عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

الانتخابات التي جرت في السودان حالياً وما فيها من تجاوزات تاريخية، ومتناقضات ومفارقات ومبكيات مضحكات قدمت للذين يقرأون التاريخ دروساً وعِبر لا تنتهي في الإصرار والتمسك بالنهج الذي ارتضته النفوس مختارة لا مُكرهة، بمعنى أن الانتخابات أكدت لنا جميعاً بأن الثلة الحاكمة تصر إصراراًً شديداًً على المضي قُدماً في سياسة تجهيل الناس، وظلمهم واللعب عليهم وتصغيرهم، وأهم من ذلك كله أنها تؤكد بإصرار بالغ الاستغراب لن تتخلى عن نهج التشبث بالسلطة في الوقت الذي يموت فيه الناس بالعشرات سواء كانوا في دار المايقوما للأطفال مجهولي الوالدين، أو في الجنوب أو دارفور أو داخل المعتقلات، المهم أن عمر البشير يبقى رئيساً لهذا الوطن المغلوب على أمره، ولو مات كل الشعب السوداني جُوعاً وفقراً ونهباً ومرضاً وغُبناً..!!!.

 

لكن من الدروس المهمة في تجربة هذه الانتخابات التعرف على النماذج السودانية الحقة التي كشفت بتميزها أن السودان فيه رجال يملأون عين الشمس، يملكون الصلاح والصلاحية لحكم هذه البلاد التي تتلون بكل ما يُجملها ويجعلها شامة في محيطها العربي والأفريقي، وقد عمل النظام الحاكم على مدى عشرين عاماً ونيف على أن لا يمنح الفرصة لأحد لحكم البلاد وإن كان يمتلك المواصفات التي تمكنه من التقدم بها للأمام إلى مرافئ التطور والازدهار غير عمر البشير الذي ثبت أنه قد أضاع البلاد وتؤكد ذلك الحقائق على الأرض، والتقارير الدولية في التنمية البشرية والشفافية والنزاهة، فضلاً عن السياسة الخرقاء التي يتبعها النظام مع القضايا الوطنية، وفي علاقات البلاد المتوترة مع الكثير من الدول الداعمة للسودان.

 

كان مُؤلمٌ للغاية ومبكي أن يُكرر ذلك المشير محمد حسن سوار الذهب التأكيد بأن عمر حسن البشير هو السوداني الوحيد الذي ولدته أمه صالح لحكم السودان، حديث لا يمكن أن يُصدر من شخص عادي، لكنه في كل الأحوال حديث يُجرد السودان من الرُجولة والتميّز والتفرُد، بل وينم عن جهل قائله، لأن داخل الثلة الحاكمة نفسها أشخاص يُمكن أن يحكُموا السودان أفضل بكثير من عمر البشير دعك من د. ياسر عرمان، ود.كامل إدريس، وعبد الله دينق، الذين يملكون كل المواصفات التي تجعل السودان يتجاوز مشكلاته، ويكفي فقط أنهم غير مدانين داخلياً ولا خارجياً، ولا مطلوبين في محاكمة جنائية دولية، ولم يمارسوا الإبادة الجماعية على فئة من فئات الشعب السوداني، والسودانيون الذين أعرفهم يديروا الآن كُبرى مُنظمات الأمم المتحدة في التنمية البشرية، والتنمية الصناعية، وآخرين في بلاد كثيرة يديرون دُولاً بكل ما تحمل هذه الكلمة من معنى.

 

تجاوز الخطوط الحمراء

 

لكنني أقول بكل صدق وأمانة أن السوداني الأصيل ياسر سعيد عرمان المُنسحب من سباق الرئاسة في الانتخابات برغم اختلافي الفكري معه قدم درساً بليغاً ليس للمؤتمر الوطني فحسب بل لكل السودانيين، نعم...أدرك أن ماكينة إعلام الحزب الحاكم بقيادة الطيب مصطفى – صاحب منبر الانفصال واسحق أحمد فضل الله - وباقي الكومبارس الحكومي الذي يرتزق من تعب وكد الشعب السوداني قد حاولوا بشتى السبل تكريه الناس في ياسر عرمان..لكن سبحان الله الذي أودع في النفوس نعمة العقل والإدراك فإن كل الذين استبانوا الحقيقة وتجاوزوا شهوات أنفسهم قد رأوا في ياسر عرمان الشخص المؤهل لحكم البلاد، فهو لم يدع الإسلام..كما لم يدع الدفاع عن أي دين، وقد وصفته الثلة الحاكمة التي تتلبّس الإسلام بأقبح الكلمات، كما تعودت.. لم تراع في عدائها للآخرين قيم الإسلام الذي تدعي الدفاع عنه، فتجاوزت الخطوط الحمراء لكن ياسراً كان يدري مسؤولياته ويقف عند حدود الأخلاق، التي أتى بها رسول الإسلام الذي ما جاء إلا ليتمم مكارمها .. ولم يكن صعباً علي عرمان أن يسحب أقرب (كلاشنكوف) ويُردي من تجاوز حدوده قتيلاً، لكنه كان حليماً ولا أظن أن ياسراً كان سيُلام إن فعل ذلك، مادام أعداؤه قد تجاوزوا التنافس الانتخابي والسياسي إلى الزج بأسرته في أتون المعركة..أعطانا جميعاً درساً في الحِلم.. والوعي الوطني، وقبع أعداءه في كهفهم المظلم..يخيطون في الدسائس والمؤامرات وآخرها فضيحة تزوير الانتخابات والتي تم الكشف عنها بالأدلة الدامغة وقد عمت القنوات الفضائية والدول والقرى والحضر..!.

 

يوماً ما في منتصف ثمانينيات القرن الماضي.. المكان جامعة القاهرة فرع الخرطوم حينما كانت ندوات (الاتجاه الإسلامي) تجذب الناس من كل فج وصوب كان الفقيد الراحل معتصم الفادني يبكي الحضور بحديثه العذب الذي يلامس شغاف الروح، وكان طارق محجوب وعبدالله جابر، والمحبوب عبد السلام معالم بارزة في الحركة الطالبية السودانية آنذاك، كان ياسر عرمان بلباسه ذاك وشعره الأغبر وبنطاله القديم الممزق يجلس القرفصاء وهو يقرأ في أحاديث أنداده من الإسلاميين مآلات الحاضر الذي نعيشه حالياً بكل ما فيه، كنت أقول في تلك الأيام أن الشباب والطلاب دوماً أكثر صدقاً من الساسة المحترفين، وقد ارتبطت للأسف كلمة السياسة عندنا بـ(الخساسة)، لما فيها من كذب ومراوغة وذاتية مُمعنة في الغباء والأنانية وتقديس السلطة والاقتتال من أجلها ولذلك تمارس فيها كل ما هو غير إنساني وغير أخلاقي فليس غريباً أن ننكر استخدام الدين في هكذا صراعات.

 

القوم كان هذا دأبهم يمارسون كل ما هو خارج عن الدين ويكررون موسيقاهم المشروخة، والدين الحنيف الذي جاء به رسول الرحمة صلى الله وعليه وسلم برئ مما يُكررون، قد شعروا بأن شعار (الإسلام) الذي جاء بهم إلى السلطة لا بد وأن يستمروا في استخدامه من أجل استقطاب الناس واستمالتهم، مع تصوير المخالفين لهم على أنهم هم الكفار، يريدون قلع الدين من أفئدة الشعب السوداني، لذا وجب استئصالهم وقتلهم وإبعادهم عن الساحة، وتكرار ذلك بكل أدوات التعبير المباشر وغير المباشر لإقناع القاعدة الجماهيرية باستيعاب هذه الرسالة التي دفع من أجلها المجتمع السوداني الكثير من المال والدماء.. والأتاوات التي تؤخذ منه بالقوة الجبرية.

 

ومن هنا كانت كراهية قاعدة المؤتمر الوطني وكُتابه ومُدعي المعرفة فيه للأخ ياسر عرمان برغم أن الرجل في خطابه العام للجماهير لم يستخدم منطق الجُهلاء خالي الوفاض الذين جعلوا الشتيمة والإساءة للآخرين منهجاً لهم في حياتهم وفي تنافسهم السياسي، وفي عهدهم عرف عن السودانيين  قاطبة ( شعب الشحاتين) و(العواليق)، كما أضاف رئيس المؤتمر الوطني عمر حسن أحمد البشير لأول مرة في تاريخ الجمهوريات في العالم معجم للإساءات الرئاسية لمخالفيه الرأي.. على شاكلة (تحت جزمتي دي) و(نقطع راسو) (بلوا وأشرب مويتو) و(نقطع أوصال من يؤيد أوكامبو)..والقاعدة الإسلامية تكمن في حديث رسول الله (ص) "إن المسلم من سلِم المسلمون من لسانه ويده" ونحن من مجمل المسلمين لم نسلم لسانهم وأياديهم الملطخة بالدماء.

 

معجم عمر البشير للإساءات

 

أصبح من السهل تأليف كتاب عن معجم الإساءات التي أطلقها قادة المؤتمر الوطني في حربهم مع الشعب السوداني ومع الآخرين منذ العام 1989 وحتى تاريخ اليوم، حتماً ستكون مادة الكتاب دسمة تستفيد منها مراكز الدراسات والبحوث العالمية، لكن خطاب ياسر عرمان كان قريباً من نبض المواطنين، تحدث إليهم بصدق وعفوية غير مصطنعة، ولا ركيكة، زاخرة بعبارات الصدق مع النفس واتسمت بالحقائق المجردة، مثلاُ في خطابه الجماهيري بدارفور التي استقبلته بحفاوة بالغة قال لهم " أنتم أهل القرآن وخاصته..وأنتم أول من كسى الكعبة الشريفة..لا تصدقوا من يأتي إليكم من الخرطوم ويقول أنه رسول الإسلام ويريد أن يخرجكم من الظلمات إلى النور، هؤلاء يكذبون عليكم لا تصدقونهم"..!!.. ياسر عرمان دعاهم للوحدة ولنبذ العداوات بينهم، ودعاهم للتآخي.. وأكد لهم "لا فرق بينكم كلكم أبناء السودان وكلكم مسلمين"، كانت هذه هي ملامح خطاب عرمان في أكثر من مكان في السودان لم يتعرض لأسرة قيادي في المؤتمر الوطني ولم يسّب أحداً من الناس، كل خطاباته لم تخرج البتة من حركة التنافس السياسي الشريف، برغم أن ياسراً في اعتقاد أهل المؤتمر الوطني كافراً..!!.

 

هذه النقطة ذكرتني بقصة السوداني الذي تزوج من أوربية غير مسلمة وجاء بها للسودان وكان أهله يصفونها لدى ابنهم بـ (الكافرة) وفي مرة من المرات سافرت الأسرة لمنطقة داخل السودان وتركت الأوربية مع والد زوجها الذي كان يعاني من أمراض كثيرة فقامت زوجة الابن الأوربية (الكافرة) بالرعاية الكاملة لوالد زوجها في إعداد الطعام الملائم لصحته وتقديم الأدوية في مواعيدها والوقوف على كل احتياجاته وكلما نادى عليها وجدها قربه.. وأظهرت اهتماماً شديداً به  وعندما أتى الابن مع الأسرة من السفر سأل والده قائلاً "أها يا أبوي.. (الكافرة) كيف عملت معاك..؟.فرد الأب والله يا ولدي... الكافرة أمك..!!.

 

ضياع السودان

 

ومن خلال الانتخابات التي جرت مؤخراً فقد كان ياسر عرمان الأصدق بين المرشحين في الحديث حول الوحدة بين الجنوب والشمال أو انفصال الجنوب عن الشمال،  طالما أنه حقق هذه الوحدة برباط مُقدس بزواجه من جنوبية كاسراً الحاجز الاجتماعي القوي، الذي لم تتمكن نُخب السياسة من كسره حتى في تاسيساتهم الفكرية السياسية، أو في مبادرة ولو على المستوى الشخصي منهم، مثلما فعل ياسر عرمان على مستوى الرباط الزوجي، وقد كان معروفاً بأن الانحياز لقضية الجنوب في فترة من تاريخ السودان يعتبر خيانة وعمالة وتخرج الإنسان من ملة المسلمين، كأن الإسلام لم يأمر بالعدل والوقوف مع الحق حتى مع ذوي الشنآن، إلا أن الأيام أبانت وفي 21 يوم فقط عاشها الزعيم جون قرنق في الشمال أن الحركة الشعبية تنطلق من فكر وحدوي مشروط ومستحق، وأن الرجل كان مُصلحاً أكثر من كونه مجرد محارب، وقد كان عند دخوله القصر الجمهوري يسلم على الناس بيده فرداً فرداً ويخص بذلك العاملين في القصر الرئاسي من الفراشين والمزارعين داخل حدائق القصر، والسُواق والعساكر من الرُتب الدنيا، والذين يقفون على خدمته، عكس الشماليين الذين إما سرقوا السلطة بليل أكبر جهدهم السيطرة على القيادة العامة، والمدرعات و الإذاعة، أو طائفية تنتظر الشعب أن يضحي ويقدم لها الحُكم في انتفاضة كما فعل في أكتوبر وابريل، لذلك ما أسهل أن يضيّع مثل هؤلاء الحُكم، وما أصعب أن يضيع السودان من كان يناضل نصف عمره بين الأحراش من أجل قضايا شعبه والمهمشين الذين بعد موته أصبحوا مهشمين ينتظرون سودانياً قحاً مثله يرفع شعار (رفع التهشيم عن كل الشعب السوداني)، ساسة الشمال هم الذين يخلقون الحظ السيئ للشعب السوداني، فأصبح حال الناس أثناء كل حكم كمن ينتظر مهدياً ثانياً يضئ لهم على الأقل شمعة أمل يتلمسون بها طريقاً يحفظ السودان من أيام كالحات قادمات لا يعلم تبعاتها إلا الله، والراسخون في السياسة وحب الوطن يسألون الله اللطف بالبلد.

 

ياسر عرمان هو الظاهرة السياسية الشمالية  الجديدة والتي كان يمكن أن تكون أي شخص غير (ياسر) يخرج من رحم فشل المسيرة السياسية الشمالية الطائفية العسكرية الاسلاموية السودانية المنحدرة منذ الاستقلال عمودياً، وإن كان ظهور شخصية مثل شخصية ياسر يصعب في البيئة الاجتماعية الشمالية التي تألف الأعراف السائدة التي يصعب الخروج عليها وكسرها كأن لسان حالها يردد قول الإمام أبي حامد الغزالي ( ليس أفضل مما كان)، إلا أن ياسراً تحلى بالشجاعة في كسر هذه الأعراف،  وأضحى الكثيرون بسببه في شمال اليوم تترسخ لديهم كل يوم فشل عقلية الأنظمة السياسية السودانية الشمالية وإتباعها سياسة تضييع الوقت والمراوغة في قضايا ظاهرة للعيان يمكن أن يحسمها أي شيخ حلة أو شيخ إدارة أهلية في الريف السوداني وبدأ خروج جماعي من المنظومة النخبوية السياسية العسكرية الطائفية الاسلاموية القبلية الشمالية.

 

عرمان إفراز لرؤية جديدة

 

أن حركة الدين والتاريخ والاجتماع في السودان تؤكد أنه لابد  من ظهور شخص ما في طور ما  ليحمل فهما جديداً للسياسة السودانية وليكون مفترق طرق جديد منفصل المسار عن  النخبة الطائفية العسكرية الاسلاموية القبلية التي سادت السودان منذ الاستقلال وبين رؤية جديدة بدأت تترسخ لدى الكثير من الشباب، لذا خصوم مثل هذا الشخص والذي هو بين الذين ترشحوا للكرسي الرئاسي -ياسر عرمان- سيكونون شيوخ الطائفية والعسكر والاسلامويون القدامى والجدد والعنصريون  لأنه إفراز لرؤية جديدة ستنسف احتكار هذه النخب التي فشلت في تقديم رؤية تنقذ السودان وأصبح حالهم كحال  هشام الثاني بن الحكم آخر ملوك غرناطة و آخر حكام بني أمية الأندلس  يبكي  كالنساء مُلكاً لم يستطع المحافظة عليه  كالرجال، وفي نفس الطريق يسير الوهم السياسي الطائفي والعسكري والاسلاموي والقبلي والذي لن يقف عند انفصال الجنوب بل سيتسع ليتناحر الشمال نفسه، فإذا كان المجاهدون الأفغان بعد انهيار الاتحاد السوفيتي لم يجدوا عدواً يقاتلونه فاقتتلوا فيما بينهم فما المانع من الاقتتال الشمالي- الشمالي والذي بدأت شرارته في دارفور والشرق مع استقطاب قبلي جاهلي في الوسط والشمال، لا كابح له إلا ظهور شخصية شبيهة بشخصية عجيب المانجلك الذي بالمُقايسة تتفوق عقليته السياسية التي مضى عليها أكثر من 400 سنة على سياسيينا الحاليين الذين رأوا العالم الحديث وتخرجوا في جامعات الدول العظمى ولم يتعلموا فن سياسة يصلحون به حال البلد، ولا خدموها بمجالات تخصصاتهم الأكاديمية فإذا بالفشل فشلين على المستوى الشخصي وعلى المستوى القومي، كما قال أستاذنا محمد موسى جبارة في مقاله الأخير، وان كنا نحن من يُطلق علينا الشماليين أهل إسلام حقاً فلندرك أن السُنن الإلهية في مسألة الظلم  الذي حاق بشعب الجنوب الوديع لن يمضي دون قصاص إلهي للشمال، سندفع ثمنه جميعاً الفاعل والصامت والرافض ما دمنا على أرض السودان وهذه هي سنة الله، فسيصحو الشمال يوماً على ما اقضي مضاجع الجنوب لسنوات دون جريرة، فأي دين عولجت به قضية الجنوب سوى دين الاستعلاء الأخرق، من هو الشهيد بمقاييس الحديث الشريف ( من مات دون ماله أو عرضه فهو شهيد).

 

ليست القضية ياسر عرمان (الدم واللحم)، ولكن مسيرة التغيير التي بدأت تنطلق وسط الشباب السوداني، فياسر مجرد بداية لعصف ذهني سياسي ينسف القديم لصالح الجديد ويكسر الحاجز النفسي المتمسك بالقديم والذي لابد لحدوثه من ظهور  شخصية تتحلى بالشجاعة والخروج عن الموروث الخاطئ، وقديماً لكي تنطلق دعوة الإسلام في بداياتها كان لا بد أن يكون هناك بلال وعمار وخباب ليخرجوا عن مألوف قريش ويُعذبوا ليكسروا حاجز الخوف لدى الغير فيدخلوا في الدين الجديد، وكان ذلك.. والغريب أن عمار، وبلال، وخباب يلتقون مع جون قرنق في العِرق، وكان بدهياً أن يستصغر أهل الاستعلاء بالدم من القرشيين شأنهم إلا أنهم ما لبثوا أن دخلوا في الدين قهراً بفتح مكة، فلينتبه لهذا الربط التاريخي من كانت فيه ملكة (انتباهة) حقيقية.

 

 الشارع السوداني على مستوى الشباب أصبح يتناول في أحاديثه مصطلحات المساواة والعدالة والنزاهة وحقوق الإنسان، والنأي عن تقديس الشخوص لمجرد انتمائهم العائلي، وهذا هو بداية الطريق الصحيح للدولة المدنية، ثم إن ياسراً أيضاً كان أحد أطراف الاستحقاق الانتخابي الحالي بجهوده مع الحركة الشعبية والتي بسبب اتفاقية السلام أحدثت انفراجاً في مساحة الحريات ورفع حالة الطوارئ، وكسر القبضة الواحدة، ياسر عرمان قيم على الحفاظ على حقوق المواطن أكثر من الذين جربناهم، والعجب أن كثيرين من حملة المصاحف يصفونه بساقط القول ولكن لم نقرأ أو نسمع له قولاً ساقطاً في حقهم، لعل السجال الحالي في السودان يمثل غربلة يتعرف الناس من خلالها على القيم الصحيحة للدين ولدولة الحقوق، فليس كل من حوّقل أو بسّمل جماهيرياً متديناً، وقد يكون في (نظر الناس غير متدين) بسبب إخفاء  علاقة تدينه متديناً لأنه يوقن بأن الحكم لله ولا يبالي بحكم الناس عليه، وقد كان الشاعر المرهف محمد عبدالحي خجولاً في عبادته ولا يتوضأ أو يصلي منفرداً أمام الناس، وقد ظهرت له كرامة عندما مر بأحد الدكاكين التي يمر بها يومياً متجهاً إلى منزله فإذا به يقف ويخاطب الجلوس قائلاً " الدكان ده حا يحرق بعد كم يوم".. فإذا ببصيرته تتحقق، ولكننا لا نرى لذوي التدين بالصوت العالي أي رؤى شفيفة تتحقق سوى العنت والرهق والضنك من ظاهريتهم الدينية..!!.

 

صحيح أن ياسر عرمان انسحب من الانتخابات في قسمة لم يفصح عنها، لكنني أر أن تغطية الأمور بهذه الطريقة لا تحل المشكلة، وستستمر ظاهرة عرمان في شماليين آخرين، فإن كان قد سُحب ترشيحه مساومة بإقامة الاستفتاء عندها يكون الجنوبيون قد أفلحوا على الأقل في إقامة جنوبهم الجديد وتقلصت فكرة السودان الجديد، فمن سيكون العدو القادم لدولة الشمال الفاشلة منذ إرهاصاتها الأولى غير العداوة الشمالية الشمالية فالطبع يغلب التطّبع...!!.

 

 

 

 خالد عبدالله- ابواحمد

صحفي وكاتب سيناريو

مدونتي على النت وصوري الخاصة

http://khalid-abuahmed.blogspot.com/

http://www.flickr.com/photos/21900737@N07

 مملكة البحرين

موبايل

0097336300980

 

 

مقالاتي على موقع مجلة صدى الأحداث

http://www.sadaalahdas.com/articles.php?action=listarticles&id=2