عجزت عن أداء واجباتها ووظائفها


قد يبدو للبعض بأن عنوان هذه المقاله صادم..أو غير موضوعي أو جانبه الصواب، لكن بالنسبة للذين خاضوا تجربة العمل داخل كواليس النظام الحاكم في السودان وهم كثر الأمر أكثر من عادي، بل حقيقي وواقعي، والبعض قد يراه أقل بكثير من الحقيقة، لكن في اعتقادي بأن كل السودانيين إلا الشرزمة الحاكمة يعتقدون اعتقادا جازما بأن الدولة السودانية قد انهارت تماما، وما هو موجود الآن على الواقع إلا خيال مأته..!.
وطبيعة الحال لا بد من توصيف (الانهيار) على ضوء التعريفات القرآنية والعلمية والسوابق التاريخية، ومقارنتها بالواقع المعاش، والانهيار في المفهوم المجتمعي السوداني وغيره أنه نهاية مراحل الفشل بحيث يكون الانهيار تاما ليس بعده من اصلاح إلا التغيير، ويحدثنا قاموس المعاني ويقول: انهارَ ينهار، انْهَرْ ، انهيارًا ، فهو مُنهار،  انهار السَّدُّ ونحوُه مُطاوع هارَ: سقط وانهدم ويقول المولى سبحانه وتعالى" أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ".
وانهارت قواه ونحوُها: خارت وضعُفت انهارت معنويّاتُه، انهارت دولتُه: سقطت وانحلَّت انهارت الثلوجُ، انهارت ثروتُه: ضاعت وتبدَّدت،  انْهَارَ البناءُ ونحوُه: انْهَدم، وفي التنزيل العزيز: التوبة آية 109 "فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ"، اِنْهِيَارُ جُدْرَانِ البَيْتِ: اِنْهِدامُها، سُقوطُها، وفي كل المعاني والقواميس المعتمدة وغير المعتمدة فإن الانهيار يعني السقوط، والسقوط يعني الكثير في الواقع سواء سقوط منظومة او قيم او دولة، وهذا ما سنتطرق إليه لاحقا.
في الدراسة القيمة التي أعدها الباحث عبدالوهاب عمروش بمركز الاهرام للدراسات والبحوث في تعريفه للدولة المنهارة وأسباب الانهيار يرى روبرت روتبيرج "الدولة المنهارة باعتبارها إحدي مراحل الدولة الفاشلة، هي الدولة العاجزة عن أداء وظائفها لفترة طويلة من الزمن"، وقد طور ويليام زارتمان هذا التعريف، وأضاف إليه عناصر شملت "عدم فاعلية الحكومة المركزية، وتآكل شرعيتها، وتراجع سيطرتها الأمنية علي إقليمها، وانتشار حالة من عدم احترام القانون ومن غياب النظام"، ويؤكد عمروش بأن "الدولة المنهارة تختلف عن الدولة التي تمر بأزمات عابرة، حيث تكون غير قادرة علي إدارة النزاع الداخلي، أو توفير الخدمات الاجتماعية، لفترة قصيرة المدى، تكون مرتبطة بفترة الأزمة، ولكنها لا تزال تحتفظ بالسيطرة علي أجزاء مهمة من إقليمها".
أعتقد أن ما  قال له الباحث عبدالوهاب عمروش أعلاه يشبه للحد البعيد الواقع السوداني والانهيار الكبير الذي حدث للدولة السودانية، فإن ما يحدث في دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق وفي انهيار الحكم بالولايات المختلفة وعدم سيطرتها على الاوضاع الأمنية والاقتصادية، الأمر الذي جعل كل السوداني يأتي للمركز في البحث عن العيش والعمل والأمن والأمان، وليس مخفي على أحد احتلال جزء عزيز من البلاد في الشرق شمالا (حلايب وابورماد وشلاتين)، واحتلال جزء عزيز أيضا بما يعرف بالفشقات شرق ولاية القضارق من قبل السلطات الأثيوبية، والآن جبال النوبة خارج سيطرة الدولة، وجزء من دارفور تحت سيطرة الحركات المسلحة.
وإذا أضفنا لذلك سقوط وانهيار القضاء السوداني والذي لأول مرة يصبح تحت يد النظام الحاكم، وتؤكد ذلك عشرات بل آلاف القضايا التي رفعتها أسر سودانية ضد السلطات العسكرية والأمنية لمقتل أبناءهم في معسكرات الخدمة الالزامية، مثل قضية الطالب النابغة الشهيد غسان أحمد الأمين هارون، وضحايا معسكر العيلفون، حيث رفضت الجهات العدلية مقاضاة المتهمين، وقضية شهداء ثورة سبتمبر المجيدة، وقضية مقتل الشهيدة عوضية عجبنا، كلها لم تجد طريقها للعدالة الأمر الذي يؤكد انهيار القضاء في السودان، وذلك أكبر تأكيد على انهيار الدولة السودانية إذا أضفنا إليها قضايا فساد الرئيس وأسرته وقضايا نهب الدولة ومؤسساتها من قبل النافذين في الحزب الحاكم، واشهرها قضية سرقة الأراضي بولاية الخرطوم والمليارات التي دخلت جيوب النافذين، وهي القضية الوحيدة التي لم تنكرها الجهات الرسمية، وقضية الأقطان وما حدث في ملابساتها وتداعياتها التي أدت إلى قتل رجل الأعمال هاشم سيد أحمد عبيد.

والسؤال الذي يطرح نفسه..كيف حدث انهيار الدولة السودانية..؟.
سنوات النظام الـ 25 عاما وما حدث فيها من تطورات عاشها الشعب السوداني بكل جوارحه وذاق منها الويلات من حروب وقتل ونهب للموارد وظلم للناس، وهذا هو أحد أهم اسباب انهيار الدولة بيد حزب (المؤتمر الوطني) الحاكم  يحمل مسؤوليته الكاملة، لكن تحديدا أن أقوى الأسباب الجوهرية في اسباب هذا الانهيار هما فساد القيادة والنافذين أولا، ثم اشاعة الظلم كل أنواع الظلم السياسي والأمني والاجتماعي والاقتصادي، وللأسف الشديد أنه أثناء اللحظات التي كانت تحدث فيها الانهيار للدولة كانت شعارات الاسلام حاضرة، وكانت الهتافات الداوية والقوية، وكانت الآلة الاعلامية تعلي من صوتها وتعبر عن تمسك الدولة بالاسلام وحاكميته..!!.
وكان أخطر ما مارسته العصابة الحاكمة هو عمل القيادات الحاكمة في التجارة وهذه لا تحتاج منا لكثير إثبات وقد نشرت في هذا الموقع قبل سنوات بالأدلة الدامغة بأن وزير الخارجية علي كرتي تاجرا كبيرا للأسمنت والسيخ ومواد البناء، وهو على رأس الدبلوماسية السودانية، وعندما سألته إحدى الصحف أجاب بكل اريحية مؤكدا بأن ما نشر حول ممارسته العمل التجاري صحيحا، والآن السواد الأعظم من الوزراء الكبار والصغار في دولة الفساد هم تجار وعلى رأس الوظيفة (الحكومية)، وبما أن العصبة تتحدث عن تمسكها بالاسلام لا يمكن أن تحدث سابقة حرمها الاسلام، وهي مسألة خطيرة للغاية ولها تأثيراتها الاقتصادية في المجتمع.
إن السيرة النبوية وسيرة الصحابة الأجلاء تؤكد بأن الاسلام  حرم عمل ولاة الأمر في التجارة تحريما واضحا، ويحدثنا التاريخ بأن الخليفة عمر بن الخطَّاب في حادثة مع الصحابي الجليل أبي بكر الصديق رضي الله عنهما حين ولي أبو بكر أمر المسلمين بعد انتقال الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى ،فقد أصبح أبو بكر ذات يوم وقد صار خليفة ـ وعلى ساعده أبراد ـ أي أثواب مخططة ـ يذهب بها إلى السوق، فلقيه الفاروق عمر وسأله: أين تُريد؟ فقال الخليفة: إلى السوق، قال: تصنع ماذا ،وقد وُلِّيت أمر المسلمين؟، قال أبو بكر الصديق فمن أين أُطعم عيالي ؟ فصحبه سيدنا عمر، وذهبا إلى أبي عبيدة أمين بيت مال المسلمين ليفرض له قوته وقوت عياله، ففرض له ستة آلاف درهم في العام.
إنَّ ما يصدر عن عمر وأبي بكر وأبي عبيدة يعتبر تشريعا إسلاميا أصيلا، فثلاثتهم من كبار الصحابة وأعلامهم ،وهم في مقدمة حواريي رسول صلى الله، فهذه الحادثة تؤكد لنا أنَّ اتجار السلطان ـ شخصا كان أو نظاما ـ محرَّم في الإسلام، وأن ما جاءت به العصابة الحاكمة ليس له أي صلة بالاسلام الحنيف بل يضرب المجتمع في مقتل.


أعظم ألوان الظلم
إن النظام الحاكم نفسه أصبح تاجرا، لم يضيق على الناس في السوق فحسب بل احتكر كل السلع الأساسية التي تهم المواطنين في حياتهم اليومية، والسودانيين يعرفون بأن السوق التجاري أصبح سوق الحزب الحاكم ولا أحد يتجرأ أن يدخل في هذه المعمعة ما لم يكن نافذا في الحزب، ويقول مؤسس علم الاجتماع الحديث ابن خلدون عن احتكار ولاة الأمر للتجارة "أنَّه أعظم ألوان الظلم الذي يؤدي إلى إفساد العمران والدولة"، والتسلط على أموال الناس بشراء ما بين أموالهم بأبخس الأثمان، ثُمَّ فرض البضائع عليهم بأعلى الأثمان على وهم الغصب والإكراه في الشراء والبيع، أنَّ نتيجة ذلك يؤدي إلى كساد الأسواق، وتوقف معاش الرعايا، سبب لجوء الدولة أو السلطان إلى الاحتكار هو حاجتهما إلى الإكثار من المال بأخذهم بأسباب الترف، فتكثر نفقاتهم فيرفعون الجبايات ولا يزال الترف يزيد والجبايات تزيد وتشتد حاجة الدولة إلى المال فتدخل في مزاحمة الناس في نشاطاتهم الاقتصادية وتجنح للاحتكار.
وبيَّن ابن خلدون حكم الشرع للاحتكار بتحريمه، وقد استند في ذلك على قول النبي صلى الله عليه وسلم (المحتكر عاص وملعون) وذلك لرفع الضر عن الناس ووقايتهم من المحتكرين في حبس الأقوات وغيرها من ضروريات الحياة، ونظرية "تجارة السلطان مضرة للرعايا مفسدة للجباية" أصبحت واقعا في السودان لا تحتاج لكثير كلام ومغالطة، وفي ذلك اجابة للسؤال إن كان الإسلام يُحرِّم اتجار السلطان أو النظام الحاكم فكيف ينمو دخل الدولة؟..
من هذا الخيط يتأكد للجميع بأن ما حدث من انهيار للاقتصاد السوداني كان سببه العصابة الحاكمة لأن عجلة المال تدور في داخلها فقط وليس في دوائر الانتاج وفي الأسواق، هم القيادات المتنفذة من وزراء ودبلوماسيين وقانونيين دخلوا السوق ومنعوا أصحاب المهنة من مزاولة عملهم بالتضييق عليهم، فأصبحوا هم الحُكم والتاجر والسوق والمشتري، وهذا يفسر سبب العيشة الرغيدة التي يعيش فيها أسر وموالي الحزب الحاكم، بيدهم كل شئ،و باقي الشعب الفضل إما على ابواب السفارات (50 ألف سوداني هاجروا في النصف الأول من العام الجاري آخر تصريح لرئيس جهاز المغتربين)، والبقية يعشيشون على الكفاف.
ارهاصات انهيار الدولة من خلال تجربة شخصية
الكثير منا قد رأى بنفسه ارهاصات الانهيار منذ وقت مبكر، وفي تلك الأيام في منتصف التسعينات تقريبا، كانت الدولة تعيش في حالة فوضى إدارية غير طبيعية، واتذكر كان العاملون بالوزارات ومؤسسات الدولة في حالة غياب دائم عن مكاتبهم وفي الفترة النهارية تتحرك السيارات بالوزير والموظفين والوكلاء في بيت سماية فلان زوجته وضعت، وفلان جاء من الحج، وزواج بن فلان..إلخ والدولة كانت مشغولة بالعزومات، وشباب وشابات الحزب الحاكم ومؤسساته تكتظ بهم مطاعم السمك والدجاج في سوق الخرطوم (2) والعمارات، واستعراض السيارات الجديدة والمكاتب الجديدة، وفي الأمسيات حدث ولا حرج حيث بيوت المسؤولين لا تخلو من حفلات العشاء بالبوفيهات المفتوحة، و الوزارات والهيئات الحكومية مشغولة بالصراعات في توزيع السيارات الجديدة، ومافيا المؤتمرات تجدهم في قاعة الصداقة مع ضيوف البلاد، والسفريات الخارجية.
والأخطر من ذلك كان عدد من المسؤوليين في الحزب ومؤسساته لديهم مقرات خاصة وهي عبارة عن بيوت فاخرة جدا في الطائف أو الرياض، تستخدم احيانا في الاجتماعات التنظيمية، وهذه البيوت لا يعرفها إلا القليل جدا من خاصة الخاصة، وكانت بالنسبة لي مؤشر للفساد الاخلاقي وسط القيادات التنظيمية، خاصة بعد أن اكتشفت شخصيا فساد أحد القيادات الكبيرة، وقد فكت لي الكثير من الطلاسم والأسئلة التي الصعبة كنت أبحث لها عن إجابات، بحمدالله عرفت الكثير من الحقائق، وهذه كلها مثلت لي ارهاصات بل بداية انهيار الدولة في السودان، وبتأكيد شديد عندما ُيبلغ أي فرد عن فساد قيادي او شخص داخل المنظومة الحاكمة بالأدلة الدامغة كان ينظر إليه كعنصر شاذ ويجب ابعاده، وهذه حدثت للكثيرين وقد تم تشويه صورتهم أمام إخوانهم وزملائهم، لذلك كان البعض يسكت وكأن شيئا لم يحدث لأنه يعرف عاقبة الحديث إذا تحدث او ابلغ عن شئ رآه بعينيه.!!، فقد قتلوا المروءة في الناس.
وقديما قال أمير الشعراء أحمد شوقي:
وإذا أصيب القوم في أخلاقهم ... فأقم عليهم مأتما وعويلا
لذلك أقول بأن ما يحدث وحدث الآن في السودان من دمار كامل في البنيات التحتية وفي المؤسسات الخدمية مثل الصحة والمستشفيات وفي التعليم، ودمار الخدمة المدنية، وبيع مؤسسات الانتاج الكبيرة التي كانت تعتمد عليها الدولة مثل مشاريع الزراعة الجزيرة مثلا، والخطوط البحرية السودانية، والخطوط الجوية السودانية، هذا كله كانت له ارهاصات وبدايات، وكان القوم ولا زالوا في حالة سكر بالسلطة وتوهان وغياب عن الوعي.


بن خلدون يُشرّح الواقع السوداني الحالي
وقال الباحث السوري بمركز دمشق للدراسات النظرية والحقوق المدنية فائز البرازي في مقالته البحثية بعنوان(إبن خلدون والإجتماع العربي) أن ابن خلدون بدأ نظريته بفصل خاص تحت عنوان (الظلم مؤذن بخراب العمران) مستعرضا صورا لانواع الظلم مؤكدا أن الفسق –ارتكاب المعاصي الكبيرة –بصورة فردية لا تؤدي إلى خراب العمران بصورة سريعة كما هو حال الظلم.. نعم قد يكون ارتكاب المعاصي الكبيرة مؤذنا بخراب العمران، ولكن في حالة واحدة وهي إذا ارتكبت المعاصي من قبل النافذين في الدولة ولم تستطع يد القانون أن تطالهم، كونهم محميين بمكانتهم ونفوذهم، وبالتالي فهذه الحالة تكون الدولة ساعية في طريقها إلى السقوط، وضرب مثلاً بقصة رمزية قدمها المويذان مستشار الملك بهرام الفارسي، وذلك عندما سمع الملك بهرام صوت البُوم فسأل مستشاره: هل لي أن أفهم كلامهما؟! أجابه قائلا: "إن ذكر البوم رام نكاح انثى فشرطت عليه عشرين قرية خاربة في أيام بهرام، فقبل شرطها وقال لها إذا دامت أيام الملك أقطعتك ألف قرية، وهذه سهل مرام"، وهنا تنبه الملك.. ثم خلا بالمويذانا المستشار فقال له: "أيها الملك: لا عز للملك إلا بالشريعة والرجال، ولا قوام للرجال إلا بالمال، ولا سبيل إلى المال إلا بالعمارة ولا عمارة إلا بالعدل، أيها الملك: عمدت إلى المزارع والأرض فانتزعتها من أصحابها الذين يؤدون الخراج، وأعطيتها لحاشيتك فتركوا عمارتها وسومحوا بالخراج لقربهم من الملك، فاشتد المكس/ الضرائب على الباقين، فتركوا البلاد وهاجروا فقلت الأموال فهلك الجند جوعا فطمع بك الخصم المتربص"، وهنا سارع الملك إلى رد الحقوق فانتعش اقتصاد البلد وعادت إليه هيبته.
لكن لا أعتقد بأن الرئيس عمر البشير سيفعلها ويرد الحقوق كما فعلها الملك في هذه القصة لأن المسألة تجاوزته تماما وأصبح المال العام بين افراد أسرته وزوجته وقيادات حزبه، وإذا طلب منهم ارجاع المال سوف لا يمتثل أي فرد منهم لإرجاع المال العام، وإعادة الحقوق لأهلها، وهذا ما أثبت بأن الدولة السودانية قد انهارت تماما.



عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.