عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
Web. Maqamaat.net

كنت مديرا لإدارة الشؤون الأمريكية فى وزارة الخارجية الأعوام 1996-1999 وكان الأخ السفير عبد الغنى النعيم الوكيل الحالى للخارجية قائما بالأعمال فى كندا فبعث إلىّ بكراستين من الورق اللامع glossy كانتا عن حضارة النوبة احتوتا على تحف أثرية هامة صعب علىّ وقتها قبول أنها من صنع الأولين قبل آلاف السنين: أوان من الخذف والزجاج الملون بالوان زاهية كأنها من مصنوعات القرن العشرين. ولعل الكراستين من مطبوعات معهد فى تورنتو يعنى بآثار النوبة. ولم يمض طويل وقت حتى أرسلت سفيرا للسودان لدي اليابان فتأبط الكنزين معى إلى هناك. فعمدت فى طوكيو إلى جعل بعض تلك التحف صورا كبيرة علقت على جدران الدرج حتى تسر وتسترع إنتباه الناظرين زوار السفارة من اليابانيين. و بالفعل بمساعدة من الدكتور موسي محمد عمر السفير الأسبق وقتها والمقيم فى اليابان أجرت معى إحدى القنوات اليابانية حوارا مطولاً من ثلاث حلقات عن تأريخ وجغرافيا السودان اشتمل على المواقع الأثرية فى شمال السودان. وعند بث الحلقات فوجئت بأن القناة كانت قد أوفدت فرقة إلى السودان استندت فى التصوير على إفاداتى لها متتبعة منابع النيلين الأزرق والأبيض وصولاً الى البجراوية والنقعة والمصورات وجبل وأهرامات البركل استنطقت فيه بعثات للآثار تصادف وجودها فى تلك المواقع أمنوا على إفاداتى وزادوا عليها فأثارت الحلقات إهتمام الكثيرين وهو ما رمينا إليه. واتصل بى صاحب وكالة سياحة مصرى مقيم فى اليابان مقترحا ان يضم مواقع السودان الأثرية إلى مجموعات السياح اليابانيين التى كانت تفد سنوياً إلى مصر بعدد يقارب العشرين ألف سائح.ولم يطل مكثى فى اليابان حتى أقف على ذلك حيث نقلت إلى الولايات المتحدة . ويقينى أن الزملاء الذين خلفونى قد بذلوا الجهد لتحقيق ذلك كالعهد بهم.ولما كان الشئ بالشئ يذكر فقد أطلعنى الدكتورموسى محمد عمر على فيديو أو لعله فيلم قصير من إنتاج بريطانى اجتهد فى توكيد أن المصارعة اليابانية ليست سوي محاكاة وتطوير لمصارعة جبال النوبة المعروفة.
لكن أهم ما استرعى إنتباهى شريط لأمريكى فى جامعة بوسطن بالولايات المتحدة ابتنى فيه معبد آمون رع فى سفح جبل البركل على الحاسوب متخيلاً خيالاً يستمد مادته من واقع بقايا المعبد القوية المتمثلة فى الأعمدة التى لم تزل صامدة وشامخة وتماثيل الكباش التى تزين مدخل المعبد. كذلك النتؤ البارز فى قمة الجبل الذى يجعلك تشفق على الموقع الأثرى من سقوطه. قالوا فى شانه أنه كان تمثالاً لحسناء تحمل فى يمناها كرة عظيمة من البلور أو من المعدن الثمين الأصفر تشع ضياء فى كل الأرجاء عند شروق الشمس وغروبها. ولا ريب فأنت هنا فى معبد إله الشمس!
ماذا لو أنفقنا جزءا من المنحة القطرية ,المقدرة والتى تشكر عليها دولة قطر الشقيقة فهى خدمة عظيمة للسودان و للحضارة الإنسانية, فى إعادة بناء معبد آمون بحسنائه صاحبة الكرة البلورية أو الذهبية المشعة بالضياء؟ ألا يسع الفقه الذى سمح بترميم تلك الآثار جميعاً هذا الصرح الهام الذى أصبح أثراً لا يصلح لعباده فقد تعبد أهل هذا البلد بعده بديانات موحاة من السماء.
لو أقيم هذا الصرح وتمت حمايته وأسرجت الثريات فى عرصاته ليلاً وتبع ذلك قيام بنى تحتية سياحية, فنادق ومراكب مائية ومنتزهات ضخمة للتسلية, لأصبحت هذه البقعة قبلة للسياح من كل مكان ولنهض بهذه البقعة الهامة من الوطن ولوفر للشباب فرصاً للعمل ولذويهم العودة إلى أوطانهم الصغيرة ولأهل السودان قاطبة من أهل الحرف والكفايات المختلفة فعمروها ولأصبحت مواطن هذه الآثار مصدرا من مصادر الدخل القومى بدلا من أن تظل عالة عليه. أقول ذلك عن حيثيات فقد أخذت سفراء الدول الغربية فى شتاء عام 2008 أثناء ترؤسى لإدارة الشؤون الأوروبية إلى سد مروى وآثار البركل ونورى ووقفت على الدهشة تعلوا وجوههم من ثراء المنطقة من الآثار وعبق التاريخ وتباروا فى التعبير عن مساهمة بلدانهم فى التنقيب عن تلكم الآثار. قال لنا سفير بولندا وقتها إن البعثة البولدنية للحفريا ظلت تعمل فى مناطق الآثار فى نهر النيل والشمالية منذ ستنيات القرن العشرين. أغنت سفير إيطاليا عن الكلام الأفعال إذ وجدنا قريبا من الجبل بعثة إيطالية فى برد قارس حتى بالنسبة لهم.سالناهم عن الموقع الذى كانوا يحفرونه فاشاروا إلى أحواض حمامات من الحجر (بانيو) يطابق تماماً شكلا وحجماً (بانيو) عصرنا هذا الذى نعيشه. قال الرجل هذه حمامات الملكات فى العصر السحيق! فامتلأت نفوسنا فخراً : جداتنا النوبيات كن يستحممن فى بانيو قبل آلاف السنين بينما كان من استعمرونا من نسل يافث يعيشون فى الكهوف. أورد السفير الأمريكى الأسبق دونالد باترسون فى كتابه Inside Sudan معلومة لعله استقاها من مصادر تأريخية أن معبد آمون عند جبل البركل كان من عجائب الدنيا! وعند الجبل عند مدخل معبد آخر منحوت داخل الجبل ,حجر تذكارى لترهاقا من القرانيت كالذى تجده الآن عند مداخل الفنادق الكبرى والمؤسسات ينوه بمناسبة وتاريخ إنشاء الموقع أو المبنى, يتباهى فيه الملك الضخم الذى حرر بيت المقدس من الغزاة الفرس كما ورد فى العهد القديم بإنتصاراته. واللغة مقروءة لأنها كانت باللغة الهلوغروفية التى فك رموزها الفرنسى شامبليون.
كنت قد كتبت وقتها عن تلك الرحلة مقالة بعنوان " هذه الأهرامات ماذا دهاها" أشرت فيها إلى حالة الآثار المحزنة محذرا بانها ستصبح بمرور الزمن أثرا بعد عين كاهرامات تجاور تلك القائمة اليوم خلف الجبل وفى نورى, غدت أكواماً من الحجارة والتراب. وأشرت إلى شكايات شباب يعملون فى مجال الآثار من الإهمال وان بعض الآثار تباع علناً فى سوق كريمة. فهل من سامع هذه المرة؟ أتمنى ذلك.