أضواء كاشفة

  

 بعيداً عن رهق السياسة وآلامها الموجعة،هاهي الذكري الأولي لرحيل فنان الجماهير وقيثارتها المطربة عثمان حسين ، قد أهلت وأطلت من الأفق البعيد والقريب. حيث جاء النداء من العلي القدير أن : ( يا ايتها النفس المطمئنة إرجعي إلي ربك راضية مرضية فأدخلي في عبادي وأدخلي جنتي ) صدق الله العظيم .. فكانت وستظل كلمات جليلات عظيمات فخيمات قدسيات من لدنه الكريم ، إستجابت لها روح الأستاذ عثمان حسين ، فصعدت إلي بارئها حيث يجد إنشاء الله دارا خير من داره ، وأناس خير منا جميعا ً. ولكننا نقولها وبكل الصدق ، ما أجمل صفات هذا الشعب الأسمر ، شعب السودان الذي شبت معه قدرات لا يستطيع أحد في الدنيا كلها أن يشابهها .  فكيف بالله أن يتذكر شعب في الدنيا كلها وهو تحت ظل هذه الظروف الضاغطة  فيهرع كل مساء من أماسي إسبوع كامل ليتفرج ويعيش الأحداث العظيمة التي أحيت فيها منظمة عثمان حسين الثقافية وبرئاسة الأستاذ الجليل الدكتور الشاعر السر دوليب ورفاقه المخلصين ، الذين نفذوا من ليالي الجمال الفارهة من أجل ذكري رحيل أبوعفان .

 

   تغني الشباب وتغني شيوخ الفن ، كل أتي يؤدي من أعمال عثمان ، ما يزيد من جرعات الألق والإشراق الفخيم التي كان عثمان يطرب بها شعب السودان علي مدي ستين عاماً دون توقف.

    تغني صلاح مصطفي ، وأطرب محمود تاور ، وأبدع مجذوب أونسة ، وعبدالقادر سالم ، وسيف الجامعة ، واللحو ، ولم ينس النجوم ، نجوم الغد الإسهام الفعال ، بالرغم من أنهم لم يشهدوا مجد عثمان وصوت عثمان ، النجمة الشابة أفراح عصام تشدو ( فراق حبيبتي ما بنطاق ... وين يا طيبة الأخلاق ) ورددت إنصاف فتحي خاطر الغالي ، وفيصل عبداللطيف الصحافة : ليه تسيبنا يا حبيبنا .. وغيرهم كثر.

    إن عثمان حسين قد ترك فراقه فينا جرحا غائراً نسأل الله تعالي أن يندمل ، ذلك أن عثمان كان إنساناً فائق جمال الصفات ، خلقة وأخلاق ، أناقة كاملة الحضور ، ملابس من أغلي العواصم يجلبها معه حين يزورها بدءاً من أكسفورد ستريت في لندن إلي البير كرادان وإيف سان لوران وكرستيان ديور في باريس وحتي شارع شريف بالقاهرة ، تماماً مثل رفيقه الراحل أحمد المصطفي الذي كان مثل عثمان ، لايغني إلا وهو يرتدي الفل سوووت . وفي ذلك ثقافة باهرة منهما يحترمان فيها الفن والشعب معاً . وما أعظم من يحترم هذا الشعب ، فكان عثمان يعشق الكلم الطيب من الغناء ، لذلك فقد إختار الدرر الغوالي من حلو الكلام الذي أتي مثل العجوة المعطونة بعسل . يالك من فنان يستوعب الراقي من الشعر ، كيف لا أعشق جمالك .. ما رأت عيناي مثالك ؟ نعم ... كتبها شاعر بسيط في سوق أم درمان قبل ستين عاماً ومضي ، رجل عادي من عامة الشعب وغماره ، هو علي محمود التنقاري ، فإلتقطها عثمان وجذب بها وفيها مثقفي السودان من الأفندية حينذاك ، فأصبح عثمان يحمل لقب فنان الأفندية منذ صغره ، وماله التنقاري الذي يجيب علي السؤال الذي لم يطرحه عليه أحد . فما كنا نحسب أن بيوت الجالوص تأتي بكل هذا الكلام العجيب ... وهنا ... نودع عثمان للمرة الثانية ونردد معه وبعده ومع بازرعة : ( كانت لنا ايام  ... في قلبي ذكراها .. ما زلت أطراها .. ياليتنا عدناها أو عادت الأيام ) ،،،،

 عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.