صلة لما إنقطع من حديث حول مسيرة هذا الفنان الراحل الخالد عثمان حسين .. نري أنه لابد من الإشارة لأغنية محددة لا نعرف حتي اللحظة إسم  شاعرها ولا مناسبتها.. لكن ربما يعلمها المقربون من أبوعفان ، فقد ظلت تلك الأغنية تمتليء بالحزن والأسي المشحون في ثنايا مفرداتها العجيبة .. ويقال أن شاعرتها إمرأة إفتـقدت زوجها .. ورواية أخري تقول العكس .. وآخرون يقولون انها مأساة حقيقية لا يرغب الفنان في ذكر تفاصيلها حسب رغبة مؤلفها.. ولكن مهما كانت ظروف مناسبتها .. فإنها ستبقي أغنية تخاطب فينا الرقة وتثير الأشجان لأنها غارقه في الحزن .. إذن الأغنية تلك هي (طيبة الأخلاق) . وهي تذكرني بفنان ودمدني الراحل عبدالرحمن خواجه والذي كان يؤدي كل أعمال عثمان حسين بطريقة مذهلة وتكاد لا تفرق بين صوتيهما:

فراق حبيبتي مابنطاق .. وليه يا طيبة الأخلاق

ليه يا دنيا تختاري .. تشيلي حبيبتي من داري

ليه حطمتي آمالي ؟

ليه ياطيبة الأخلاق ؟؟

***

أنا السجنوني في سوري .. أنا المنعوني من زولي

متين يا حمتي تزولي .. أنا الحققت مقدوري

معاك يا طيبة الأخلاق

وقد كان عثمان حسين في زمان مضي يختتم بها حفلاته لأنه كان يعرف سلفاً أن الجمهور (حيقـلبوها بيت بكاء) كما يقول المثل السوداني إن غناها في البداية.. ولأنها أغنية فيها حزن كثيف جداً.. وشعبنا السوداني بطبعه تطغي عليه مسحة الحزن بسرعه بمثلما تجده يفرح وينبسط أيضاً وبسرعه خياليه .. ولقد كنت أقول دائماً بأنه شعب متـفرد في كل شيء. فهذا الشعب  تجد ان الرقة هي كسوته في الشتاء والصيف .. بل وفي كل المواسم.

ومن المعروف أن أبوعفان كان عندما يختتم هذه الأغنية فإنه يدخل علي طول وبنفس مسار الإيقاع في أغنية أخري وهي  ( إن تريدي ياليالي تسعدينا .. وتجمعينا كما كنا  .. ما تلمِّي زول علينا)  وهي مايطلق عليه بالكسرة  ، ففي الماضي كانت هنالك ( الأغنية وكسرتها)  وهي أن تكون الأغنية الأولي بطيئة الكلمات ثم تأتي بعدها ودون توقف أغنية خفيفة الكلمات..  ولايزال الرياضيون القدامي يذكرون تشجيع جمهور الكرة لهداف الهلال الراحل حسن عطيه الذي يجيد مراوغة دفاع (المريخ) في بداية الستينيات والجمهور يصرخ (كسره يا أبوعلي) تيمناً وتشبهاً بكسرات الأغاني عند الفنان الراحل حسن عطية الذي أشتهر بتقديم الأغنية البطيئة  ثم كسرتها السريعة ، حين يقول جمهور الحفل ( كسرة يا أبوعلي ) .  فما أروع مزج السودانيين في التعليق الرياضي مع الفني.

وكان في السودان العمالقة من أصحاب الذوق الرفيع والحس المرهف في نسج شعر الغناء ومن ضمن هؤلاء وأولئك  يطل علينا ومن ذات الأفق المشرق ، شاعرنا الرقيق مذ كان طالباً في وادي سيدنا الثانوية ( حسين بازرعه) في منتصف خمسينيات القرن الماضي وقد عاد مؤخراً إلي أرض الوطن بعد أن مكث في مدينة جدة لمدة خمس وثلاثين عاماً متواصلة .

و بازرعه هذا  تعود جذوره الأولي إلي ذلك البلد الذي إشتهر بأنه مهد العروبة الأول.. إنه اليمن السعيد ، وتحديداً (إقليم حضرموت) التاريخي في جنوب جزيرة العرب الكبري.. وقد أتي أجداده كعادة العرب قديماً متنقلين في حركة التجارة وحريتها المتاحة عبر البحار في أزمنة بعيده ماضيه .. فكانت مدينتي جده وبورتسودان من أهم المحطات التي شهدت هجرة التجار الحضارمة  وهكذا كانت بورتسودان ومن قبلها سواكن في عهد الدولة العثمانية ، ملتقي تاريخياً للتجار العرب منذ ذلك التاريخ .. فكانت مرفأ للكثير من عائلات الحضارمة عبر التاريخ البعيد مثل آل بازرعه وباوارث وباعبود وباحارث وباخريبه وباكثير وباعشر وعبده ربه.. وكل الباءات التي أضافت للحضارة السودانية تراثاً ثراً في مختلف العهود.. وهذا المزيج العربي الافريقي هو الذي كان نتاجه هذا الشاعر الفذ المتألق حسين بازرعه.

فجاءت الروائع من خيال هذا الشاعر المفعم بالوجد: لا تسلني وأنت لي ومن أجل حبي والمصير وشجن وقصتنا والقبلة السكري واللقاء الأول والوكر المهجور وغيرها وغيرها من تلك الإبداعات التي إرتبطت بعثمان حسين بمثلما إرتبط عثمان حسين بها وبشاعرها حتي اليوم.. ولعل (الوكر المهجور) تأتي كواسطة عقد لقصائد هذا الشاعر المرهف ليزين بها جيد الغناء السوداني علي إمتداد تاريخه القديم والحديث .. فهي اغنية ذات معاني تعيد للإنسان ذكريات أيامه الخوالي .. ولا ادري هل كان بازرعه يرمز بها إلي وادي سيدنا التي لها في نفوس طلابها معزة خاصة .. أم أن له مشروعاً أصبح يتذكر كل جماليات أيامه حين يقول في ذلك:

كانت لنا أيام .. في قلبي ذكراها

ما زلت أطراها

ياليـتـنا عدناها أو عادت الأيام

****

إن أنسي لا أنسي ..ذكراك ياسلمي

في وكرنا المهجور.. والصمت قد عمَّ

تحلو لنا الشدوي .. والحب والنجوي

وتتواصل الأغنية بهذا المسار الذي يتحدث كله عن ماض رحل بكل مايحمله من أحداث محدده تعيد للشاعر ذكري حزينه وربما تنكأُ جُرحاً قديماً قد إندمل.. والله أعلم.. ونواصل:

كيف أنسي ايامي .. يافتـنـتي الكبري

ووحي إلهامي .. ذكري لياليكِ

في خِدر واديكِ

وفي منتصف الستينيات أهدي بازرعه لعثمان حسين عملاً كبيراً يحمل مضامين جديده في مكنوناته .. كان ذلك العمل ولا يزال من أرق وأعذب الأشعار في ساحة الغناء في السودان  وحتي هذه اللحظة ظل هذا العمل الغنائي يقاوم كل الجديد الذي يطل من وقت لآخر في ميدان الشعر الغنائي ، أنها تلك الرائعة (شـجن) التي تعتلي قمة اغنيات بازرعة الرومانسية . فهي ليست شجناً واحداً فقط .. إنما هي كمية هائله من الأشجان التي تبرز من بين ثنايا تلك القصيده الصامدة حتي الآن .. كما أن عثمان حسين قد جاد خياله الخصيب بتأليف لحن جميل هاديء ينساب بكل رقة إلي المسام .. وقد إستخدم  أبوعفان في موسيقي المقدمه كل أنواع الصولات واللزمات الموسيقيه .. ثم تدخل كل الآلات في اللحن بإنسجام تام .. مع توظيف إيقاع في غاية الهدوء وجمال التـقاسيم:

لمتين يلازمك .. في هواك مُر الشجن

ويكون في أيامك.. ويطول عذاب

ياقلبي..  لو كانت محبتو..

بالتمن

يرضيك هدرت عُمر

حرقت عليه شباب

لكن هواك أكثر.. وما كان ليه تمن

والحسره مابتـنـفع .. ومابجـدي العتـاب

أحسن تخليه لليالي وللزمن

يمكن يحس ضميرو.. ويهديـه للصواب

وهنا أذكر طرفة أري ضرورة نشرها هنا وهي : أنني قرأت ذات مرة في صحيفة الراي العام السودانية في الإنترنت قبل سنوات طويلة وانا اعمل بدولة قطر وقتذاك ، مقالاً صغيراً قبل عدة سنوات في ( إستراحة الرأي العام )  وقد كتبها شخص لا اذكر إسمه الآن حيث قال بأنه كان يستغل سيارة أجرة (تاكسي ) من المحطة الوسطي الخرطوم بجوار صيدلية كمبال إلي الخرطوم بحري وكان يسكن بحي الأملاك في مدخل بحري .. وفي ذلك الوقت كان عثمان يغرد بهذه الأغنية(شجن) من راديو العربه التاكسي.. فطرب الرجل وطلب من السائق أن يواصل المشوار حتي إشارة مرور المؤسسة بشارع المعونة ببحري وسيعمل له زياده في الأجره دون أن يذكر السبب للسائق .. ومن هناك عاد مرة أخري بذات التاكسي ولايزال أبوعفان يترنم (وتعود مراكب ريدنا لي بر الأمان ) حتي وصل إلي منزله في حي الأملاك.. وهنا سأله السائق :(لماذا كل هذا المشوار مع التكلفه الزائده وإنت أصلاً تسكن في حي الأملاك ولم تـنزل فيها منذ البدايه وذهبت الي المؤسسة في الشعبية وايضا لم تنزل ؟؟).

فأجاب الرجل ( الراكب ) بانه طرب لأغنية شجن التي أهاجت أشجانه بالكامل .. ولذلك طلب منه أن يواصل المشوار حتي يستمتع بكل الأغنية .. ولكن الرجل عندما همّ بدفع أجرة المشوار لصاحب التاكسي فإنه قد رفض إستلامها .. بل (حلف بالطلاق) ألاّ يدفع ولا مليماً واحداً لأنه هو الآخر كان في غاية الطرب وأن أبوعفان هو فنانه المفضل.. فعجبت لشاعرية هذا الراكب كاتب المقال وعجبت أكثر لشفافية ورقة  صاحب التاكسي.. ولا أملك هنا غير أن أقول ( ياهو ده السودان  ) .. ولا أزيد.

ختاماً .. يجب أن نحيي ذكري مطربنا الراحل الضخم عثمان حسين بقدرما أضاف لتاريخ الفنون في بلادنا أشياء جميله تتعدي عصرنا هذا وتظل تراثاً إبداعياً يسكن في وجدان مستقبل الأجيال القادمة ..  واطال الله في عمر شعرائه ونحييهم جميعاً :  عوض أحمد خليفه و السر دوليب ومحمد يوسف موسي وصلاح أحمد محمد صالح والرائع حسين بازرعة ونترحم علي روح إسماعيل حسن وقرشي محمد حسن وصاحب غرد الفجر الشاعر والدبلوماسي السعودي حسن عبدالله القرشي وغيرهم

نعم ... إننا مع الفنان عثمان حسين .. كانت لنا أيام .. في قلبي ذكراها .. ما زلت أطراها ... ياليتنا عدناها ... أو عادت الأيام .

وإلي اللقاء  ،،،،،،

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.