*  [1]خالد ابواحمد
التصريحات التي يدلي بها قادة الحزب الحاكم في السودان بين ألفينة والآخرى أصبحت مثار حديث الناس على إمتداد تواجد السودانيين المنتشرين على البسيطة، وبالنسبة للذين عملوا في مؤسسات النظام لم يستغربوا هذه التصريحات غير أنني استغرب كثيراً دهشة الناس حول تصريحات د. مصطفى اسماعيل في دعوته للاستعداد للحرب، ومكمن (الاستغراب) أن الرجل له تصريحات سابقة سّب وشتم فيها الشعب السوداني، وعندما نفى تصريحاته تلك أخرجت له صحيفة (الشرق الأوسط) التسجيل الصوتي ونشرته على موقعها الالكتروني، فبهت الذي كذب وأفترى الكذب، فسكت عن التصريحات حتى جاء تصريحه الأخير الذي كشف عن جهله بمدلول (الحرب) و(الاستعداد) لها وخسائر الحرب المالية والبشرية والمعنوية والنفسية..!!.
وللأسف نحن في السودان أمّعنا السكوت والخوف من بطش زبانية النظام فصمتنا صمت القبور، لأن الجماعة قد تفننوا في تخويف الناس وإرهابهم بالسجون والمعتقلات، وإغتصاب المعتقلين والتنكيل بهم، لذا لم تخرج لعامة الناس أسرار (حرب الجنوب) والتي أعتقد جازماً أنها إذا خرجت لم يتجرأ أحد من المسؤولين بالحديث عن (الحرب)، لأن ما تم دفعه فيها غال وثمين، والحرب التي استمرت قرابة العشر سنوات حدثت فيها إبادات جماعية راح ضحيتها عشرات الآلاف من أبناء الشعب السوداني من كل مناطق الشمال والغرب والشرق والوسط، وأمثال د. مصطفى اسماعيل لم يعرفوا شيئاً عمّا حدث فيها من مآسي ومفارقات..والكثير من الناس لا يعرفون ذلك ألبتة، فحق على الناس أن تعرفوا ان الحرب ليس نزهة في مركز عفراء للتسوق ولا رحلة صيد الغزلان في الدندر..!!.
قبل فترة ذكر أحد المسؤولين أن الحكومة قدمت أكثر من 40 ألف شهيد في الجنوب ولو أنني أشك في صحة الرقم إلا أنا إذا تجاوزنا ذلك، وفكرنا وقدرنا سنجد أن الذين فقدوا أطرافهم، أصبحت لديهم إعاقات وعاهات مستديمة يساوي 400 ألف جريح إذا إفترضنا مقابل كل فقيد 10 جرحي، بجروح متفاوتة فإن النائج بينهم نسبة لا يستهان بها من الذين فقدوا أطرافهم، لكننا لسنا بحاجة لهذه الحسبة لنؤكد أن (الحرب في الجنوب) خلفت من قتلى وجرحى إضافة  للذين أصيبوا بأمراض نفسية وجنون جراء الأجواء العصيبة التي كانت تمر بهم وهؤلاء في الغالب لم يتدربوا عملياً على حمل الأسلحة واستخدامها.
وهناك الكثير والمثير من المعلومات الخاصة بالحرب في الجنوب التي تؤكد أن الإقتتال بين أبناء الوطن الواحد يزرع الفتنة والشقاق بل والحقد الأسود والكراهية العمياء،ويعمق في النفوس كراهية الآخر، فكان غريباً للغاية أن غالبية الطائرات العسكرية التي سقطت إبان المواجهة بين الطرفين بفعل فاعل، لكنه ليس من الجنوبيين بل من داخل المنتسبين للقوات المسلحة كان ينفذ توجيهات الحزب المُتحالف مع الحركة الشعبية، كما لم يكن غريباً أن يكون من ضمن ضباط الجيش من يعمل لصالح الطرف الآخر، ويتم التعرف عليه وينفذ فيه حكم القتل فوراً، الحرب خلقت أجيالاً في الجنوب يمقتُون كل ما هو شمالي وخاصة أولئك الذين شاهدوا بأم أعينهم ممارسات الجيش عند دخوله مُدنهم ومناطقهم، وما يمارسه من قتل ومن حرق للبيوت..هؤلاء اليوم هم مؤيدي الإنفصال تختزن دواخلهم الأناّت والآهات المُؤلمة لا يرتاحون منها إلا عندما يأتي ذلك اليوم الذي يعلن فيه الفكاك من المغتصب..!!.
ولا يعلم مستشار الرئيس وغالبية الشعب السوداني أن هناك الكثير من الذين ماتوا في المستشفيات أيام الحرب نتيجة للإهمال، وبسبب غياب الأهل والصحبة فالمسألة كانت تحتاج مطاردة الأطباء والممرضين للاهتمام بهم وحدث ذلك بمستشفى السلاح الطبي بأمدرمان وكنت شخصياً شاهداً على ذلك، وقد شهد المستشفى ربكة غير مسبوقة في تاريخه نتيجة للزيادة المضطردة في أعداد الجرحى الذين إمتلات بهم كل مستشفيات السودان العسكرية والمدنية حتى بورتسودان والأبيض، بل المستشفيات الخاصة مثل مستشفى النيل الأزرق بأمدرمان ومستوصف الملازمين، وكانت منسقية الدفاع الشعبي قد استأجرت المستشفيات والمستوصفات لعلاج الجرحى وتم إخلاء كل المستشفيات المدنية على مستوى البلاد لإستضافة جرحي العمليات العسكرية في نهاية العام 1995 وبدايات العام 1996م وفي إحدى المرات تظاهر جرحي العمليات حيث خرجوا من السلاح الطبي حتى وصلوا إلى مقدمة كبري امدرمان للإحتجاج على سواء الخدمات المقدمة لهم، وخرجوا للشارع بأطرافهم المبتورة وهم يحملون العصي، وكادت أن تحدث كارثة لولا لطف الله سبحانه وتعالى.
وأتذكر أننا في فترة من الفترات كنا مجموعات من المقاتلين نتذكر كيف ان القوة الفلانية دخلت حقل ألغام فأبيدت فأبيدت عن بكرة أبيها، كان يتجاوز عددها الألف شخص محملين بالعتاد والمؤن، وكيف أن معركة من المعارك خسرنا فيها كل القوة، فمن نجا من القتل تم أسره، كانت كل الجبهات في جنوب السودان مفتوحة على مصراعيها في شرق وغرب الإستوائية وفي بحر الغزال بمناطقها المختلفة، ومناطق النيل الأزرق وفي الحدود مع يوغندا، وفي الحدود مع أثيوبيا، وفي جبال النوبة وبالغرب من بحر العرب، والذين كانوا يعلمون في هذا المجال كانوا يرون الطائرات العسكرية تقلع من القاعدة الجوية بمطار الخرطوم من بعد الرابعة صباح كل يوم ولا تتوقف الرحلات ذهاباً وإياباً إلا بعد الساعة الخامسة مساء، ومن الأشياء المهمة التي تحزن وينفطر لها القلب أن أعداداً كبيرة من الذين قتلوا في الجنوب جاءوا من أقاليم السودان المختلفة لم يسأل عنهم أحد، والكثير منهم لا يدري ذويهم أنهم ذهبوا للقتال في الجنوب.
إن جروح حرب الجنوب لا زالت تُدمي القلوب..
ود. مصطفى عثمان اسماعيل من دون قادة النظام بعيد كل البعد عن ميادين الحرب، وما يتعلق بالأمور العسكرية و يعيش في أجواء رطبة منذ دخوله الحركة (الاسلامية) وحتى اليوم تماماً مثل علي عثمان محمد طه، لم يتدربا يوماً عسكرياً ولم يشاهدا معسكرات تدريبية لا في السودان ولا في اثيوبيا ولا ليبيا أيام الجبهة الوطنية ضد نظام مايو، ولم يدخلا سجناً يوماً ولا معتقلات،، وطيلة عهد (الإنقاذ) هما في الظل والأضواء الساطعة والتسفار المتواصل وتنقل الكاميرات ضحكاتهما المجلجلة، وقد أمتلكا البيوت الوثيرة والفاخرة التي لم يحلموا بها يوماً في حياتهم..!!.
لذا من الطبيعي ان يدعو د. مصطفى عثمان اسماعيل للحرب ويحمس الصحافة والاقلام الحكومية على الترويج للكارثة فالذي يده في النار ليس كمن يده في الماء، وكما يقول أهلنا "جلداً ما جلدك جر فيه الشوك"، مستشار الرئيس لا يهمه أمر الناس بقدر ما يهمه موقعه في هذا الملك العضوض.
وإذا تجاوزنا خسائر الحرب التي جرت في الفترة الماضية بين الشمال والجنوب ولا زال ضحاياها ماثلون بيننا ومكابداتهم وآهاتهم، نقول أن هؤلاء..فضلاً عن جهلهم المُركب بنتائج الحرب المعروفة مسبقاً يريدون أن يقولوا للآخرين بأن الدين الاسلامي هو منطلقنا في خوض هذه الحرب وهذا كذب وإفتراء فاضح تكذبه كل المعطيات الراهنة لأن التعنّت في الوصول لنتائج تقود البلاد للأمن والاستقرار ليس لها أي علاقة بالدين الاسلامي او المسيحي فإن رسالة الأديان رسالة سامية وعظيمة تتجلى في حفظ أشاعة السلام والمودة بين الناس، كما أن مقاصد الشريعة الإسلامية السمحاء تتمثل في (حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال) ليس الإعتداء على الآخرين لكن رغبتنا في التكويش تقف عائق دون ذلك.
وفي كتابها (الحرب المقدسة.. الحملات الصليبية وأثرها على العالم اليوم) تقول المؤلفة كارين أرمسترونغ "أن  الحرب الصليبية امتزجت بها الدوافع الشخصية والمغامرة والمُثل المسيحية فكانت هذه الحملات، كما أوصلت تداعياتها وتطوراتها حالة من المساواة الجديدة المفروضة بين الفقراء والعاديين من الأوروبيين وبين الفرسان والنبلاء الذين جعلتهم المحنة والغربة والحاجة متساوين تماما، مما أعطى الفقراء فرصة بالشعور أنهم من الصفوة، وكانت غنائم بعضهم من الوفرة التي تجعلهم في مصاف النبلاء وتحررهم من شعور طويل متراكم بالمذلة والعبودية، وتعززت فكرة الصليبيين الفقراء الباحثين عن العدالة والمساواة".
وتذكر أن الصليبيين عندما وصلوا إلى القدس ودخلوها قتلوا كل من وجدوه في طريقهم من رجال ونساء وأطفال كما لو كانوا يستعيدون المشهد التوراتي الذي صور دخول يوشع بن نون للمدن والمناطق نفسها قبل ألفي عام، وفي ذات الاطار ذكر ريمون داغويليه الذي كان يرافق الحملة "أن رؤوس الناس كانت تقطع ويلقى بجثثهم في الشوارع، وحرق الكثير وعذبوا وألقي بهم من أبراج المدينة، وأما هيكل سليمان حيث تقام خدمة الرب فربما كان المشهد - كما يروي داغويليه- جذلاً لا يصدق، فقد غاص الرجال حتى الركب وأعنة الخيل في الدماء، وقتل في يومين زهاء 40 ألفا من أهل المدينة".
وفي المقابل أن صلاح الدين الأيوبي عندما خلف نور الدين زنكي مدشناً حرباً شاملة على الصليبيين، وأصبح الوجود الصليبي في الشرق ضعيفاً وهامشياً، فقد أوقع صلاح الدين جيوش الصليبيين في فخ بالغ الإحكام والذكاء وأباده تقريبا عن بكرة أبيها، وسقطت القُدس تلقائيا بعد معركة حطين عام 1186 بيد صلاح الدين الأيوبي، وجرت بعد ذلك عمليات واسعة لإطلاق سراح بقايا الصليبيين من الأسرى وجمع شملهم بعائلاتهم، ونقلهم إلى بلادهم أو بقايا مدنهم على البحر المتوسط مثل عكا وصور.
وتقول المُؤلفة "إنه لم يقتل مسيحي واحد من المدنيين بعد معركة حطين، ومازال صلاح الدين موضع تقدير العالم المسيحي، ونسجت حوله الأساطير الضخمة إلى حد اعتباره أحد القديسين المسيحيين"..!!.
فدكتور مصطفى اسماعيل وعلي كرتي وغيرهم من منظري النظام يحتاجون لقراءة التاريخ، وقبل هذا وذاك هم مُطالبون بمعرفة الدين الذي يزعمون انهم ينطلقون من موجهاته في حكمهم للبلاد والعباد.

السابع من اكتوبر 2010م

khalid abuahmed [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]