عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
والمدى هومقدار المدة من الزمان الممتدة بين آن و آن . وفى مكنة البشر ان يحددوا تلك المدد طولاً وقصراً فيقال الخطة و الخطط والبرنامج والبرامج قصيرة المدى وطويلة المدى. وأردنا بالمدى والمدى فى العنوان عين ذلك أى قصيره وطويله فيما يتصل بإصلاح الحال وتدارك المخاطر المحيطة بالبلاد بالسعى لبسط العدل وجعل المواطنة هى المعيار الأوحد للحقوق والواجبات بما يزيل الضغائن ويمحو الإحساس بالتهميش والتمييز والفرزالعرقى بين السكان ويفجرالطاقات جميعاً للبذل والعطاء والتقدم . ورأينا أنه ما لم يتحقق ذلك فسيشحذ أهل المظالم شفرات المُدى. والمُدى وهى جمع مدية وهى السكين وتجمع مديات ايضاً  و هى  فى هذا السياق كل شفرة فى سكين أو سيف أوخنجر كناية عن أدوات القتل جميعاً وتشمل إلى جانب هذا التليد من أدوات القتل الطارف منها كذلك كالأسلحة النارية وأسلحة الدمار الشامل إستعداداً للذبح والفتك كى يفشو فى الناس الهرج وهو القتل الذى أصبح سمة للأسف فى دول كثيرة ظننا أنها قد تجاوزت عصور الجاهلية و طرقت ابواب العصر وصولاً  إلى مراقى الحضارة  الإنسانية التى تقاس بمقدار حرصها على صون الأرواح وكرامة البشر.
والذى تعانى منه بلادنا هوما تعانى منه بلاد كثيرة نامية اكتوت بنير الإستعمار وناره.ولما قضى  الإستعمار وطره أو أكره على المغادرة كان قد أسس فى إطار التكالب الإمبريالى على عالم المستضعفين بما استطاع أن يحوزه من قطعة أرض  يسكنها أناس لا يجمع  بينهم مشترك  أوتقل فى سوحها المشتركات وتكثرالتباينات والتناقضات العرقية والثقافية, شيئاً يسمى الدولة . وهووصف ينطبق على الدولة التى تديرها  الحكومة الإستعمارية الحاكمة .اعتبرت تلك الدولة ( دولة-أمة  أو (Nation-stateإصطلاحاً فقط حيث لم تكن هناك أمة  فى واقع الحال توثق عراها ثقافة جامعة أودين واحد يربط بين شتاتها المتناثر أو يتوفر لدى مكوناتها البشرية الوعى بوحدة الحاضر والمستقبل والمصير. لقد كانت تلك المجموعات البشرية قبائل وعشائر وفخوذ اً حشرت قسراً فى كيان سياسى واحد..وهكذا سبقت الدولة  قيام الأمة اللازم للإستقرار والسلام . ولكن  أبطال التحرير الوطنى  اكتسبوا عبر المقاومة والتصدى لمستعمرشرس , شرعية  جمعت مكونات تلك الدول غير المتجانسة  على صعيد واحد  ضد عدومشترك أذاق الجميع الأمرين مكنت أولئك الأبطال الذين ورثوا الحكم بعد زوال الإستعمار فسحة من الإستقرار والإذعان للحكومات الوليدة استمر بين المكونات القبلية والعشائرية والدينية المختلفة بحسب أوضاع كل بلد بمقدار بقاء أولئك الأبطال  على قيد الحياة . فلما تقاصرت أعمارهم وفارقوا الدنيا طفت على السطح المكونات القديمة وكثرت النقمة على من خلفوا أولئك فى إدارة الدولة  وانسحبت النقمة على الجهات التى أتى منها أولئك الآباء المؤسسون بل وإلى قبائلهم وحملوا جريرة مشروعات للتنمية أقامها المستعمر وفق مصالحه فى مناطق غيرمناطق أولئك الناقمين  بل واتهموا  ورثة الحكم الجدد ومناطقهم وقبائلهم  بمحاباة المستعمر لهم وأنه سيدَهم بعد خروجه عليهم دون رضاهم .وضاعف من تلك النقمة إخفاقات أولئك  الحكام  فى العمل على توحيد تلك المجموعات  وصهرها طواعة فى بوتقة وطنية جامعة  لا فرز فيها  ولا تمييز على اساس اللون أو العرق أو المعتقد وتلك قواعد لازمة لإقامة وتأسيس (الدولة- الأمة ) التى لم يكن فى مصلحة المستعمر قيامها أصلاً  فظل التشرذ م  قائماً حتى بعد رحيله  بل أخذ يتفاقم حتى بلغ حد الإحتراب بين تلك المكونات و بين الحكومات . وبينما تحارب المكونات المتظلمة شكاية من التهميش والتمييز الحقيقى أو المتخيل , تحارب  الحكومات بمشروعية  ووهم (الدولة –الأمة ) التى لا وجود لها فى واقع الحال.  وهكذا اشتعلت  وتشتعل الحرائق فى العالم المسمى بالعالم الثالث وأكثرذلك وضوحاً فى القارة السمراء.
والناس يتعجبون من وقوع ذلك رغم أن أسبابه ودواعيه  التى ظلت تنمو وتكبر منذ رحيل الإستعمار شاخصة للعيان. إن المهمة الأكبر لنخب الإستقلال كان ينبغى أن تكون هى وضع اللبنات لبناء الأمة لكى تبقى الدولة فبقاء الدولة التى سبقت وجود الأمة المتجانسة يتطلب بالضرورة معالجة ذلك الخلل الذى قد يتطلب وقتاً حتى يبلغ غاياته لكن مجرد وضع الإستراتيجيات له كان كفيلاً بتخفيف حدة التجاذب بين المكونات ومدعاة للصبر عليها إنتظاراً لثمارها. والحروب الدائرة بين الهوامش والمراكز إن اقتصر هدفها على رفع المظالم وإزالة التهميش يعد إقراراً من الهوامش بصلة وإنتماء بينها وبين  المراكز التى تحاربها , فى إطار الدولة الواحدة أو لبرقماتية  تؤمن أنه لا سبيل ولا مصلحة فى الإنفصال عنها وهذا من شأنه أن يجعل الحلول ممكنة ويجعل النضال فى سبيل تحقيق ذلك عبر الوسائل السلمية المعروفة لا عبر فوهات النيران المدمرة للموجودات المادية وللوشائج الإنسانية المعنوية  نضالاً عادلاً ومرغوباً فيه.ولينصب الحوار عندئذ على تدابير  إنتقالية تعوض الهامش عن ما فاته من ثمرات الإستقلال فى الخدمات والتوظيف . لكن الأهم من ذلك  كله وضع قواعد للتنافس الحر الشفاف على التداول السلمى الديمقراطى للسلطة بعيداً عن المحاصصات الجهوية أو العرقية او القبلية.
وفى إستقراء التاريخ نجد أن( الدولة-الأمة) قامت فى أوروبا بقيام الأمة أولاً قبل رسم الحدود وإقامة الدول. . والأمة يومئذ متجانسة تقريباً عرقياً و دينياً فالدولة- الأمة قامت فى أعقاب معاهدة ويستفالياً عام1648 كعلاج لحرب ضروس اشتعلت فى القارة الأوربية فى أعقاب قيام مارتن لوثر الألمانى بالثورة الإصلاحية للكنيسة الكاثوليكية التى كانت تحكم أوروبا بقبضة من حديد وأنشأ ما عرف بالمذهب المعارض (البروتستانتى) وفشا القتل فى الناس على الهوية وكانت حرب الثلاثين عاماً التى استمرت من عام 1618 وحتى عام 1648 من أبشع ما عرفت البشرية من حروب وهى التى تداعى بسببها العقلاء لمعاهدة ويستفاليا التى قسمت الكيانات الكبرى فى أوروبا إلى كيانات متجانسة مذهبيا منعاً للإحتكاكات والإحتراب وأرست مبادئ هامة لم تزل هى السمات الأبرز للقانون الدولى بل للنظام الدولى القائم عليه وتلك المبادئ هى : سيادة الدولة-الأمة على أراضيها وتحريم التدخل فى شؤونها الداخلية.وأفضت هذه المعاهدة فى نهاية المطاف إلى إضعاف سطوة البابوية على السياسة وشكلت البداية للفكر العلمانى وإلى فكر عصر التنوير العقلانى وإخراج اللاهوت الكنسى من الحياة العامة فى قارة أوروبا. بالطبع ذلك لم يمنع نشوب الحروب والإضطهاد وإن كانت الحروب اللاحقة قد نشبت لأسباب أخرى لكن تلك المبادئ أعيد تضمينها والتذكيربجدواها فى مؤتمرات تالية وظلت كذلك حتى غدت جزءاً أصيلاً من مبادئ الدبلوماسية المعاصرة وضمنت فى ميثاقى عصبة الأمم والأمم المتحدة. ولعل تجدد النعرات العنصرية و(الإسلامفوبيا- الكراهية والخوف من الإسلام والمسلمين) مؤخراً فى أوروبا ناتج من التحولات فى بنية ( الدول –الأمة) المتجانسة  فى موطنها الأصلى بتدفق الللاجئين وضحايا الإضطهاد من العالم الثالث الذى حول ( الدولة-الأمة ) وجعلها أقل تجانساً هناك بعد أن  أصبح كثيرمن أولئك  المهاجرين مواطنين يتمتعون بحقوق المواطنة  ويوشك  ذلك أن يحول الدولة- الأمة بفعل العولمة وتكرار الهجرات إلى دولة متعددة المكونات وتوشك أوروبا أن تشبه الولايات المتحدة .وقد وجه رئيس الوزراء البريطانى ديفيد كاميرون والرئيس الأمريكى باراك أوباما كلمتين رائعتين ترحيباً بقدوم شهر رمضان وتهنئة لمواطنيهم من المسلمين وتنبيهاً بطرف خفى إلى أنه  لم يعد التجانس شرطاً ممكن التحقيق فى الدولة-الأمة فلا بد من التعايش فى إطار التعدد الثقافى والعرقى.
سادت قبل ذلك إمبراطوريات فى الشرق والغرب ضمت شعوباً من أجناس مختلفة تدين بمعتقدات مختلفة فرض جنس الإمبراطور وجيوشه عليها رؤاه قسراً وما أن تراخت قبضة تلك الإمبراطوريات حتى تفرقت أجزاؤها شذرمذر.والشعارات الأممية شعارت نبيلة تقوم على فرضية وحدة الجنس البشرى ووحدة  إحتياجاته وحقوقه. لكن التجارب البشرية لم ترقى لمستوى الشعارت وظلت الصور المشرقة محدودة فى التأريخ الإنسانى .فديمقراطية المدن الإغريقية  لم تقم على المساواة المطلقة بين الناس فى الحقوق والواجبات بل قسمت الناس إلى سادة وعبيد وشورى الإسلام التى أكدت و لأول مرة فى التاريخ على وحدة أصل الجنس البشرى عاشت نحو ثلاثين عاماً فقط تحولت بعدها إلى ملك عضوض فرق حتى بين العرب :مضر وربيعة وهما فرعا عدنان فجعل الحظوة لمضر التى تنتم لها قريش وجعل القبائل اليمانية فى مرتبة تالية فنشبت الحروب والهجرات إلى خارج جزيرة العرب وفى التأريخ الحديث فشلت تجربة جمهوريات الإتحاد السوفيتى  فى دمج مكوناتها المتبانة رغم نبل الشعارات  الأممية لأنها قامت على القهر وميزت الروس على غيرهم من الشعوب فباءت بالفشل . هذا رغم أن السنوات التى رجحت فيها كفة المبادئ قد شهدت وصول شخصيات من خارج روسيا إلى قيادة الدولة مثل جوزيف استالين (جورجيا) ونيكيتا خروتشوف(أوكرانيا).
والحروب المشتعلة فى المنطقة العربية دليل آخر على أن الهدؤ النسبى والإستقرار المؤقت الذى حظيت به بعض الدول انفرط عقده لأنه قام على القهر وعلى ظروف إقليمية ودولية متغيرة بطبيعة الحال ولم تلتفت النخب فى المنطقة إلى السعى لبناء أمة متصالحة مكوناتها مطمئنة إلى عدالة النظم والقوانين التى لا تحول بين مواطن أو مواطنة  من تحقيق  الطموحات جميعاً بما فى ذلك رئاسة الدولة. وأصبح الهم الأعظم للنخبة الحزبية أو العقائدية أو القبلية التى تصل إلى السلطة هو المحافظة على تلك السلطة بكل الوسائل خوفاً من مصير قاتم من الإنتقام إن تسللت تلك السلطة من بين يديها يعبر عن ذلك الخوف بالخوف من إنفراط الأمن ووقوع الفوضى ومع ذلك تتكرر اليوم أشباه داحس والغبراء.وهكذا اصبح تاريخ الدول فى هذا الجزء من العالم قائماً على ردود الأفعال وأصبحت النتيجة إنعدام التجانس بين مكونات شعوبها وفشل كافة محاولات النهضة والتقدم .
وعليه فالإستعانة بسلاح القهر والقوة وحده لتحقيق الأمن والإستقرار يعد رهانا  قد ينجح فى المدى القصير يشبه حال الممسك بوحش مفترس قادر اليوم على الإمساك به دونما  راحة ولا نوم وما أن يصيبه الوهن حتى يصبح فريسة سهلة لذلك الوحش. وهكذا حال المكونات التى تستشعر إهمالاً لا يجعلها فى عداد المواطنين فهى تداوم على شحذ المُدى إنتظاراً لذلك الوهن للثورة وإشعال الحرائق. والمطلوب فى هذا السودان وفى المنطقة أن تصل النخب الممسكة بأزمة السلطة إلى قناعة بضرورة الوصول عبر الحوار الجاد اللامشروط  لوضع  الأسس الكفيلة بتحقيق إستقرار دائم وبوضع قواعد شفافة للعبة السياسة والتداول السلمى للسلطة والفرص المتساوية فى التوظيف والتعليم والتجارة والتمتع بالخدمات على المدى البعيد لا عبر التدابير المرحلية ولاعبر محاصصات تصبح هى الأصل والبديل لبناء أمة موحدة تجمعها المشتركات. وهذه هي حلول المدى القصير غير المجدية والتى تشبه وضع ضماضات على سطوح جروح بعيدة الغور. ويتعين على نخب  الهوامش المتظلمة أن تسلك سبل النضال السلمى على خطى غاندى ومارتن لوثر كنق جونيرذلك لأن تحقيق الوفاق الوطنى فى ظل وسائط التواصل الحديثة فى بلد المشتركات بين أجزائه تفوق بكثير الإختلافات, ايسر كلفة من إمتشاق الحسام الذى أن أدى للإنفصال فلن يفضى إلى الإستقرار بل ستطفو ذات الإشكالات الإثنية فى الكيان الجديد كما حدث فى جنوب السودان بعد إنفصاله بين قبليتين كانتا فى الأصل قبيلة واحدة . وعلى هذه النخب أن تنأى بنفسها عن إذكاء القبلية فى مواجهة المركز وتحويل المواطنين الأبرياء البسطاء فيه والمقهورين أيضاً إلى أعداء للتغيير ورد المظالم بالإساءة إليهم  لأنهم عندئذ سيفضلون أمنهم و صون أعراضهم على أى نوع من التغييرالذى يحمل نذر الإنتقام .هذا إن لم يصطفوا  بغريزة البقاء محاربين للهامش.وإن سقوط المركز ونخبه فى براثن تلك الخطيئة  ليس مبرراً لسلوك ذات المنهج المعيب فستسجل  نخب الهامش بالإلتزام الصارم بالمطالبة بتحقيق العدل والإندماج بين مكونات الأمة تفوقاً أخلاقيا عليه ورفعة فى مدارج الإنسانية  تسهم فى زيادة التعاطف مع قضاياها المشروعة  وفى إحياء الضمائر الحية فى كل مكان فى تحقيق العدالة والمساواة بين مكونات الشعب جميعاً والمساهمة بذلك فى بلورة الشعور القومى الموحد الضامن للإستقرار وتحقيق التنمية. لئن كانت الغاية من حل المعضلة القومية هى جعل مضمار التنافس على السلطة مضماراً حراً مكفولاً لكل مواطن بقطع النظر عن لونه وجهته ودينه , سهل تسويقه وحشد التأييد له . أما أن رامت الهوامش الإنتقام وإحلال نفسها مكان من تظنهم ظلمة  عنوة وقسراً ودون تفويض شعبى فسوف تجدد الأزمة بتحويل أولئك إلى خانة المناوئين الجدد  حملة السلاح فينعدم الإستقرار وتتعطل التنمية وتستمر الحلقة المفرغة.
ولا تزال الفرصة مواتية للحزب الحاكم وللتيارات المؤيدة له فى تحقيق الوئام الوطنى ووضع البلاد على طريق الديمقراطية الحقة بتصويب الرمية نحو حلول جذرية تستهدف المدى البعيد  يشارك الجميع دون إستثناء فى التداول حولها  تقضى على التهميش وتحقق المساواة الكاملة بين أبناء الوطن  وألا تركن الحكومة للحلول قصيرة المدى مستعينة بذهب المعز أحيانا أوبسيفه فتلك حلول قاصرة وآيلة إلى زوال  تشبه الهدؤ الذى يسبق العواصف المدمرة لا يعقبه إلا الخراب وضراوة الإقتتال. مكنوا هذا البلد من أن يضيف إلى صحيفة إنجازاته ملحمة جديدة فى صنع السلام والإستقرار المستدام ليصبح نبراساً تستهدى به المنطقة بأسرها  إستئنافاً لعطائه القديم فى رفد الحضارة الإنسانية بالمفيد المستديم مثل سابقته فى صهر الحديد..

/////////