عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

( 1 – 3 )

 موروث التكوين الحزبي السوداني يحتاج مزيداً من التجديد الخلاّق

    تحتدم الساحة السياسية السودانية ومنذ فترة ليست بالقصيرة بكل ما هو جديد ومفاجيء ومتقلب ، فبعضها كان متوقعاً ، والآخر كان مثيراً للدهشة ، ينم عن رغبة أكيدة كانت تظهر ثم تتداري في خجل يثير التعجب ، وكل ذلك كان كقروناً بإضطراب بائن في المواقف .

    فالمراقب للمشهد السياسي الحالي ، لابد من أن يصل إلي نتيجة واحدة تتركز في إنعدام الثـقة بين كافة التيارات السياسية ، وليس علي مستوي شريكي الحكم فحسب . ذلك أن القوي السياسية السودانية منذ أن تأسست في بداياتها الأولي مع نهاية الحرب العالمية الثانية ظلت تراوح مكانها في منطقة واحدة تتصف بالمكاجرة والإصرار علي عدم فتح بوابات النقاش بينها جميعها للوصول إلي قواسم مشتركة حتي تقترب الرؤي وتتضح الرؤية لتعبر بلادنا إلي شواطيء الأمان والإستقرار الذي يجلب النماء والولوج إلي عصر متقدم لتحقيق الرفاهية النوعية لهذا الشعب الذي ظل هو الآخر يدور مع دوران قياداته عبر كل الحقب السياسية الماضية وحتي اللحظة ، وأيضا ظلت ذات القوي السياسية تصادر حق قواعدها وكوادرها في إتخاذ القرار ، أو علي الأقل تداول الأمور قبل إعلانها ، وقد لاحظنا كيف تم إسقاط مبادرة السلام السودانية التي سميت بالمرغني – قرنق في برلمان الديمقراطية الثالثة في نهاية العام 1988م بدم نيابي بارد ، للدرجة التي تم التصويت لأسقاطها من حزبين بكامل نوابهما وبلاتحفظ أو إعتراض من أي نائب ، وحتي عدم إمتناع بعضهم عن التصويت لم يحدث ، ما يدلل علي مقولاتنا بأن الأحزاب السودانية ، وحتي العقائدية والمتعلمة منها تقوم علي إرث مصادرة رأي النواب – شاءوا أم أبوا - مهما كانت درجة الخطأ في التصويت أو في إتخاذ القرارات. أي أن الإلتزام الحزبي الضيق هو الذي ظل يسيطر علي أداء منظومة الأحزاب السودانية ، وبالتالي سجل العقل الجمعي الحزبي للكوادر المساعدة غياباً مستداماً حتي اللحظة ، علما بأن ذات النمط من التفكير والممارسة الحزبية يجري الآن في الساحة السودانية دون أن أي تطور موجب في الذهنية السودانية لتلك الكوادر الفاعلة أو في طريقة فهم القيادات علي إطلاقها ، برغم تلك الأخطاء البرلمانية التاريخية التي قادت السودان إلي هذا الدرك من معدلات التوتر الحالي وا يقود ذلك من اللجوء إلي ثقافة الجودية القديمة البالية لحل المشاكل السياسية المعقدة.. وحين تضيق الأنفس ، نجد الإنسلاخ والتحول إلي حزب آخر ، تماماً مثل  مايفعل محترفو كرة القدم ، وكأن حواء السودانية الولودة قد عقرت إلا منهم .

  وعندما تختلف القيادات داخل كل حزب فإن الأمر يتطور وبسرعة البرق إلي إنسقام في جسد الحزب المحدد ، أو ما يطلق عليه مؤخرا إصطلاح ( مفاصلة ) وقد حدث ذلك في مسيرة الحزب الشيوعي عدة مرات وقاد الأمر إلي إنقلاب 19 يوليو 1971 م بما صحبه من نتائج دموية سالبة، وحدث ايضا في مفاصلة الحركة الإسلامية في ديسمبر/رمضان 1999م وما ظل يلازمه من توتر وإشكاليات ظلت تهدد وحدة الوطن ، وأمر دارفور ليس ببعيد عن تلك المترتبات ، فالعديد من المراقبين ومن أهل السودان ينسبون توترات دارفور وتطور أنظمة حركاتها المسلحة قد أتي نتاجا لتلك المفاصلة التي ضربت حركة الإسلام السياسي في مقتل .

    وكل ذلك يدعونا للقول بأن مسألة ثقافة الديمقراطية الخلاقة والمبدعة في السودان لم تتعمق بعد ، وذلك لعدة أسباب ، يعود بعضها إلي ضعف الإرادة الشعبية السودانية في الضغط القاعدي لتحقيق التحول في إتجاه الإرادة الحرة داخل التنظيمات السياسية حتي تتطور أكثر ويرسخ الفهم الديمقراطي بداخلها وبكل هدوء في كافة مكونات تلك القوي ، مثلما يعتقد البعض الآخر أن الأمر ينتج من عدم إيمان قيادات كل القوي السياسية وعلي إطلاقها بأهمية تنمية وتطوير ركائز الديمقراطية داخل كوادرها العليا والوسيطة الجماهيرية وداخل القواعد أيضاً .

   لذلك يأتي الكثير من قرارت  تلك القيادات عشوائيا تنقصه الدراية والخبرة وعدم الخوف من المآلات ، فيصيب الوهن هياكل تلك الأحزاب ، ويسهل بعد ذلك تنفيذ أية حركة إنقلاب عسكري ، بغض النظر عن كنهه وتوجهاته الأيديولوجية ، نظرا لضعف مقاومة الجماهير لأي إنقلاب بسبب زهدها ويأسها من وجود نفسها داخل منظوماتها السياسية ، وبالتالي تتحمل القيادات الحزبية لوحدها ضغوطات العسكر وتقف جماهيرها تتفرج علي المشهد كله من الرصيف حين تقع الواقعة التي تصادر كل شيء وفي غمضة عين

  وبسبب إنعدام ذلك الفهم الديمقراطي داخل الأحزاب ، نجد توافر خاصية إنتشار مسألة الإنشطارات داخل تلك الكيانات الحزبية ، مقروناً بعدم إتفاق الرؤية في أوساط جماهير تلك الأحزاب ، العقائدية منها ، والتقليدية العريضة المفتوحة بكل إرثها الجماهيري الضخم والخامل في ذات الوقت . لذلك نجد أن نشوء الخلافات بين تلك القيادات وداخل كوادرها الفاعلة يصبح أسهل من شرب كوب من الماء ، دعك عن التزاحم والتكالب القبيح نحو مراكز السلطة ومقاعدها ومايقوده من إحتقان داخل كل حزب سياسي تشرئب أعناق قياداته إلي ذهب المعز...

ونواصل ،،،،،،،