عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
أحال إلى بريدى صديق أمريكى مقالة فى صفحة الرأى فى يومية "نيويورك تايمز" ليوم   الجمعة 4 مايو الجارى  للدكتور الفرنسى جيراد برونيه المدير السابق للمركز الفرنسى للدراسات الإفريقية فى أديس ابابا عاصمة إثيوبيا. وكتب ذلك الصديق تعليقاً طريفاً على المقالة يقول فيه" هذه مقالة مدهشة لولا أنها ضرب من الجنون  كونها تأتى من  غير مظانها , من رجل كان يحظى على الدوام بالكثير من الإحترام!"  وستعرفوا سر هذا التعليق فيما سيأتى من سطور أتت مطابقة لما كتبناه خلال الأسابيع الثلاثة الماضية  بأن هذا البلد يخوضاً حرباً ضروساً من التشويه والتحريض وتخويف الجوار الإفريقى هى بحاجة لأسلحة غير الحشود والهتافات والتعبئة الآنية, أسلحة فكرية وإعلامية ومعالجات عبر الحوارات الشاملة للجميع. وهى حرب لا تنفصل عما هو كائن حالياً من إحتراب يزهق الأرواح ويهلك الممتلكات ويوشك أن يصبح حريقاً يأتى على كل شئ  بل إن تلك هى وقود هذه التى نصطلى بنيرانها اليوم. وهى الزيت الذى يُساقط ليزيد لهيبها ويؤجج  الحمم فى أعماقها. وقد إختار الفرنسى المذكور عنواناً غريباً يحرض على الحروب المشتعلة فى أطراف السودان بل إلى توسيع رقعتها حتى تصبح حرباً شاملة, هو: " : إعطوا الحرب فرصة فى السودان!" وهو تحوير لشعار نبيل رفع - وأهزوجة مموسقة - فى الولايات المتحدة إبان حرب الفيتنام يقول " إعطوا السلام فرصة".  ونترحم على صديق السودان الوفى الأمريكى "هدارى عبد العلى" الذى كان قد أسس منظمة للدفاع عن السودان فى واشنطن أطلق عليها ذات الاسم  : " إعطوا السلام فرصة فى السودان". ولك أن تقارن بين الرجلين وبين الدعوتين.
تقول مقالة السيد جيراد بيرونيه إن تكرار إشتعال الحروب فى السودان ليس ناتجاً عن مشكلة دينية  لكنه ناتج من تسلط الحكومات التى ظل يسيطرعليها عرب الوسط  منذ القرن التاسع عشر وعلى مدى 150 عاماً على مواطنيها من غير العرب من النوبيين فى الشمال القصى والنوبة فى جبال النوبة والبجا فى الشرق والجنوبيين فى الجنوب وسكان دار فور.( تذكروا إفادة روبرت زيلك للجنة العلاقات الخارجية فى مجلس الشيوخ قبل سنوات.) وان الجنوبيين هم أول من إكتشفوا إستغلال العرب للأقليات فانتفضوا حتى نالوا إستقلالهم. وأن أهل دارفور الذين كانوا يرسلون لمحاربة المسيحيين السود إكتشفوا أنهم رغم أنهم مسلمون إلا أنهم يعاملون كمواطنين من الدرجة الثانية فانتفضوا ضد هذه الوضعية.إزاء هذا الوضع يرى هذا الأكاديمى ! أن الحرب الشاملة هى افضل وسيلة لإنهاء سيطرة العرب على السودان بإسقاط النظام الحالى وأنه أن يقتل جندى جندياً  من الطرف الآخر أقل كلفة من إنتظار إنصياع الحكومة لنداء السلام والجلوس على طاولة التفاوض لأنها لن تفعل وفى غضون ذلك سيموت الآلاف من النساء والأطفال من المدنيين والعالم ينتظر الحكومة لصنع السلام. ويؤكد أن الحروب الجزئية لن تجدى نفعاً وأنه يتعين أن تكون حرباً شاملة رجح أن ينضم العرب إليها فى نهاية المطاف للتخلص من الحكومة القائمة. ويتساءل ممتعضاً كيف إنتفض العرب فى مناطق أخرى فيما عرف بالربيع العربى بينما شذ السودان عن ذلك. والمقالة مليئة بعبارات  ونعوت قاسية بل نابية أحياناً تنم عن حقد دفين قل أن يجدها القارئ فى إفتتاحية صحيفة محترمة كنيويورك تايمز.ولا شك عندى أن السيد برونيه وقد كان رئيساً لمركز للدراسات الإفريقية يعلم علم اليقين أن السودان  مثل سائر دول المنطقة قد ورث حدوده الإقليمية عن  القوى الإستعمارية  التى رسمتها وفق مصالحها ونتيجة لصراعاتها  مع بعضها البعض فمزقت المجموعات البشرية المختلفة الأعراق والديانات  بين أكثر من قطر وعمدت إلى بذر الشقة بينهم وفق المبدا اللا إنسانى "فرق تسد" بما أصبح وبالاً على أكثر من بلد بعد الإستقلال حيث جعل من هدف  خلق هوية وطنية  جامعة أمراً بالغ الصعوبة فانتشرت الحروب الأهلية فى أكثر من بلد فور خروج المستعمر. والسودان فى هذا الصدد ليس بدعا بين دول الإقليم ولو إعتمدت وصفته المدمرة : الحرب الشاملة  لإصلاح عيوب التاريخ لإشتعلت الحرب فى القارة باسرها بين الزولو والبانتو وبين النيليين والبانتو وبين العرب والبربرو الفلانى واليوربا  واليبو وغير ذلك من العرقيات العديدة فى القارة. اقرؤوا هذا ايضا فى سياق نشاط تحالف الكنائس ونشاط التبشير النصرانى بين البجا لإقامة السودان الجديد.
لقد رميت من تسليط الضؤ على مقالة هذا الأكاديمى الفرنسى إلى إسترعاء إنتباه ابناء السودان من كل الأقاليم ومن كل الأعراق إلى الإلتفاف على هذه الدعوات المدمرة للإبقاء على الوطن لأن الحرب لن تبقى وطناً نختلف على كيفية إدارته.نعم هناك مظالم تأريخية وتفاوت فى حظوظ الأطراف من التنمية  وصور نمطية وربما تحامل عرقى وجهوى. لكن المشتركات أكثر بكثير من خصائص  كل إقليم.والبناءعلى المشتركات وتكثيف اثرها فى حياتنا هو عين الحكمة لأنه يبقى على وطن كبير يضمنا كما يمكننا من الجلوس لمعالجة التفاوت وإقتسام الثروات ومسؤوليات الحكم.
إن مسؤولية التصدى لهذا الفرز العرقى النتن  عبر حرب شاملة ,تقع على عاتق الكافة وفى مقدمتهم اصحاب الرأى والأقلام  من كل الإتجاهات السياسية والمدارس الفكرية . والتصدى لا يجدى بالهتاف والحشود بل بالبدء فى الحوارات الضرورية  التى لا ستثن  أحداً من الناس والبحث الشفيف الصادق  لبدْ صفحة جديدة فى تأريخ السودان بعد إنفصال الجنوب لكى لا يتواصل مسلسل الإنفصالات والحروب المستدامة  وتبعاتها من البؤس والخراب. ولنعط نحن فرصة للسلام فى السودان!