول الله عليه وسلم ( من أمر بالمعروف ونهي عن المنكر ، فهو خليفة الله في الأرض، وخليفة كتابه وخليفة رسوله) كنز القمال : 5564
وممٌا يلاحظ علي الباحث أن في فهمه لمسائل اللٌغة اضطراباً ، ومن صور هذا الاضطراب قوله : مفردة خليفة هي مصدر مشتق من الفعل الثلاثي (خلْف ) بمعني     (بعْد ) كظرف زمان نقيض ( قبْل ) وقوله : اشتق المصدر ( إمام ) من الفعل الثلاثي   (أمم ) بمعني قصد . وقوله أيضاً : الاسم المصدر ( أمير ) اشتق من الفعل الثلاثي  (أمر ).
ومسألة  اشتقاق المصدر من الفعل فيها سعة فقد جوّزها نحاة البصرة ، ولكن كيف تكون الألفاظ "خليفة" و "إمام " و " أمير " مصادر ؟ ! وكيف تكون (خلْف ) فعلاً ؟ !
ومن صور هذا الاضطراب اللغوي قوله : " الدلالات المعانية " فقد نسب إلي الجمع وهو جائز فقد رخٌص فيه مجمع اللٌغة القاهري، ولكن ما لا رخصة فيه أن نصف الاسم بمرادفه فكلمة " الدلالات " وكلمة " المعاني " من المترادفات فماذا يفيد وصف إحداهما للأخري . ومنه أيضاً قوله : "اختيار اطاراً سياسي" وقوله :" كأنموذجاً "وقوله :" موضوعة الدولة الإسلامية" ، أضف إلي ذلك سقم العبارة وضعف الأسلوب في كثير من المواضع .
أما المحور الثاني فيبحث في القول بأن بعض آيات القرآن الكريم والسٌنة النبويٌة تحمل موجهات سياسٌية ، وقد ذكر الباحث أنٌه قبل الخوض في سبر غور مصداقية هذه المزاعم يودٌ  أن ينبه إلي حقيقة تاريخية مفادها أن الأنصار والمهاجرين في سقيفة  بني ساعدة إبان صراعهم علي سلطة الحاكمية السياسية لم يشيروا الي هذه الآيات التي يزعم دعاة الدولة الإسلامية أنها تحمل موجهات سياسية ، وإنّما ساقوا حججاً عقلية وعوّلوا علي أسانيد ومدعمات اجتماعية لتبرير أحقيتهم .
نعم ، لم يسوقوا هذه الآيات لأنهم لم يكونوا – مهاجرين وأنصارا- يختلفون علي ضرورة  إقامة سلطة سياسية ، وإنّما كانوا يختلفون علي صاحب الحق في هذه السلطة ، وكيفية اختيار الخليفة .
لم يكونوا ينكرون كما ينكر الباحث علاقة الدين بالسياسة ، ولم يكونوا يقولون إن إقامة  الدولة لاعلاقة له بالدين، بل كانوا جميعاً مهاجرين وأنصاراً يؤمنون بأن هذا الدين عقيدة وشريعة ؛ لذلك ما احتاجوا إلي نصوص القرآن ليثبتوا شيئاً هم متفقون عليه ، فخلافهم  علي الخليفة لا الخلافة ، وأحقٌية أي الفريقين بالخلافة لا يجدونه في  آي القرآن، وإنما  هو في السبق إلي الدين والنصرة ، وغير ذلك من مزايا كلّ فريق وكسبه . 
وشروط الإمارة كما قال ابن حزم رحمة الله ( حسن السياسة  ونجدة النفس ، والرفق في غير مهانة ،والشدة في غير عنف ، والعدل ، والجود بغير إسراف ، وتمييز صفات الناس في أخلاقهم ، وسعة الصدر مع البراءة من المعاصي ، والمعرفة بما يخصه في نفسه وفي دينه وإن لم يكن صاحب عبادة ولا واسع علم )
ذكر الباحث ثلاث ايات زعم ان ( الانبثاقين ) يستدلون بها علي أنها تتضمن موجهات ومبادئ عامة تمثٌل في مجملها نظرية دينية سياسية يمكن علي هديها أن تقام دولة اسلامية ، ثم أعقبها بآيتي الشوري  ، ويبدو أنه ذكرها علي سبيل التمثيل لأن ٌ الآيات التي تتحدث عن الحكم كثيرة ومنها ما هو أصرح في هذا الامر من الآيات التي ساقها ،  ولكن دعنا نري ما قال عن هذه الآيات  :
قال في الآية الثانية والأربعين من سورة المائدة ( فإن جاءوك فاحكم بينهم أو اعرض عنهم وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط ) بعد أن ذكر سبب نزولها ( فإن كلمة" احكم "جاءت بمعنى القضاء والتحكيم والنظر في خصومة من ارتضاك حكماً ، وليس بمعني السلطة والحكم والملك السياسي .
وقال في الآية الثامنة والخمسين من سورة النُساء ( إنّ الله يأمركم أن تؤدُوا ألامانات الي اهلها وأذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل ) بعد أن أورد سبب النزول ( فمن سياق بواعث التنزيل يبين وبجلاء أنُ معني مفردتي " حكمتم  " و تحكموا " له دلالة القضاء والفصل في المنازعات وليس بمعني السلطان والملك السياسي ) .
وقال في الآية التاسعة والخمسين من سورة النساء ( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الامر منكم  فأن تنازعتم في شئ فردُوه الي الله والرسول )بعد أن ذكر أسباب النزول ( يرى الباحث أنًه من سياق التنزيل يبدو أن معني" أولي الامر" قد ورد بكيفيٌة عامة من غير تحديد او تخصيص ، ومن ثم فالزعم بأن معني" أولي الأمر" يقصد به الزعماء السياسيين وأهل السلطة من الحكام يكون قولاً فيه تخصيص لعام دون مسٌوغ شرعي او سند عقلي موضوعي ، ففي ذلك تضيق وشطط )
استند الكاتب في نفي  دلالات هذه الآيات علي موجهات سياسية علي ثلاثة اشياء وهي : أسباب النزول ، وأن معني "حكم " ومشتقاتها تعني القضاء لا السلطة  السياسية ، وأنُ معني " أولي الأمر " معني عاماً  لا مسوّغ لتخصيصه  وحصره في الزعماء السياسيين وأهل السلطة .
وحجج الكاتب فيما أري واهية فأسباب النزول هو السياق الاجتماعي لتفسير الآية ، والقران نزل منجماً علي حوادث وقعت بالفعل ، ولكنه لا يبقي دالاً علي هذه الواقعة جامداَ عندها وإلا لانتهت صلاحية كلّ اية بانتهاء الحدث  ، فإذا أنزل الله حكماً في أمر وقع بين المسلمين فلا يبقى  الحكم قاصراً علي الواقعة بل يبقى حكماً على كل واقعة  مثلها حتي يرث الله الارض وما عليها .
وأمٌا قصر كلمة " حكم " ومشتقاتها علي القضاء فهو من جنس ما شكا منه الكاتب، وهو تخصيص عام من غير مسٌوغ لغوي أو شرعي ، وهب أنها بمعني القضاء فهل يكون قضاء بلا سلطة سياسية ، وهل تعني الحكومة عند العرب إلا القضاء ، قال شاعرهم :
ما أنت بالحكم الترضي حكومته           ولا الأصيل ولا ذي الرأي والجدل
وهل تكون إقامة حدود وجهاد بلا سلطة سياسية وحكومة ؟ وهل اعتراض المعترضين علي الدولة الاسلامية الاٌ اعتراض علي الحدود ؟! .
الدولة في مفهومها اليوم غير مفهوم الدولة حين نزل القرآن ، وشكل الدولة وتكوينها ليس من المحكمات ، وإنٌما هو اجتهاد بشري بشرط ألاٌ يخل بأحد الثوابت في الدين .
الحدود او القانون الذي نصٌت عليه الآيات هو موضوع الخلاف ، أما شكل الدولة فلنختر له أحسن ما توصل اليه الاجتهاد البشري في مجال الحكم . فإن تراضى دعاة الدولة الإسلامية وخصومها علي القضاء وتطبيق الحدود فلا خلاف على شكل الدولة ومؤسساتها،  ولا على التشريعات القانونية التي لم ينص عليها الشرع في المجالات المختلفة ، وهي كثيرة جداً وتزداد كثرة بتعقيد الحياة وتطوراتها ، فكلّ ذلك محل اجتهاد البشروتجاربهم .
أما قول الكاتب إنّ " أولي الأمر "  عام وتخصيصه لا مسوٌغ له فصحيح ، ولكن إذا كان العموم لايقصر كلمة "أولي الأمر " علي أهل الحكم ، فهل يخرجهم منها ؟ !
أما آيتا الشٌورى ، وهما قوله تعالي في الآية التاسعة والخمسين بعد المائة من سورة آل عمران ( وشاورهم في الامر ) وقوله جلٌ شأنه في الآية الثامنة والثلاثين من سورة الشوري ( ......وأمرهم شوري بينهم  ) فقد ذكر الباحث أنٌ محل الشوري هو أمر خاص معلوم الماهية وليس شيئاً عاماً نكرة وذلك لتعريفه ب" أل" ، وأن المخاطب بممارسة الشورى فرد معلوم ،  وهو الرسول صلي الله عليه وسلٌم ، وأن ماهية الأمر المنوٌه اليه وهوية القوم الممارسين لذلك الأمر معلومة، وأنه ليس هناك ما يؤكد أنٌ عبارة "الأمر " تعني الحكم والسلطان السياسي . ثم ذكر الباحث حديث الحسن البصري ( ما أمر الله تعالي نبيه بمشاورة صحابته لحاجة منه لرأيهم ، وإنّما أراد أن يعلمهم ما في المشاورة من فضل،  ولتقتدي به أمته ) واستنبط الكاتب من كلام الحسن أن الشورى دالة أخلاقية ليست من الدين في شيء  ،وقال إن مشاورة الرسول لأصحابه يوم بدر ويوم أحد كان في أمر الحرب وليس من أجل تدبير شؤون الحكم .
ومرٌة أخري أذكّر الباحث أن القرآن الكريم ليس مناجاة بين الله ورسوله ،وأن احكامه ليست موجهة إلى الرسول صلي الله عليه وسلم  خاصة ، فمهمة الرسول صلي الله عليه وسلٌم البلاغ والبيان ،  فآية الشوري رغم أنٌ صيغتها صيغة الخطاب إلي الرسول صلي الله عليه وسلم ولكن ليست قاصرة عليه  ،بل هو لا يحتاجها أصلاً لانٌه مؤيٌد بالوحي ، ولكن الله أراد أن يعلم المؤمنين فضيلة الشورى، وفي هذا السياق يفهم كلام الحسن – واحسبه الحسن بن علي لا الحسن البصري - وأما قول الباحث أنٌ لها دلالة تربوية وليست من الدين في شئ،  فلا أدري ما مفهوم الدين ومفهوم التربية عنده ، وهل الدين إلاٌ تربية ؟ وهل يكون حكم راشد دون حكاٌم تربوا علي الفضائل ومكارم الأخلاق؟ !
الشورى تبدأ من الاسرة وتمتد فتشمل كل أمر، ومن بين هذه الامور الحكم ، ورغم أن مناسبة الآية الحرب الاٌ أن الله تعالي لحكمته لم يقل وشاورهم في الحرب، بل قال في الأمر؛ لأن معني الأمر يشمل كل شئ ، فالقرآن جاء شريعة  لكل الناس في كل الأمكنة والأزمنة ، ولذلك كانت عبارتة دقيقة .
وإذا أراد الكاتب  أن يحصر الشورى في أمر الحرب ، فهل تكون حرب بلا  جيش ودولة ؟ فالخلاف مع الكاتب في الحكم ، فإذا أقرّ أن هناك دولة وجيش وقضاء فما يضير دعاة الدولة الإسلامية أن تدل آيتا الشورى علي مفاهيم سياسية او لا تدل ! ؟
وقول الباحث : أود في البداية أن اشير إلي حقائق هامة وهي أنه من السياق اللغوي يبدو أنّ محل الشورى،هو أمر خاص معلوم الماهية ، وليس شيئاً عاماً نكرة ، وذلك لتعريفه ب "أل" في متن الآية ( وشاورهم في الأمر ) من جهة ، وبالإضافة من جهة أخري كما في متن الآية ( وامرهم شورى بينهم ) ، ليس صحيحاً من الناحية اللغوية فكلمة " أمر " التي تجمع علي " أمور " من حيث معناها المعجمي فيها عموم  ، ولا يعيّن معناها إلا السياق و "أل " التي دخلت عليها هي " أل الجنسٌية " التي تعرّف مدخولها لفظاً ، ويبقي معناها معني النكرة المسبوقة بكلمة "كل " كما يقول النحاة ، فقوله تعالي :( وشاورهم في الأمر ) أي: شاورهم في كل أمر ، وسبب النزول لا يخرجها عن هذا المعني ، لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما يقول علماء اصول الفقه ، وأمّا الإضافة في قوله تعالي ( وأمرهم شورى بينهم ) فإضافةٌ إلي ضمير، والمضاف الضمير يعرّف بالمضاف اليه، ولكن لا يرقى إلي منزلة الضمير في التعريف ، وإنما يرقى إلي منزلة العَلَم فإذا قلت (محمد ) كان معرفة ، ولكن كم في الدنيا ممّن يسمى بهذا الاسم ؟ فالتعريف هنا لا يعيّن المقصود إلاٌ بقرينة خارجة عن النص، فقوله تعالي ( وأمرهم شورى بينهم ) أي امر المسلمين وأمور المسلمين التي تقتضي الشورى كثيرة ، منها الأمور السياسية وأمور الحكم .
وأما قول الكاتب إنه ليس هناك ما يؤكد بأن عبارة ( الأمر ) تفيد معني الحكم والسلطان لا يقوم حجة له ؛ لأنّ  العبارة فيها عموم فهي تحتمل الحكم وغيره ، فإن لم يكن هناك ما يؤكد أنّ المعنيّ بها الحكم والسلطان فليس هناك ما ينفي ذلك ، ونحن نقول إنها تفيد كل احتمالات معناها ؛لأن الشورى ليست مقصورة علي الحكم والسلطان وحده ، وهو ما يشبه أسلوب القرآن وبلاغته .
قلت في بدء حديثي إنّ هناك آيات في الدلالة علي الحكم السياسي أصرح من الآيات التي أوردها الباحث- حفظه الله- منها : قوله تعالي : ( أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون . )
قال الحافظ ابن كثير " ينكر تعالي علي من خرج عن حكم الله – المحكم المشتمل علي كل خير الناهي عن كل شر – وعدل إلي ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله ، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم ، وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة من ملكهم جنكزخان الذي وضع لهم " الياسق" وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها من شرائع هي من اليهودية والنصرانية والملٌة الإسلامية وغيرها ، وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه فصارت في بنيه شرعاً متبعاً يقدمونه علي الحكم بكتاب الله وسنة رسوله صلٌي الله عليه وسلم "(1)
وقوله تعالي : ( فلا وربك لا يؤمنون حتي يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليما . النساء : 65 )
قال ابن كثير رحمه الله: "يقسم تعالي بنفسه الكريمة المقدسة أنه لا يؤمن أحد حتي يحكّم الرسول صلي الله عليه وسلم في جميع الأمور، فما حكم به فهو الحق الذي يجب الانقياد له باطناً وظاهراً ، ولهذا قال : ثُم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً ممّا قضيت ويسلموا تسليماً " أي إذا حكموك يطيعوك في بواطنهم فلا يجدون في أنفسهم حرجاً مما حكمت به وينقادون له في الظاهر والباطن فيسلمون لذلك تسليماً كلٌيا من غير ممانعة، ولا مدافعة، ولا منازعة كما ورد في الحديث " ( والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتٌي يكون هواه تبعا لما جئت به "(2) .
وقوله تعالي : ( ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها الي الحكام لتأكلوا فريقاً من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون ) 188 البقرة
والمعني كما قال الشوكاني رحمه الله " أنكم لاتجمعوا بين أكل الأموال بالباطل ، وبين الإدلاء بها إلي الحكام بالحجج الباطلة ، وفي هذه الآية دليل أنٌ حكم الحاكم لا يحلل الحرام ، ولا يحرم الحلال من غير فرق بين الأموال والفروج ، فمن حكم له القاضي بشئ مستنداً في حكمه إلي شهادة زور ، او يمين فجور ، فلا يحل له أكله ، فإن ذلك من أكل اموال الناس بالباطل ، وهكذا إذا أرشى الحاكم فحكم له بغير الحق، فإنه من أكل أموال الناس بالباطل ، ولا خلاف بين أهل العلم  أن حكم الحاكم لا يحلل الحرام ولايٌحرم الحلال "(3)
وقوله تعالي : ( فإن تنازعتم في شئ فردٌوه إلي الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ) قال ابن كثير ( هذا أمر من الله عز وجلٌ بأن كل شئ تنازع فيه الناس من أصول الدين وفروعه أن يرد التنازع في ذلك إلي الكتاب والسنة ....)
وقوله تعالي ( ثم جعلناك علي شريعة من الأمر فاتّبعها ولا تتّبع أهواء الذين لا يعلمون ) الجاثية 8
فهذه الآيات وغيرها دعوة إلي تطييق حكم الله ورسوله وإلي إتباع الشريعة في معاملات الناس وأقضيتهم ، وقد قابل الله بين حكمه وحكم الجاهلية، وبين شريعته وبين أهواء الذين لايعلمون ، ولا يتصوّر قضاء وأحكام في الأموال والدماء وغيرها بلا دولة وحاكم ، ووجوب قيام الدولة الإسلامية تظاهرت عليه نصوص الكتاب والسنة، وإجماع علماء الأمة كما سنري فيما يلي من حديث في هذا الموضوع  .
ومن جرأة الكاتب وتعديه على المنهج الصحيح في نقد الأحاديث أنه عمد إلى حديثين صحيحين من جملة الأحاديث الواردة في الحكم فردّها زاعماً أنّ إعمال النظر العقلي ، واستخدام المنهج المقارن في البحث أكّدا له عدم موثوقية هذين الحديثين .
إنّ ردّ الكاتب لحديثين صحيحين بما بدا لعقله وهواه ، أو بدعوى إخضاعهما للمنهج المقارن ، دون الرجوع إلى قواعد المحدثين وقوانينهم التي يعرف بها أحوال متون الأحاديث وأسانيدها، شطط وطعن في الرواة الثقات ، وحكم عليهم بالكذب والمخادعة ، ورمي لهم بالجهل والغفلة مع أنهم كانوا أشرف الناس نفساً ،وأعلاهم خلقاً ، وأشدهم خشية لله، وقد اجتهدوا " في التوثق من صحة كل حديث ، وكل حرف رواه الرواة ، ونقدوا أحوالهم ورواياتهم ،واحتاطوا أشد الاحتياط في النقل  ، فكانوا يحكمون بضعف الحديث لأقل شبهة في سيرة الناقل الشخصيّة........وكذلك توثقوا من حفظ كلّ راوٍ ، وقارنوا رواياته بعضها ببعض وبروايات غيره فإن وجدوا منه خطأً كثيراَ وحفظاً غير جيّد ضعّفوا روايته ، وإن كان لامطعن عليه في شخصه  ولا في صدقه،  خشية أن تكون روايته ممّا خانه فيه الحفظ  ، وقد حرّروا القواعد التي وضعوها لقبول الحديث، وهي قواعد هذا الفن، وحققوها بأقصى ما في الوسع الانساني ، احتياطًًاّ لدينهم فكانت قواعدهم التي سارو عليها  أصحّ القواعد للإ ثبات التاريخي وأعلاها وأدقها "(4)
أيتجاهل الباحث علوم السّنة التي أنشئت وبلغت غاية الإحكام في ضبط رواية الحديث ، ولا يعيرها أي اهتمام ثمّ يصطنع له منهجاً على هواه يردّ به حديثين وردا في أصح دواوين السّنة ؟!
الحديث الأوّل الذي ردّه الكاتب هو قوله صلّى الله عليه وسلّم "سيليكم ولاة من بعدي ، فيلكم البر ببره ، والفاجر بفجوره فاسمعوا لهم وأطيعوا في كل ما وافق الحق ، وصلّوا وراءهم فإن أحسنوا فلكم ولهم ،وإن أساءوا فلكم وعليهم "
والحديث الآخر قوله صلى الله عليه وسلّم :"من رأىمن أميره شيئاً يكرهه فليصبر عليه ، فإنه من فارق الجماعة شبراً فمات إلا مات ميتة جاهلية "
أنكر الباحث الحديث الأوّل لأنه كما زعم يقرّ ولاية الفاجر، والقول بطاعة السلطان الفاجر فيه اجتراء وتعد على أمر الله الناهي عن الإذعان لمن لم يرع حقّ الله لقوله تعالى :" ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتّبع هواه وكان أمره فُرطا  ...الكهف :28"
لا أدري كيف فهم الباحث هذا الحديث ، وكيف جرؤ على ردّ حديث صحيح دون الوقوف على حقيقة معناه ، فالحديث نبوءة بولاة يأتون ، منهم البر ومنهم الفاجر ، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلّم المؤمنين بالسمع والطاعة لهم  فيما وافق الحق لا الطاعة المطلقة ، فقتال الإمام والخروج عليه لا يجوز إلا أن يعلن كفراً بواحاً ،لأنّ حقن  دماء المسلمين واستقرار الحكم اولى من قتال الإمام بسبب سلوكه الشخصي ، وأهل السنة لا يجوزون الخروج على الإمام إذا ترتّب عليه فساد أكبر من بقائه في الحكم .
أمّا الحديث الآخر فقد زعم الباحث أنه يعارض أحاديث أُخر منها ، قوله ،صلى الله عليه وسلّم،:"من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه ،فإن لم يستطع فبقلبه وهذا أضعف الإيمان " وقوله عليه الصلاة والسلام :"إنّ الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه " كما يعارض ما  أمر الله به المسلمين من القيام بالقسط  والتناهي عن الآثام، قال تعالى:"وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان " وقوله جلّ شأنه "ياأيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط  شهداء لله  ..."
في هذا الحديث رواية أخرى وهي قوله صلى الله عليه وسلم : "من كره من أميره شيئاً فليصبر، فإنه من خرج من السلطان شبراً مات ميتة جاهلية "
قال ابن حجر في تفسير هذا الحديث :"قوله ( من كره من أميره شيئاً فليصبر ) زاد في الرواية الثانية(عليه)  قوله (فإنه من خرج من السلطان)أي من طاعة السلطان، ووقع عند مسلم ( فإنه ليس أحد من الناس يخرج من السلطان ) وفي الرواية الثانية(من فارق الجماعة )وقوله (شبراً) -بكسر المعجمة وسكون الموحّدة - وهي كناية عن معصية السلطان ومحاربته ، قال ابن أبي جمرة : المراد بالمفارقة السعي في حلّ عقد البيعة التي حصلت لذاك الأمير ولو بأدنى شيء، فكنّى عنها بمقدار الشبر، لأنّ الأخذ في ذلك يؤول إلى سفك الدماء بغير حق "(5)
الحديث بروايتيه ينهى عن الخروج على الإمام وقتاله ، ولا يعارض حديث " من رأى منكم منكراً ......" فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والأخذ على يديّ الظالم ، وتغيير المنكر باليد درجات ، ولا يبلغ حدّ القتال إلا أن يعلن الإمام كفراً بواحاً كما سبق أن أشرت ، والحديث لا يمنع مناصحة الإمام  ومجابهته بكلمة الحق ،لذلك فالقول بتناقض الأحاديث دعوى بلا دليل . ولعلّ الباحث لو وقف على المعنى الصحيح لهذه الأحاديث والآيات في مظانها وعند أهل هذه الصنعة ،لتبددت له هذه الشبهات ، وتبين له إمكانية الجمع بين معاني هذه الأحاديث والآيات دون تعارض ،فصريح المعقول لا يتعارض مع صحيح المنقول .
وممّا استوقفني وشغل حيّزاً من تفكيري هو اكتفاء الباحث بحديثين ممّا ورد في صحيح السنة وإنكارهما مع أنّ دواوين السنة تعج بالأحاديث التي تتحدث عن الحكم والسياسة ، فلا تجد كتاباً من كتب الصحاح إلا وفيه باب للأحاديث الواردة في الإمارة والحكم ، فهل أراد الباحث أن يطرد إنكاره لهذين الحديثين على أحاديث الباب كلها ؟ أرجو أن لا يكون كذلك ، فإن كان الأمر كذلك فقد تنكّب سبيل المنهج العلمي  ، وإن لم يكن الأمر كذلك ، فما قوله في هذه الأحاديث التي تدلّ على مضامين سياسية  دلالة لا لبس فيها ولاغموض منها على سبيل المثال :
ما جاء في صحيح مسلم ،كتاب الإمارة :
قوله ،صلى الله عليه وسلّم : "خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم وتصلّون عليهم ويصلّون عليكم وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنوهم ويلعنوكم " قالوا قلنا يارسول الله : أفلا ننابذهم عند ذلك ؟ قال :" لا ما أقاموا فيكم الصلاة ، لا ما أقاموا فيكم الصلاة إلا من ولي عليه وال فرآه يأتي شيئاً من معصية الله ، فليكره ما يأتي من معصية اللة ، ولا ينزعن يداَ من طاعة " 
وقوله عليه الصلاة والسلام "إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما "
وفي صحيح البخاري :
"قال صلى الله عليه وسلّم : "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته ، فالأمير الذي على الناس راع وهو مسؤول عن رعيته............."
وعن جابر بن سمرة قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : "يكون اثنا عشر أميراَ ،فقال كلمة  لم أسمعها ، فقال أبي إنه قال كلهم من قريش"
فهذه الأحاديث وغيرها كثير في كتب السنّة تشهد أنّ الاستخلاف ووجوب قيام دولة ترعى مصالح المسلمين الدينيّة والدنيويّة  أمر لا شبهة فيه ، ولكنّ الباحث ينتقي من النصوص مايرى فيه شبهة التأويل أو صرفه عن معناه .
وللحديث بقية .
المراجع :
و(2) ابن كثير :تفسير القرآن العظيم .
(3)الشوكاني :فتح القديرز
(4)أحمد محمد شاكر :مقدمة كتاب الباعث الحثيث في مصطلح الحديث .
(5)ابن حجر: فتح الباري  .