( قديم طاله بعض تجديد!)

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

اقتحمنا عالم الدكتور طه حسين باكرا ونحن صبية فى السنة الثانية وسطى ( أى فى المدرسة المتوسطة وتلك السنة الدراسية تعادل حاليا الصف السادس من مرحلة الأساس ). كان ذلك عبر سيرته الذاتية فى كتاب "الأيام". وقد كان هدية من أستاذنا عبد الله محمد على الذى كان مشرفاً على الجمعية الأدبية فى أميرية مدنى الوسطى مكافأة على مشاركة لى فى احدى لياليها البهية مع زميلين آخرين هما ,إن صدقت الذاكرة العجوز, الأخ الدكتور ( حالياً) عمر محمد أبو القاسم مؤسس كلية ( قاردن سيتى) والأخ الباشمهندس محمد الفاتح سيد مضوى , نجل الشيخ الجليل سيد مضوى صاحب أكبر المكتبات فى المدينة وقتئذ . وقد شد إنتباهى لذلك الكتاب تجربة شبيهة بتجربة طه حسين فى الكُتاب, عشتها لأشهر قلائل فى خلوة صغيرة فى حى السجانة بالخرطوم .فكتبت فى صحيفتنا الحائطية فى المدرسة والتى كانت تسمى " الثقافة " سلسة أحاكى فيها طه حسين أطلقت عليها اسم "خواطرى". ثم دلفنا الى مؤلفاته الأخرى بشغف : "الوعد الحق "والذى أنتج استنادا اليه فيلم " ظهور الاسلام" والذى سبق أن شاهدناه فى سينما الخرطوم جنوب أو ربما الوطنية غرب لست متيقنا أى ذلك كان . ثم قرأنا على" هامش السيرة" ثم المجموعة القصصية "المعذبون فى الأرض" والتى كأنها كانت محاكاة كمحاكاتى لكتاب " البؤساء" فى مضمونها المصور لأحوال المسحوقين من ولد آدم فى مختلف الأزمان والأمكنة. "المعذبون فى الأرض لطه حسين كان مجموعة قصص قصيرة تعد مرآة صادقة لمجمتع مصر أربعينيات القرن العشرين فكأن رواية فيكتور هوغو "البؤساء" , وما اشتملت عليه من صور البؤس فى المجتمع الفرنسى فى القرن التاسع عشر , قد قدحت فيما أحسب , زناد الفكرة فى مخيلة الدكتور طه حسين الذى كان مولعاً بالثقافة والفكر الفرنسى . وقد أحسن ترجمة تلكم الرواية الرائعة أعنى "البؤساء" شاعر النيل حافظ ابراهيم . وقد أحسنت" دار الهلال" يومئذ حين أعادت طباعة الكتاب وجعلته فى متناول الأيدى بتلك الطبعة الشعبية . وكان المرحوم وليام خليل قد أهداني نسخته التى كانت من تلك الطبعة الهلالية الزهيدة الثمن وقال لى إنه رغم انها كانت زهيدة الثمن حين اشتراها قبل عقود طويلة خلت , إلا أنها ظلت حبيبة إلى نفسه فأوصانى بها خيرا بأن لا تهدى ولا تباع! وحكمنا على حسن ترجمة حافظ بعد مشاهدة الرواية بعد أن تحولت هى أيضا الى فيلم سينمائى بذات العنوان كان بطلها أحد مشاهير الممثلين البريطانيين( ليام نيسون) و حيث تطابقت بدقة أحداث الفيلم مع ما جاء فى الرواية المكتوبة . وقد تلا ذلك الفيلم فيلماً غنائياً لذات الرواية فى السنوات الأخيرة. ثم قرأنا لطه حسين روايته المعروفة" دعاء الكروان " والتى انتجت فيلما تولى بطولته الفنان أحمد مظهر والفنانة فاتن حمامة والفنانة زهرة العلى ولعل الفنانة القديرة أمينة رزق كانت ضمن تلك الكوكبة من الممثلين المرموقين . وقد أحسن المخرج بدعوة الدكتور طه حسين شخصيا ليقدم للفيلم بصوت جهور فخيم . لا يزال صوت هنادى (زهرة العلى) يتردد فى مخيلتنا كما تردد فى الفلاة يوم أن صدر عنها وهى تستغيث وقد سدد خالها ناصر طعنات قاتلات الى صدرها يغسل بدمها عار الفضيحة حيث لم تملك الأم المكلومة سوى أن تسأل أخاها فى استكانة من ألجم لسانه من الشكوى, عار الفضيحة " أقتلتها يا ناصر؟!" ورغم أن هوانا قد تبدل بعد حين بتأثيرات ما أصبنا من نذر يسير من دنيا الأفكار والسياسة يومئذ فأصبح عقّاديا تأثرا بالأستاذ عباس محمود العقاد الا أن اعجابنا بالدكتور طه حسين فى طلاوة العبارة وروعة السبك لم يتبدل أبدا فعباراته تبدو كدوائر تنداح ثم تنقبض ثم تنداح فتنقبض تشدك شدا لا فكاك لك منه. ومكمن الابداع أن الرجل رحمه الله لم يكن يكتب لفقدانه حاسة البصر فكان يملىءأفكاره وعباراته املاء على آخرين ومع ذلك لم يكن يفقد السيطرة على جرس كلماته الراقصة الرائعة فلله دره من كاتب اذ أن الكتاب يشقون عند ولادة الكلمات ان لم يجدوا قرطاسا ودواة يودعونها اياها قبل أن تطير كالأطياف فى الهواء فلا يقدرون عليها!
ولقد حاول الدكتور طه حسين أحياء ضرب من ضروب الأدب اندثر منذ قرون طويلة ازدهر فى عصور الحضارتين اليونانية القديمة ثم اللاتينية ثم عرفه العرب فى العصر العباسى الثانى ثم أهملوه. وهو ضرب من النظم لغته شىء بين الرصانة والابتذال تودع فيه الحكم والأمثال وقد يأتى على هيئة هجاء قادح أو نقد ممض للناس أو لما يصدر عنهم من سلوكيات. قال الدكتور طه حسين ان اليونان قد أطلقوا عليه اسم " ابيجراما" كانوا ينعتون به " الشعر القصير الذى ينحت على الحجارة , ثم على كل شعر قصير ثم على الشعر القصير الذى كانت تصور فيه عاطفة من عواطف الحب أو نزعة من نزعات المدح أو نزغة من نزغات الهجاء. ثم غلب الهجاء على هذا الفن....." وقد ذكر الدكتور طه من العرب ممن قلدوا هذا الفن شعرا بشارا وحمادا ومطيعا فى العصر العباسى الثانى كما أسلفنا لكن العرب تركت هذا الضرب من الشعر وعادت الى ما الفت من طويل القصيد فى المدح والهجاء. وكان طه حسين كلفا بهذا الفن لأنه رآه يناسب ايقاع العصر السريع فى اختزال المعانى والايجاز فى انتقاد أدواء المجتمعات والاشارة الى أوجه الخلل والقصور فيها ابتغاء تقويمها على الجادة فى "كبسولات " ان شئت, مغيبا مذاقها المر فى " سكاكر" من اللغة وزخارف من العبارات والكلمات المطرزة. وقد اختار طه حسين استئناف هذا الضرب من الفن عبر النثر الأدبى لا الشعر لأنه كما قال لم يكن شاعرا. وابتلى مزاج الناس له قبولا أو رفضا بنشر مقطوعات منه فى يومية " الأهرام" قبل أن ينشره فى كتاب وقال انه صادف قبولا شجعه على الاستمرار فيه. والغريب أنه رغم ذلك لم يكن أفضل من شعراء العرب وأدبائهم فى العصر العباسى صبرا ومصابرة على هذا الفن من الفنون فما لبث أن تركه وانصرف عنه الى غيره رغم أن التجربة كانت ناجحة وجديرة بالاهتمام ضمتها دفتا كتابه " جنة الشوك" التى اخترت منها المقطوعة التالية وعنوانها عقوق:
" قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: ألا تحدثنى عن سنمار هذا الذى كثر الحديث عنه هذه الأيام: من هو؟ وما شأنه؟ وفيم يكثر الناس عنه الحديث؟
قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: زعموا يا بنى أنه رجل رومى بنى للنعمان بن المنذر قصرا أو قصرين لا أدرى, فلما أتم عمله على أحسن وجه وأكمله رضى النعمان عنه ولكنه أشفق أن يبنى لغيره من الملوك مثل ما بنى له, فأمر به فألقى من أعلى القصر فاندقت عنقه فمات. والناس يضربونه مثلا لمن يقدم خيرا واحسانا فيجزونه بالشر والمساءة. ولكن فى الدنيا أفرادا كثيرين يمكن أن يسمى كل واحد منهم سمنار, لكنه يلقى من حالق فلا تندق عنقه ويساق اليه الشر فلا يؤذيه ويكاد له الكيد فلا يبلغ منه شيئا تستطيع أن تسميه سمنار الخالد لأنه لايبنى لأصحاب السطوة والبأس, وانما يبنى للشعوب ولأنه لا يبنى للشعوب دورا ولا قصورا ولا شيئا من هذه الآثار التى يبلغها البلى ويدركها الفناء وانما يبنى لها فنا وأدبا وفلسفة وعلما واصلاحا. ألا تذكر مصارع النابغين من الأدباء والعلماء والفلاسفة؟ ألا ترى أنك لا تزال تستمتع بآثارهم؟
قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: وسيستمتع الناس بعدنا بآثارهم حتى يرث الله الأرض ومن عليها! "
ولما كان خلود السنمار خلودا فى ذاكرة الأمم والشعوب عرفانا لتضحياته واعترافا بأفضاله على الناس , جاز لنا أن ندخله جنة الشوك وهى ليست بالقطع تلك التى عرضها السموات والأرض الخالية من التعب والنصب لكنها جنة تحفها الأشواك ويظل قاطنوها من الأحياء بشخوصهم أو بأرواحهم دوما نهبا لأهواء البشر ولمواجدهم من التحاسد والتباغض والكراهية . ألم يشقى عظيم مثل المتنبىء بذلك حين كفر بخيرية النفس البشرية حين قال:
والظلم من شيم النفوس وان تجد ذا عفة فلعلة لا يظلم!