• سافرنا ذات مرة قبل عدة سنوات بطائرة خاصة من الخرطوم إلي المدينة المنورة صباح يوم جمعة من ضمن وفد كبير يضم دكتور نافع علي نافع مساعد رئيس الجمهورية وقتها وممثلون من قيادات الإتحادي الأصل ومن الأحزاب السودانية ومن قيادات الطرق الصوفية وبعض الصحفيين واجهزة الإعلام ، وقد وجدنا هناك رجل الاعمال المعروف الشيخ كمال حمزة قادما من الإمارات وقيادات اتحادية اخري عديدة من القاهرة والسعودية ، لتقديم واجب العزاء لمولانا السيد محمد عثمان الميرغني في المفغور لها بإذن الله حرمه الشريفة مريم الميرغنية وذلك بدار الميرغني بالمدينة والتي تسمي دار العنبرية .
• وبعد تقديم واجب العزاء في قاعة الدار الكبري والتي تقام فيها ليالي المولد العثماني مساء كل يوم أحد وخميس والتي يسميها السادة الختمية ( الحضرة ) ، بدأ حديث في شكل خطابة من الاستاذ عبدالباسط سبدرات معزيا ثم داعيا الميرغني للعودة الي الوطن لحاجة البلاد له ولحكمته في لم الشمل والوفاق ، و أعقبه الاستاذ حاتم السر شاكرا الوفد علي الحضور للتعزية ، وبعدهما تحدث مولانا الميرغني عن المشاكل والخطط الدولية المرسومة ضد السودان ومحاولات تفتيته ، ولكنه ، أي الميرغني ، إلتفت فجأة تجاه الدكتور نافع علي نافع الذي كان يجلس علي يمينه في القاعة موجهاً حديث له بعتاب فيه نبرة غضب واضحة قائلا له : لماذا تعمل أنت علي تفتيت الأحزاب ؟؟ ألا تري ان في ذلك تفتيتاً للحياة السياسية في السودان وترك البلاد تعيش في فوضي بلا تنظيمات سودانية فاعلة ، ماذا تستفيدون من ذلك ؟
• ثم مرت الأيام ( كالخيال أحلام ) وعاد السيد الميرغني إلي الخرطوم في بداية نوفمبر 2008م مرافقا لجثمان شقيقه الراحل السيد احمد الميرغني رئيس مجلس رأس الدولة حتي قيام انقلاب 30 يونيو 1989م والذي لم يكن له اي مبرر حسب اعترافات مفكري حركة الاسلام السياسي التي ظلوا يجهرون بها عبر الأجهزة والكتابات العديدة في السنوات الأخيرة حين فشلت فكرة المشروع الحضاري وتمزقت البلاد وتدمرت مشروعات البنية الاقتصادية الكبيرة والتي كانت راسخة ، وقد وحمل بعض السودانيين السلاح ضد الدولة بمثلما حمل البعض السلاح ضد تلك الحركات ايضا وقد اصبح الموت هو سوداني سوداني مثلما كان الحال في حرب الجنوب .
• إذن من حديث الميرغني للدكتور نافع في تلك الزيارة وبرنة الغضب الميرغنية تلك فإن الميرغني كان يري أن هذا السودان المتعدد الثقافات والأعراق وحتي المعتقدات والتقاليد لن تكون هناك حلولا لمشاكله المتفاقمة كل يوم إلا بوجود منظومات سياسية ديمقراطية قوية وفاعلة تجمع الناس في بوتقتها بديلا عن الحروب الجهوية والنزعات العنصرية التي ظلت تطل من وقت لآخر لأنه فيما مضي كان السودانيون يعبرون عن رؤاهم من خلال الندوات والصحف وصناديق الإنتخابات، فتغير الحال إلي التعبير عن طريق السلاح الذي يأتي من الخارج بكثافة بائنة عندما غادرت الديمقرطية البلاد ربما إلي غير رجعة .
• وحين ظل العديد من الأشقاء الإتحاديين داخل الوطن وخارجه يلاحقوننا بالأسئلة عن طريق وسائط التواصل المختلفة وحتي بالهاتف مشفقين مما يجري داخل الحزب ، متسائلين عن رأينا ودورنا ككوادر إتحادية ناشطة يهمها أمر الوطن أولاً مستفسرين عما يجري داخل حزب الحركة الوطنية وهو الإتحادي الأصل الذي ظلت التشققات تضربه بعنف منذ إشتراك الحزب الرمزي في السلطة في بداية 2012م ، خاصة وهم يرون كل يوم ان نجل السيد الميرغني وهو السيد محمد الحسن يأتي إلي البلاد فجأة ويتجاوز كل الإرث التنظيمي الموجود بالحزب ليعمل علي إتخاذ العديد من القرارات ، ومن أخطرها إصدار فرمانات بفصل كافة القيادات في المركز والولايات والتي كان والده السيد محمد عثمان الميرغني يعمل علي محاورتها والحفاظ عليها داخل جسد الحزب حتي تسليم الراية بإنسيابية تامة وبكل هدوء لكوادر شبابية ناشطة ظلت تظهر علي السطح من وقت لآخر ، لأن في ذلك ضمانا لإستقرار الوطن كله في مقبل الأيام بما يعرف بتوارث الخبرات .
• وفي تقديري الشخصي أن في الأمر حبكة مبهمة تتجاوز حال الحزب إلي حال مستقبل الوطن كله . ذلك ان الحزب الاتحادي الديمقراطي الأصل يظل دوما هو صمام الأمان للسودان فور عودة الحكم الديمقراطية من خلال التجارب الثلاثة السابقة وهي تجربة ما بعد الإستقلال ثم ما بعد حكم الرئيس عبود ، وبعد حكم الرئيس جعفر نميري ، ثم مستقبلا بعد إعتزال الرئيس البشير للحكم ، طال الزمان أم قصر ، لأن الديمقراطية علمتنا دائما أنها عائدة وراسخة بسبب عشق شعبنا لها ، حتي أن البشير نفسه لابد أن يكون عاشقا لها لأنها لا تسبب الأذي لأي إنسان . فهي علي الأقل تحجب الآخرين عن حمل السلاح ضد الدولة طالما كانت الحياة الحزبية تمنحهم حق التغبير من خلالها وتلك هي الامسأة الكبري التي ضربت الحياة الحزبية في مقتل .
• وقد رأينا كيف تفتت هذا الحزب العملاق ، حين وضع مختطفي الحزب جماهيره بل جماهير الاحزاب الأخري في موضع تساؤل لماذ بدر منهم هكذا ؟ وأين المحاسبة ؟ ولماذا المجاملة ؟ وعن ماهية مشروعية القرارات التي إتخذوهاحين قاموا بتكليف بعض الصبية الإنتهازيين بتنفيذها ، ومن أين إستمدوا السلطة الحزبية في ذلك الزمان ؟ وهل ما يمر به السيد رئيس الحزب من ظروف صحية تعطي المختطقين الصلاحيات لإتخاذ مثل هذه القرارات المستفزة من أجل خاطر أمر طاريء وهو خوض الإنتخابات القادمة بما قابلها من مكافآت تتمثل في إخلاء بعض الدوائر ؟ وفي أغرب إجراء إنتخابي يحدث في تاريخ الإنتخابات في العالم كله .
• إن مثل هذه التصرفات قد احدثت إحتقانا جعلت كوادر الحزب وشباباه المتحمس والممتليء بالروح الوطنية الخلاقة في المركز والولايات والجامعات يقررون من القرارات المستندة إلي أشواق وتطلعات الجماهير الإتحادية ما يجعل المختطفين ومن معه من الصبية الانتهازيين يكون مصيرهم السياسي في خبر كان ، بعيداً عن كيان ومسيرة حزب الحركة الوطنية مستقبلاً ، ذلك أن الفرحة الطارئة هذه لن تدوم طويلا .
• ونقول هنا ، لابد من أن يأتي زمان يستعيد فيه الحزب عافيته ، وتزول الدهشة حتي من جماهير الطريقة الختمية التي باتت تعتبر أن كل الأمر لايمثل تطلعاتها وروحها المسالمة علي مر السنوات .
• لقد كنا نتوقع محاورة هذه القيادات الفاعلةالتي باتت تقف علي الرصيف وإحترام إرثها النضالي السلمي ، بل والعمل علي تكريمها في مهرجانات باذخة الجمال مثلما تفعل الدول الراشدة الراقية بدلا عن ما حدث من طريقة تجعلنا نخاف علي الوطن كله من أمثال هؤلاء الطائشين وليس علي مستقبل حزبنا فحسب ، ولكن يبدو أن الصبية لايمتلكون مثل هذه الثقافة الاجتماعية الأصيلة.
• وهنا ، فإنني أشفق جدا علي مخرجات تلك القرارات العشوائية غير المسنودة بجماهير أو لوائح تنظيمية ، حيث أوضحت هذه الطريقة أن الحزب كله قد اصبح في أزمة يصعب إيجاد حلول لها في الوقت القريب . خاصة وقد اصبح الاتحادي الاصل مجرد اشواق تاريخية تعتمل في الصدور من وقت لآخر ، وقد اصبح الحزب نائما وشبيهاً بنومة أهل الكهف، فهل ياتري ستأتي الصحوة عن طريق الفجاءة أم يكملون الثلاثمائة عام !!!!
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.