في الذكري العاشرة علي رحيل عميد الفن السوداني:

 

Salah Elbasha [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]

  مقدمة :

    كنا قد وعدنا القاريء العزيز بأننا سوف نفرد صفحة كاملة من فنون العاصمة لتخليد ذكري أحد أهم رموز الفنا الغنائي الحديث في بلادنا ، ألا وهو الفنان الكبير والراحل المقيم احمد المصطفي بمناسبة مرور عشر سنوات علي رحيله ، ذلك أن فنان في قامة احمد المصطفي يستوجب علي المهتمين بأمر الثقافة والفنون في بلادنا ، وعلي كافة الأجهزة والوسائط الإعلامية العامة والخاصة أن تبذل جهدا لتخليد ذكري رحيله العاشرة ، يعادل كل الجهود التي بذلها الراحل المقيم في تثبيت دعائم الفن الراقي والملتزم ، وبقدر إلتزام وجدية احمد المصطفي الذي أعطي لهذا الشعب الكثير وقد ظل غنائه الطروب يشكل القاسم المشترك الأعظم الذي تتجمع حوله مشاعر السودانيين كلهم ، حيث شكل هذا الغناء ولخمسين عاما متواصلة عمود الإرتكاز الذي يلتف حوله المزاج السوداني تماماً . لذلك كان لزاما علينا أن نتناول ملامح قليلة من عطائه الفني العريض حتي نعمل علي ترسيخ تراث فن الغناء السوداني الجميل كجمال وروعة وعذوبة مفردات أشعار أغنياته التي ظلت هي أيضا تعبـِّر عن ثقافة أهل السودان في الوجد والعشق النبيل حين كان احمد المصطفي يغني وهو يهمس همسا دافئا بصوته الدافيء الهاديء في عقول وقلوب العشاق في مختلف الحقب في بلادنا .. وما أجمل غناء احمد المصطفي من راديو أم درمان وفي الليالي المقمرة.

____________________________________________________________

كان تاريخ الثلاثين من أكتوبر من عام 1999م يحمل في سجلاته توقيع عميد الفن السوداني بالرحيل عن الدنيا تلبية لنداء الرفيق الأعلي . وأهل السودان وبما جبلوا عليه من تراث الوفاء لرموزه المبدعة في شتي المجالات وبمختلف سحناتهم وإنتماءاتهم وقبائلهم وأعراقهم وبرغم تعقيدات ثقافاتهم المحلية العديدة فأننا نراهم متفقين علي أن فن الغناء السوداني قد عمل علي توحيد أمزجتهم المعروفة بالتقلب الكثيف ، هو زملائه الخالدين : الكاشف وحسن عطية وعبدالحميد يوسف وعبيد الطيب ، ومن قبلهم سرور وكرومة والأمين برهان، وإمتدت رحلته حتي عانقت أجيالا أخري من الفنانين في النصف الثاني من القرن العشرين مثل عثمان حسين ووردي وابوداؤد والكابلي وص3لاح مصطفي وإبن البادية وعركي ومحمد الأمين وزيدان ومحمد ميرغني وعثمان مصطفي وابراهيم حسين وعبدالقادر سالم ، ومن قبلهم الفلاتية ومني الخير  وفاطمة الحاج ومهلة العبادية ، ولا ننسي جيل البلابل وسمية حسن .

   كما عاصر أحمد المصطفي أجيال أهل الإعلام كلهم منذ الراحل متولي عيد ومحمد صالح فهمي وصلاح احمد وعلي شمو وخانجي والتاج حمد ومحمود أبوالعزائم ومحمد سليمان وصالحين وحمدي وحمدي والجزلي وصالح محمد صالح ، وابوعاقلة يوسف والفكي عبدالرحمن  وقباني إخوان والسراج إخوان وعمر عثمان ، وحتي صلاح الدين الفاضل ومعتصم فضل وعبدالعظيم عوض وطارق البحر والراحلتين ليلي وهيام المغربي ومن قبلهما سهام ، والقائمة تطول ولا تقصر .

    أحمد المصطفي ، نعاه عند رحيله الأستاذ وردي من أمريكا والكابلي وحسن أبشر وعلي شمو  وقام السر قدور من القاهرة بتأليف كتاب ( احمد المصطفي .. فنان العصر ) كما نعاه صديقه الإذاعي اللامع الراحل فؤاد عمر بالقاهرة . وكتب د. منصور خالد وقتذاك ( أنا ... ضااااائع ).

   وكرمز إبداعي ورقم إجتماعي ضخم فإن الراحل المقيم العميد الفنان أحمد المصطفي قد قام بترسيخ أجمل مفردات الغناء الذي كتبه العديد من الشعراء لتسكن داخل وجدان هذا الشعب الجميل. ذلك أن أحمد المصطفي وبحسه الفني ومبوهبته التي حباه الله تعالي بها وبإحترامه لدوره في تنمية أذواق الناس في المجتمع السوداني المتماسك ، وبإبتسامته الجاذبة الولوفة ، تجعلنا نحترم ونقدر ونثمن هذا الإرث الغنائي عالي التطريب منذ أن فتحت الإذاعة السودانية في بدايات أربعينيات القرن العشرين أجهزة صوتها لينطلق صوت أحمد المصطفي عبر الأثير ، فيعبر الفيافي ويخترق ريف بلادنا وسهولها ووديانها الواسعة ، ليخاطب أحاسيس هذا الشعب المرهف بطبعه بحلو الغناء الذي يبعث علي حب الوطن:  ( نحن في السودان ... نهوي أوطانا ..وإن رحلنا بعيد .. نطري خلانا .) فقد ظل أحمد المصطفي وطوال مسيرته الفنية التي تجاوزت نصف القرن من الزمان يغرد ويغرد ويشجي ونطرب له ، فقد عاش العشاق أزمنة ترقب جميلة وهم يرددون معه عبر المذياع تلك المفردات البسيطة جدا ً : ( القربو يحنن ... والبعدو يجنن ..الهين ولين .. وديع وحنين .. شغل بالي ) . نعم .. من منا لم يعش نداوة هذا اللحن بمفرداته البسيطة وبموسيقاه الراقصة ، كنا والله نرددها ونحن في عمر الطفولة الباكرة نجري ونلعب وننطط ، ونترنم بها ( القربو يحنن والبعدو يجنن) ، ومن منالم يكن ينطقها خطأ فيقلب المفردات ، بل لازلنا نتراهن ونحن في مرحلة الصبا كيف للشخص أن يردد وبسرعة أغنية محددة لأحمد المصطفي والتي يقول في بيت صعب الترديد منها دون أن يغلط في نطقها بتشكيلها :( حياتي حياتي .. أحبُكِ أنتِ .. كحبي لذاتي .. أٌحبُكِ أنتِ.. لحـُبكِ أنتِ معاني الحياة ) .

  وفنان في مثل قامة أحمد المصطفي ، حري بنا أن نعيد تدارس مسيرته ونعقد لها المنتديات ويشارك فيها المختصون من أهل الموسيقي والتأليف ومن شعراء الأغنية ، لأن كل أغنيات أحمد المصطفى تحكي حكايات وحكايات، وتسرد تاريخاً جميلاً من فن الغناء السوداني الحديث ، لأن أحمد المصطفي قد صبر وصبر وصبر وإجتهد إلي أن أحدث نقلة عالية المقام في مسيرة الأغنية فجعل للأغنية السودانية وأيضاً  للفنان السوداني قيمة ومعني ومبني ومكانة رفيعة في المجتمع.

  فقد تعامل عميد الفن مع العديد من الشعراء ، إلا أن الراحل (الجاغريو)  وهو المكتشف الأول لموهبة إبن أخته أحمد المصطفي بقرية الدبيبة بشرق النيل الأزرق ببحري قد كان له القدح المعلا في إيصال الأغنية الطروبة عبر صوت مطربنا ذي البحة المميزة والمحببة حقا في كل غنائه.. فإنهمرت مفردات وألحان الجاغريو التي كم كان أحمد يخاطب بها أبناء شعبه: بنت النيل بكل زخم جمال ظبية المسالمة بأم درمان التاريخ ... ياحبيبي أنا فرحان .. فرحان بيك .. اريت يدوم هنانا .. وقد قيلت بمناسبة زواج مطربنا .. والهادية راضية أنا مابخونها .. وهي تحكي عن دحض الإشاعة التي إنتشرت عن زواج ثاني لمبدعنا .. فكان لابد أن يعبر عنها الجاغريو شعرا ولحنا لتموت الإشاعة  في مهدها ( حسب الروايات القديمة).

   وقد كتب المعلق الإذاعي الرياضي المعروف الراحل ( طه حمدتو ) وهو قليل الكتابة الشعرية   أغنية ذات جرس جميل ، وذات موسيقي طروبة تبدأ بآلة الفلوت أو ( صفارة الأبنوس الخشبية العريقة ) فكان محبو الموسيقي يتعلمون العزف علي الصفارة الخشبية بموسيقي هذه الأغنية      (  الوسيم القلبي رادو ..  الجمال حاز إنفرادو .. مالو لو مر إبتسم لي.. مالو لو أنجز ميعادو)

   غير أن الإنحياز لقضايا الشعب والوطن والتعبير عن اشواق أهل السودان في نيل الحرية من ربقة الإستعمار قد كان من أوجب إهتمامات العميد ، فهاهو في عز سطوة الإستعمار يأتي من القاهرة بنصين وطنيين كتبهما الشاعر الراحل الضخم عبدالمنعم عبدالحي الذي ترك السودان وهو طفل صغير لينشأ ويترعرع مع أخيه الأكبر بقاهرة المعز إلي أن فارق الدنيا في ذات عام رحيل أحمد المصطفي 1999م ، حيث ظل العميد برغم رقابة قلم المخابرات البريطانية بالخرطوم ينشد للشعب قبل وبعد إستقال البلاد ( أنا أم درمان مضي أمسي بنحسي ) فترددها الجماهير وتتناقلها الألسن .. لكن الإستعمار يوقف أحمد المصطفي وينذره بعدم غنائها إلي أن إرتفع علم السودان خفاقاً بسارية القصر في يناير 1956م لتعود من جديد عبر المذياع وهي أكثر قوة .. وليردفها العميد بالأخري: ( لي غرام وأماني .. في شموخك ومجدك.. عشت ياسوداني.) بموسيقاها الناعمة التي قام بتوزيعها من جديد الموسيقار بشير عباس لتفوز في مسابقة إذاعة ألمانية ويحرز بها المركز الثالث عالمياً الآن .

  وتستمر المسيرة ويجمع أحمد المصطفي كل أهل الفن ليؤسس مع زملائه المبدعين من مطربين وموسيقيين إتحاد الفنانين للغناء والموسيقي ، ويجتهد عميد فننا ليرسي دعائم هذا الصرح العتيد علي ضفاف نيل أم درمان الخالد ( دار إتحاد الفنانين للغناء والموسيقي ) ، ليشمخ أحمد المصطفي أكثر وأكثر أمام أعين زملائه وأمام كل أجهزة الإعلام في بلادنا.

***من خارج الوطن: كيف أتت أغنية زاهي في خدرو،و بلَّ شوقي ، وأنا أم درمان ؟؟؟

طوال مسيرته الفنية ، لم يتوقف الفنان الراحل وعميد الفن السوداني أحمد المصطفي عن التجديد في أعماله الغنائية ، وفي طريقة ألحانه ، بل وفي تنوع مفردات الأغنيات نفسها ، فما من شاعر-  بخلاف الجاغريو - لم يتمني من أن يتغني العميد بأشعاره .

     ومن المعروف تاريخياً ، أن كل من احمد المصطفي وحسن عطية وابراهيم الكاشف والفرقة الموسيقية ، قد أعدت لهم حكومة السودان ( الإنجليزية طبعاً ) في العام 1944م رحلة فنية للترفيه عن الجنود السودانيين الذي شاركوا من ضمن قوة دفاع السودان مع الحلفاء في معركة العلمين في ليبيا ، وقد كانت الكتيبة العسكرية السودانية مرابطة في مدينة الكفرة الليبية حيث مكث الفنانون المبعوثون أسابيع طويلة يتغنون للقوات السودانية .

   وهناك في الكفرة كان الصاغ محمود أبوبكر من ضمن قيادات قوة دفاع السودان ، وهو يكتب الشعر ، غناءً وأناشيداً ، فكتب لأحمد المصطفي نص ( زاهي في خدرو ما تألم ) ، فأعجب بها العميد وشرع في تلحينها ولم تستغرق منه غير يوم واحد ، وأجري بروفاتها مع الفرقة المصاحبة ، وتغني بها في حفلهم الأخير للجنود ، ثم غفلوا راجعين إلي السودان بالبر عن طريق مرسي مطروح ، فالإسكندرية فالقاهرة ، وقد شاهد أحمد المصطفي وزملائه بعضاً من المعارك بين الحلفاء والمحور وقد إرتدوا الخوزات ولجأوا كثيرا مع الجنود إلي السواتر وسكنوا الخنادق . والحلفاء هم جيوش بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة وغيرها من دول أوربا . أما جيوش دول المحور هم بالطبع ألمانيا وإيطاليا والنمسا و حتي اليابان البعيدة.

 تلك الأغنية كانت هي ( زاهي في خدرو ) التي كتبها الصاغ ( الرائد ) محمود أبوبكر :

 قالوا ليهو القطر تقدّم

كفرة نيرانا .. زي جهنم

تحرق الجنب الشمال

ما تكلم وما تألم .. إلا تمتم بإنفعال

أجري دمعو .. وارخي سمعو

البرق سمعو .. كال وهال

في مسايرو .. وفي ضفايرو

وفي سنونو ... الموت حلال

   وفي القاهرة كان لأحمد وزملاؤه متكئاً من الإبداع ، فهاهو الشاعر السوداني والجندي بالجيش المصري الشاعر الغنائي الراحل عبدالمنعم عبدالحي يكتب له في ذات الزمان بالقاهرة ، ليلحنها أحمد المصطفي فوراً ، بل ويسجلها في إذاعة ركن السودان من القاهرة  وهي ( إذاعة وادي النيل حالياً ) ليسمعها شعب السودان من تلك الإذاعة التي كان بثها يبدأ من الساعة الثالثة ظهراً وحتي المغرب يومياً .. وهي أغنية : ( بل ّ شوقي .. وردّ روقي .. بعد الألم ) .. كانت أغنية في غاية الهدوء ، فهي من فصيلة غناء التطريب الطرب الهاديء.

   ولأحمد المصطفي العديد من الأعمال الراسخة في وجدان الجماهير ، فقد كان ذات الشاعر عبدالمنعم عبدالحي متأثراً بالحركة الوطنية التي تمددت بالسودان مطالبة بجلاء الإنجليز من السودان ومصر في أربعينات القرن الماضي ، فتأثر عبدالمنعم عبدالحي ، وتذكر مدينته الفاضلة أم درمان التي شهدت ميلاده وطفولته الباكرة بحي الموردة قبل أن يأخذه أخوه الأكبر وولي أمره معه إلي القاهرة حيث كان يعمل في سلاح الهجانة بالجيش المصري ، وكان جل الهجانة من أبناء السودان ، حيث يمثل حي عين شمس وحتي اللحظة أكبر معقل للسودانيين القدماء هناك ، والذين يطلق عليهم المصريون ( جالية ).

    كتب عبدالمنعم ( أنا أم درمان ) وقام العميد بتلحينها هناك ، وتغني بها في إذاعة ركن السودان ايضاً ، غير أن قلم المخابرات البريطانية بالخرطوم منع تداولها هنا ، فأخفاها أحمد سنوات قليلة ، إلي أن أشرقت شمس الإستقلال بقوة ساطعة ، فخرجت اللأغنية من إذاعة هنا أم درمان بعد رفع علم الإستقلال علي سارية القصر الجمهوري في 1/1/1956م :

أنا أم درمان مضي أمسي بنحسي

غداً وفتاي يُحطِّمُ قيد حبسي

وأخرج للملأ في ثوب عُرسي

وأهمسُ والوري يعلن همسي

وأعلنُ والوري يعرفُ حِسِّي

وأبسُم ُ بعد ما قد طال عبسي

فيا سودانُ  إذ ما النفسُ هانت

أقدمُ للفداء .. روحي بنفسي

  وظل شعب السودان يتغني بها ولسنوات طوال بعد أن نالت البلاد إستقلالها ، وقد سيطرت هي ورائعة محمد عثمان عبدالرحيم ( أنال سوداني أنا ) التي حبس الإنجليز مؤديها الراحل حسن خليفة العطبراوي بسبب أدائها دوما بعطبرة وشندي والدامر ، فأتي هو الآخر من مدينة عطبرة عقب إعلان الإستقلال ليسجلها بإذاعة أم درمان ، لتشكل مع أنشودة أحمد المصطفي ثنائية فائقة الجمال ، وقوية الطرح وقد ألهبت مشاعر السودانيين في ذلك الزمان ....

** كانت ثقافته تتعدي الحدود فجاءت وطن النجوم في زمان باكر

    هناك أغنية محددة يكاد الشعب السوداني كله يحفظ كلماتها ، وهي لها قصة لا تخلو من حزن . فمن المعروف أن لأحمد المصطفي علاقة إجتماعية متينة وصامدة لعقود طويلة ، حتي إمتدت إلي العمق التجاري بالسوق السودانية مع آل أبوالعلا في أم درمان ، والقصة هي أن أحد أبناء عائلة ابوالعلا ، وهو الشاب حسن عوض أبو العلا الذي كان يدرس في مصر ، قد أصيب بشلل فجائي إثر قفزة كانت خاطئة حين كان يسبح في حوض سباحة في مكان ما هناك ، ما أثر علي العمود الفقاري ، ولم تفلح محاولات أهله في علاجه بالقاهرة ، وأصبح الحالة ميئوساً منها ، فجييء به إلي دار أهله بام درمان ، ألا وهو الشاعر الشاب ( حسن عوض أبو العلا ) والذي فارق الدنيا في سريره في العام 1962م تقريباً .

   والشاعر الشاب حسن عوض أبوالعلا كتب العديد من القصائد الغنائية وهو طريح الفراش ، وتأتي من أهمها أغنيته الخالدة المذكورة آنفاً وهي ( سفري السبب لي أزاي ) ، وقد وضع لها الفنان احمد المصطفي لحناً هادئاً جميلاً ، سكن في وجدان الناس تماماً ، لأن مفردات القصيدة كانت تحكي دون شرح معاناة الشاعر ، وذلك حين يقول: ( سفري السبّب لي عنايا ..وحطـّم وعكـّر لي صفايا )

   كانت تلك اللوحة الحزينة التي كتبها حسن عوض أبو العلا وتفاعل معها عميد الفن احمد المصطفي.. وعاشها شعب السودان الذي كان يغنيها في لياليه المقمرة علي إمتداد الوطن الواسع  وكأن هذه المأساة قد عاشها كل فرد في بيته ، فكانت درجة الإنفعال الشعبي بتلك الأغنية كبيراً حتي حين غادر شاعرها الدنيا ، فتامل كيف يعيش شعب بأكلمه مأساة أحد شعرائه الشباب وهو سحن عوض عوض ابوالعلا الذي كتب ايضا لسيد خايفة ( امل ) المشهورة بِ ( ولـّي المساء الواله المحزون في جوف الضباب.. وأنا أهيء زينتي وأعد في زاهي الثياب ) 

   وأحمد المصطفي وبدرجات الإنفعال والعاطفة الوطنية ، فإنه وفي إحدي زياراته إلي القاهرة في مطلع خمسينات القرن الماضي ، كان قد إطلع في إحدي المجلات الأدبية علي نص شعري فأعجب به ، وقام بتلحينه والتغني به ، كتبه كبير شعراء المهجر من اللبنانيين الذين هاجروا منذ بداية القرن العشرين بالسفن عبر البحار إلي أمريكا وهو الشاعر اللبناني ( إيليا أبوماضي ) حيث عاد وهو في التسعين من عمره إلي موطنه لبنان بعد عقود طويلة قضاها بالمهجر تاركا خلفه زملائه الشعراء ميخائيل نعيمة وجبران خليل جبران وغيرهم ، فقد كتب إيليا حين لامست قدماه مرفأ بيروت البحري وقد أطرق برأسه إلي السماء في ليلة وصوله وقد شاهد سماء لبنان مرصعة بالنجوم ، وهو مشهد لم يره منذ سنوات طوال ، بسبب سكناه بناطحات السحاب بنيويورك .. فكتب فور وصوله إلي دار أهله في بيروت في ذات الليلة .. ثم وضع القلم و خلد إلي النوم :

وطن النجوم أنا هنا

حدّق .. أتذكر من أنا

ألمحت في الماضي البعيد

فتيً غريراً أرعنا

جذلان يمرحٌ في الحقول

مغرداً ... ومدندنا

يتسلقُ الأشجار.. لا وهناً

يحسُ .. ولاعنا

ويعود بالإغصان يبريها

سيوفاً .. أو قنا

ويخوضُ في وحل الشتاء

متهللاً ... متيمناً

لا يتـقي شر العيون

ولايخافُ الألسـنا

    ** كان صوته يأتينا من الراديو هادئاً في سكون الليل

ظل افنان احمد المصطفي يبحث في أعماق الشعر العربي قديمه وجديده ، فكان الجديد هو رائعة الشاعر اللبناني ( إيليا أبو ماضي ) والتي ذكرنا تفاصيل عثور أحمد المصطفي علي نصها والتي كتبها إيليا وقد كان في التسعين من عمره حين غفل راجعا من هجرته الطويلة بالمركب من أمريكا ، فأخرج ( وطن النجوم أنا هنا .. حدّق اتذكر من أنا ) حين وطأت قدماه مرفأ بيروت البحري في العام 1949م وقد رأي النجوم ترصع سماء بلاده وهو منظر لم يشاهده لستين عاماً .. فكتبها قبل أن يخلد للنوم في دار أهله .

   وهو ما يعطي إنطباعاً مؤكداً بأن أحمد المصطفي كان يمتاز بعمق وحس أدبي كبيرين ، فهاهو يأتي لنا بنص فصيح آخر ، ولكن هذه المرة أن شاعره هو مبدع سوداني آخر ، كان يعمل برئاسة وزارة التربية والتعليم ، حيث ظهر هذا النص عندما تغني به أحمد المصطفي ، وقد أحدث ضجة كبيرة ، خاصة في الأوساط التي تهتم بالأدب ، علماً بأن معظم الغناء السوداني ، بل والعربي يعتمد علي نصوص المفردات الدارجة .

  ذلك الشاعر صاحب القصيدة التي نحن بصددها هو الأستاذ ( مهدي الأمين ) والذي كتبها ونالت مانالت من شهرة قبل عقود طويلة ، غير أن الإعلام لم يبحث لنا أين هذا الشاعر العجيب؟

فالقصيدة كانت بعنوان ( في سكون الليل ) ، وهو عنوان إستهلالي مريح جداً ، يعود بنا إلي ليالي السودان الدافئة والمقمرة ، حين كان غالبية أهل السودان في مدنه وقراه وأريافه القريبة والبعيدة.

في سكون الليل

دعنا نجتلي الصمت الهريب

إن في جنبيَّ معنـَي

فوق إحساسي عجيب

   وعربيا .. تغني أحمد المصطفي في فليم مصري بأغنيته وبمشاركة الفنان اللبنانية صباح حين كانت في فورة شبابها بالقاهرة وبيروت وهي أغنية ( رحماك يا ملاك .. هلكني وملكني وجنني).

كما لاننسي كيف إحتفي أحمد المصطفي بكوكب تالشرق أم كلثوم عند زيارتها للسودان في العام 1968م حيث اقام لها إتحاد الفنانين حفلا كبيرا بداره بأم درمان وحفلا غنائيا بالمسرح القومي.

  أما في مجال الشعر الغنائي ، فلأحمد المصطفي العديد من الغناء الراقي والجميل والسهل ، كتبه له شعراء السودان الراحلين ، فجاء له خالد أبو الروس برائعته : ما أحلي ساعات اللقاء .. في الشاطيء قرب الملتقي .. أنا والحبيب عند الغروب ، وهذه نذكرها لمن لم يشهد حدائق المقرن في مناسبات الأعياد ايام زمان حيث تنطلق الأسر إلي شاطيء النيل بالخرطوم . كما تغني من كلمات الصحافي والشاعر المتعدد الآفاق حسين عثمان منصور بأغنية : أيام زمان .. كانت أيام .. لي فيها قصة ..قصة غرام ، وقد كنا أيضا نعيش الغناء خفيف الظل من نظم الجاغريو حين كان بيت الخياطة هو أهم إهتمامات الفتاة التي تتوق لتعلم فنون التفصيل والخياطة :

( وين سميري .. المرسوم في ضميري .. جن ماشات تلاتة ..أعرفوا زولتي ياتة . بحلاف بحياتها .. وأهاجر ليها حافي .. وأزرو بيت الخياطة .. وين سميري المرسوم في ضميري ) .

   وإستمرت مسيرة الغناء الجميل عند العميد ، فتغني لظبية المسالمة .. الفي الخمايل حالمة .. وفيك ياظالمة ، نعم ... إنها ( بنت النيل ) .. فكان الشعب السوداني كله يرددها في افراحه وفي مدارسه ومعاهده ، ذلك أن فن الغناء لايزال يرتبط إرتباطاً وثيقاً بثقافة الشعب السوداني ، وقد تشكل وجدانه تماماً به منذ نعومة أظفاره .

   رحم الله العميد أحمد المصطفي والذي مثلما قلنا ، بأنه كان يشكل جزءاً مقدراً وعزيزاً من وجدان هذا الشعب ، ونحن حين ودعناه في نهاية اكتوبر من العام 1999م إلي مثواه الأخير ظللنا نردد بعده غنائه الجميل ، ولن ننسي ذكراه  ، مهما حاولنا .. نعم سنغني بعده مدي الدهر جميل أغنياته : ( حاولتً أنساك ... وقلبي زاد في جروحو..وريني كيف .. الحي بودّع روحو ؟؟