عبق التاريخ وصدي الذكريات (9)
سلسلة خواطر يكتبها صلاح الباشا
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

في ودمدني ، كنا نركب المواصلات الداخلية من الموقف القديم – وليس الموقف العام الحالي- والذي كان يمتد من بداية محطات البنزين أمام مستشفي ودمدني وحتي موقع بنك النيلين الحالي في شارع إتجاه واحد  حيث لم تكن مباني البنوك الحالية موجودة ، فكانت المساحة خالية تماماً وهي الموقف الرئيس للمدينة، فلم يكن هناك جامع الصائم ولا دكاكين الكهرباء ولا بنك الخرطوم أو بقية البنوك ، كانت كل هذه المساحة الطويلة مخصصة كموقف لمواصلات المدينة وماجاورها من مناطق من ضواحي ودمدني ، كما أن معظم وسائل المواصلات التي كانت سائدة في الستينيات تحديداً وقتذاك هي البصات الفلوكسواجن ( ميني بص ) والتي كان يطلق عليها البولمان ، كما أطلق النسوة علي العربة البولمان تلك  لفظ  ( العظمة)  وهي ألمانية الصنع ، نظراً لأنها كانت وسيلة راقية ومريحة حيث إنتقل الناس من ركوب بصات اللواري الأوستن والكندا ذات المقاعد الحديدية إلي هذا النوع الراقي من عربات الأجرة. وفي فترات لاحقة في الستينيات ذاتها إختفي البولمان وظهر بدلاً عنها الحافلات الإنجليزية التي تسمي ماركتها ( التيمز) علي إسم نهر التيمز في لندن ، ونقول لها التيمس بالبلدي، حيث كانت أبوابها تفتح من الخلف وليس من الجنب مثل البولمان الألماني.
وبمناسبة العربة البولمان التي أطلق عليها  إسم – العظمة- فقد كانت البنات يتغنين بالدلوكة بأغنية في المناسبات تحمل ذات الإسم لهذه العربة الجديدة ( العظمة) وهي تقول :
سايق العظمة سافر  خلاني وين
يا الماشي لأم درمان جيب لي معاك فستان
شرطاً يكون فنان.. زي خدك النديان
وسافر خلاني وين
يا الماشي لباريس.. جيب لي معاك عريس
شرطاً يكون لبيس.. من هيئة التدريس
وسافر .. خلاني وين
كما كانت الأجرة للمواصلات داخل أحياء ودمدني بقرش واحد فقط ، أما  الأجرة إلي بركات ومارنجان فكانت بثلاثة قروش نظراً للبعد النسبي للمسافة ، ولكن من غرابة الأشياء التي لم أجد لها تفسيراً حتي الآن هي أن مواصلات حي المزاد في ودمدني كانت حتي وقت قريب هي نفس البصات الكبيرة الأوستن والسفنجة البدفورد ذات المقاعد العتيقة والبابين بالسلالم الضيقة العالية والتي ظلت تعمل في الخط منذ نصف قرن تقريباً وحتي تاريخ قريب بالرغم من قرب حي الحلة الجديدة والمزاد من السوق الكبير ، فلم أشاهد دخول الحافلات والدفارات الكناتر والبكاسي في خط المزاد إلأ مع نهاية القرن العشرين.
أما السوق الصغير أو السوق الجديدالذي يجاور دار الرياضة فهو لم يتحرك من موقعه الحالي  لكنه لم يكن بنفس هذه المباني المسلحة الحديثة ، فقد كان عبارة عن دكاكين معروشة بالسقف البلدي ويبيع فيها الإخوة اليمانيون البهارات والعيش وبقية أصناف الخردوات وقد كان السوق الصغير يمتليء بالمقاهي، ومن طرئف الأشياء أن اليمانية أصحاب تلك الدكاكين كانوا يغلقون السوق عندما تكون هناك مباراة بين الأهلي والإتحاد عصرا ، وليس ذلك لكي يذهبوا للفرجة علي المباراة ، ولكن لأن الكرات كانت دائماً تخرج خارج سور الدار لترتطم بأطباق البهارات المعروضة في الدكاكين وتبعثرها علي الأرض وتصيب صاحب الدكان بخسارة محققة ، لذلك كانوا يتندرون بأنهم يتخوفون دائماً من ضربات كرات الرشيد محمد علي ( كوفادس) جناح أيمن الإتحاد حيث أن كراته دائماً عالية وكثيراً ما تخرج خارج دار الرياضة في إتجاه دكاكين اليمانية.. فقد حفظوا إسم الرشيد تماما، فما أن تخرج الكرة خارج الأستاد إلا ويصيحون ( والله هاذي كرة الرشيد ).
ومن الأحداث الحزينة التي عاشتها ودمدني لسنوات طويلة ، كان ذلك الحادث الدموي  المروع الذي إرتكبه خادم يعمل بمنزل المرحوم المقاول ( عبدالله سيد خليفة) الذي يسكن بحي الدرجة في شارع بركات وعلي مقربة من مدرسة مدني الثانوية للبنات ، كان صاحب المنزل في مهمة خارج المدينة ، وذات نهار في العام 1962م أصاب الخادم هذا مس من الجنون فأمسك بسكينة حادة بالمطبخ وبدأ في طعن كل من البيت بطريقة مفاجأة ولم يكن أحد في المنزل يتوقعها ، فقتل الأم وبناتها عند عودتهن من المدرسة الوسطي ونجا فقط محمد وأخيه الصغير حيث لم يلحظهما الخادم لإختباء الطفل الصغير تحت السرير وكذلك لـاخر محمد بالمدرسة وهو لم لتجاوز الثامنة من عمره وقتذاك ، وبعدها خرج الخادم وفي يده السكين إلي خارج المنزل وتم القبض عليه بواسطة الجيران الذين إستدعوا الشرطة ، وهذا الحادث جعل ودمدني بل وكل السودان تعيش أسوا أيامها ، وقد تمت محاكمة الخادم الجاني وتم إعدامه بالسجن المركزي بودمدني شنقاً  حتي الموت ، وقد قرأت قبل سنوات عديدة كتاب البروفيسور إبن مدني الراحل عمر بليل حين أصدر الكتاب باللغة الإنجليزية بعد نجاح زراعة الكلي التي اجريت له في لندن في بداية السبعينيات من القرن الماضي وقد أسمي الكتاب بما معناه ( قصة حياتين) أي ( ( Tow Lives ، وربما كان يقصد من هذا الإسم هو حياته وحياة شقيقه الأصغر الراحل اللواء شرطة بابكرالصديق بليل الذي تبرع له بإحدي كليتيه ، فقد ذكر المرحوم دكتورعمر بليل في كتابه أنه عندما كان خريجاً يقضي فترة الإمتياز بمستشفي ودمدني قد تم إستدعائه لسجن ودمدني لحضور عملية إعدام ذلك الخادم كإجراء قانوني لكي يتم الكشف الطبي علي المحكوم عليه بعد دقائق من تنفيذ الحكم وذلك للتأكد من الوفاة ولكتابة التقرير الطبي القانوني بأنه قد فارق الحياة ، فذكر دكتور بليل هذه الواقعة في كتابه بلغة إنجليزية رفيعة وحكي أيضاً في كتابه ذاك تفاصيل الحادث نفسه . وأذكر بأننا قد سبق لنا أن زاملنا بعد تلك الحادثة بسنوات قليلة في المرحلة الثانوية الأخ الدكتور الطبيب والذي تخصص ثم عمل بالسعودية إلي أن توفاه الله قبل عدة سنوات ، وهو محمد عبدالله سيد خليفة في مدرسة ودمدني الثانوية والذي نجا من تلك المذبحة بأعجوبة مثلما ذكرنا أنفاً ،
وقد كان محمد هذا سياسياً إتحادياً ناشطاً بمدني الثانوية في فترة الديمقراطية الثانية بعد ثورة أكتوبر 1964م ، ثم سافر لدراسة الطب في مصر . ومن الأشياء التي كانت تبهرنا ونحن في طريقنا يومياً في بص الطلبة عندما نأتي بهذا الشارع في طريقنا إلي بركات أو منها إلي ودمدني كنا نعجب لمشهد ذلك التمساح الكبير الذي يضعه المرحوم عبدالله سيد خليفة من فوق مظلة بوابة منزله ذاك بحي الدرجة الاولي بمدني بشارع بركات، وقد كان التمساح مجففاً ومحشواً بنوع من القش حتي يحافظ علي نفس هيئته وهو حي ، فكان من العلامات التراثية الواضحة بمدينة ودمدني. ، وقد كان موضوعاً علي مظلة بوابة المنزل لسنين طويلة .
أما الحادث الآخر  في ودمدني الذي أخذ رواجاً كبيراً علي مستوي صحف البلاد كلها فقد كان هو حادث السطو الذي تم بمهارة فائقة علي بنك باركليز في مدني ، فقد حدث أيضاً في عام 1961م عندما تمت سرقة باركليز ( بنك الخرطوم حالياً) وهو بنك إنجليزي ومن أكبر البنوك التي كانت تعمل في السودان والعالم أجمع ، حيث كان موقعه القديم بجوار صينية شارع سنكات – جبرونا بالتقاطع المؤدي إلي سوق الصياغ بشارع الحرية. فقد تمكن شخص يسمي عباس من السطو علي البنك بمساعدة عصبة معينة وتمت عملية نهب البنك بمهارة فائقة وتم كسر الخزنة الرئيسة بالبنك بعد السيطرة علي موةظفي الوردية عصراً ، وحمل ما كان بداخلها بعد أن قام بوضع الموظفين المداومين مساء داخل غرفة وأحكم عليهم إغلاقها ثم قام بكسر الخزنة ، وقام بإخفاء كيس النقود الكبير عن طريق دفنه تحت الأرض بجوار دوار الترعة بشارع مدني- بركات ، إلا أن السرقة والفاعل سرعان ما كشفهتم سلطات ما كان يطلق عليهم ( البوليس السري) أو المباحث بلغة اليوم في أيام معدودة حيث كان قمندان الشرطة في مدني الراحل ( لويس سدره) الذي أصبح مديراً لبوليس السودان بالعاصمة في فترة لاحقة وهو شقيق دكتور موريس سدره ( أول وزير للصحة في حكومة نميري الأولي عام 1969 ) وكانت إجراءات المحاكمة هي حديث المدينة، وكانت صحف الخرطوم تقوم بتغطيتها بواسطة مراسليها في مدني لأن الحادث يعتبر أول وأكبر حادث سطو في تاريخ البنوك السودانية وقد إشتهرت تحت إسم ( قضية عباس بنك ). وبهذه المناسبة فقد كان يراسل جريدة الصحافة من ودمدني العم المرحوم قسم الله الأمين ( أبوسيف) والد الصديق العزيز محمد قسم الله وأخوانه وفيما بعد كان يراسلها الأخ الكبير الصديق العزيز الراحل شرف الدين( أبو فايز) ، وكان يراسل الأيام السيد بكري نور الدايم الكرنكي وحامد محمد حامد ، ومن المراسلين أيضا فاروق ودالنقاش عليه الرحمة وقد كان بطلا للسباحة ايضا .

أما الحادث الثالث الذي حدث بالمدينة وقد هز أركانها والسودان كله أيضاً ، حين قامت زوجة طبيب بقتله وقد كان نائماً ليلاً وذلك بإستخدامها لساطور حيث ضربته وهشمت به رأسه فمات في الحال ، وكان السبب في كل ذلك هو خبر زواج الرجل من إمرأة اخري.
إما عن دور السينما ، فقد كانت بودمدني في فترة الستينيات وما قبلها بقليل دارين للسينما فقط ، الأولي وهي السينما الوطنية التي لا زالت في موقعها الحالي بالسوق الكبير، ثم سينما الخواجة بجوار السكة الحديد وقد كانت تتبع لشركة ليكوس بمجموعة سينمات كوليزيوم للسينما بالخرطوم قبل قرارات التأميم في مايو 1970م ، ولا زلت أذكر أن تذاكر الدخول كان يكتب عليها إسم شركة ليكوس المحدودة ، وهي تقع بالقرب من شارع السكة الحديد بودمدني  وقد كان في الشارع الرئيس ذاك توجد عيادة كبيرة في مكان فندق سنترال الحالي وهي عيادة دكتور أغريقي إسمه ( متروبولس) ويقع بجواره مطعم ليلي يسمي ( دالاس) ، ومن طاقم الخدمة في ذلك المطعم شخص ظريف يسمي ( قرضة) ، ولا أدري هل جاء الإسم تيمناً بحكم الكرة المشهور في ودمدني وقتذاك وهو- قرضه -  أم أن الإسم جاء بمحض صدفة ، كما أن هناك عربة السينما التي كانت عبارة عن بولمان مفتوح كصندوق وتوضع عليه لوحات الدعاية علي الجانبين بلصق صور الممثلين بالأفلام التي تعرض في مساء اليوم ، وتظل العربة تتجول في شوارع المدينة وتذهب حتي إلي بركات ومارنجان وحلة حسن كدعاية للأفلام التي تعرضها دور السينما حيث لم تكن هنالك وسيلة دعاية أخري . ولم يكن  التلفزيون قد دخل السودان بعد . ولازلنا نتذكر ثمن التذكرة في درجة الشعب بأربعة قروش واللوج بثمانية قروش ، أما البلكون فقد كان بمبلغ عشرة قروش فقط ، وكانت الأفلام العربية التي يتم عرضها في مواسم الأعياد هي الأفلام الجماهيرية مثل عنتر وعبلة ، والنظارة السوداء وهي قصة إحسان عبدالقدوس وأيضاً لنفس الكاتب روايات أفلام  في بيتنا رجل وشيء في صدري ، كما شهدنا كل أفلام روايات نجيب محفوظ مثل خان الخليلي والثلاثية التي مثلت في ثلاثة أفلام وهي ( قصر الشوق – بين القصرين- والسراب) ، كما كنا نعجب بفتوات السينما المصرية مثل فريد شوقي – ملك الترسو - ومحمودالمليجي ، ونعجب بأدوار الفارس أحمد مظهر في ظهور الإسلام ، وعمر الشريف وفاتن ، وإيهاب نافع وماجدة ، ثم عصر رشدي اباظة وأحمد رمزي ، وقد كان الراحل أحمد مظهر أحد الناشطين في تنظيم الضباط الأحرار الذي صنع ثورة 23 يوليو 1952م في مصر بقيادة الزعيم الراحل جمال عبدالناصر.
كما شهدنا أواخر أفلام جيل العمالقة الذين سبقوا أولئك المذكورين مثل يوسف وهبي وعباس فارس وعبدالوارث عسر وفاخر فاخر والد هالة فاخر ، وإستفان روستي وحسين رياض والريحاني وليلي مراد وأنوروجدي وزكي رستم وراقية إبراهيم وغيرهم ، أما النجمات اللاتي كنا نتابع أفلامهن فقد كن مديحة يسري ومريم فخرالدين  وماجدة وبالطبع  سيدة الشاشة العربية – فاتن حمامة- ثم شهدن ظهور وإنتشار أخت القمر التي رحلت مؤخراً بلندن السندريلا سعاد حسني ، وهندرستم ونيللي ونجلاء فتحي وصفاء ابو السعود ونبيلة عبيد ونادية الجندي وميرفت ونادية لطفي ولبني عبدالعزيز وزبيدة ثروت وميمي جمال ولبلبة وشمس البارودي وسهير رمزي والمطربة الممثلة شادية .وفي الكوميديا كانت لا تفوتنا أفلام إسماعيل ياسين وعبدالمنعم إبراهيم وعبدالمنعم مدبولي وفؤاد المهندس وشريكته السابقة شويكار ، إلي أن أتي عصر الراحل محمد عوض والثلاثي الكوميدي سمير غانم وجورج سيدهم والراحل الضيف أحمد الذي مات مبكراً . كما عشنا مجد أفلام العندليب عبدالحليم حافظ مع ميرفت ونادية لطفي ورواية نجيب محفوظ  – أبي فوق الشجرة- وأيضاً في معبودة الجماهير مع الفنانة شادية.
وقد كانت تعرض قبل بداية أي فيلم  نشرة أخبار بالصورة والصوت من وحدة أفلام السودان بوزارة الإعلام المصورة والتي كانت تعكس أنشطة الدولة والوفود التي كانت تزور البلاد ، حيث لم يكن هنالك وجوداً للتلفزيون بعد .
أما عن الإفلام الأمريكية في ذلك الزمان، فلا زلنا نذكر أفلام عمالقة هوليوود من الممثلين في عالم السينما الذين كنا نحفظ أسماءهم وصورهم عن ظهر قلب ، مثل جاري كوبر ، جلين فورد ، كريك دوجلاس ، جون واين ، روبرت متشوم ، جروجري بيك ، أنتوني كوين ،وشارلس برونسون ، وكيف ننسي افلام جيمس بوند العجيبة كالعميل رقم سته وغيرها  كما أننا لا زلنا نذكر من فاتنات السينما الراحلة ملكة الاغراء مارلين مونرو التي إنتحرت في عام 1962م وكانت زوجة للروائي آرثر ميلر وقد قيل بان الرئيس الأمريكي الراحل (جون كنيدي) كان شغوفاً بها وأن المخابرات قد دبرت قتل مارلين ولم تنتحر وذلك بإيحاء من زوجة جون كنيدي الراحلة ( جاكلين كنيدي) ، كما كانت هناك جين فوندا وجين مانسفليد والإيطالية صوفيا لورين وكلوديا كارينالي وراكيل والش والسويدية البارعة التي إشتهرت في هوليوود وهي أنقريد بريغمان ، كما كانت هناك اليزابيث تايلور زوجة رجل الاعمال تيد تيرنر صاحب تلفزيون سي ان ان ، ثم الفرنسية التي إعتزلت لتتفرغ لجمعية الرفق بالحيوان في باريس وهي بريجيت باردو أو كما كانوا يكتبونها في الصحف ( B . B) . وكانت هناك أفلام سيدني بوتيه وأفلام غناء الجاز ومطرب الغناء( ري تشارلس) ، وأيضاً أفلام الروك أند رول للمغني الراحل الفيس بريسلي ملك الروك أندرول.
أما عن السينما الهندية فقد عشنا عصرالأفلام الراقية مثل : من أجل أبنائي ، وقد كان إسمه بالإنجليزية بما معناه ( أميَ الهند) أي   (Mother India  (، وكذلك أفلام رام وشام ،وتسري منزل ،  وكيف ننسي الفيلم الهندي الذي احدث رواجاً كبيراً وقتذاك وهو فيلم  ( جانوار)  التاريخي وفيه أغنية شامي كابور الشهيرة التي كان يرددها الشارع السوداني وإذاعة أم درمان وقتذاك ( ميري محبة زداري هيكي) التي كان يغنيها للبطلة الجميلة في الفيلم ( سبنا) .
في ذلك الشارع العريق - شارع السكة حديد- بودمدني كان يوجد في نهايته قبل مدخل بوابة السوق الجديد مخبز المرحوم يحي حسين الشرفي رئيس الجالية اليمنية بالسودان ، وقد كان  يحي حسين واحداً من المناضلين اليمانيين المناهضين لحكم الإمام يحي في اليمن وقد حضر إلي السودان منذ عهد الإنجليز حين كان حكم امامية يضيق الخناق علي المناضلين اليمانيين وعمل يحي حسين علي تجميع أفراد الجالية اليمنية بمختلف أرجاء السودان حيث كانوا قد إشتهروا بالتجارة وتخصصوا في فتح الكناتين أو البقالات باللفظ الحديث وصناعة رغيف العيش البلدي في أفران الحطب التي كانت سائدة وقتذاك في كل مدن السودان  ولعشرات السنين ، وقد ترك هؤلاء اليمنيون أجمل الذكريات والإنطباعات في مخيلة شعب السودان ، بمثلما لا يزال اليمانيون القدماء وأبناؤهم يتذكرون عشرتهم الحميمة مع أهل السودان بعد أن عادوا إلي اليمن زرافات ووحدانا بعد ظهور بوادر النفط في منتصف سبعينيات القرن الماضي ، وبعد نجاح الثورة اليمنية في اليمن وإنتهاء الحكم الإمامي وتولي المشير السلال رئاسة مجلس الثورة في اليمن في سبتمبر 1963م تم إختيار الشيخ يحي حسين الشرفي كأول سفير لليمن بالسودان ، حيث كان يرفع علم جمهورية اليمني علي سقف منزله بشارع السكة حديد بودمدني قبل أن يتم تأسيس سفارة بالخرطوم ، بل يقال بأنه طلب من الرئيس المشير عبدالله السلال أن يوافق علي قيام السفارة اليمنية في مدينة ودمدني بدلاً عن الخرطوم ، غير أن ذلك لا يمكن بالطبع ، حيث لابد أن تكون كل السفارات في العاصمة ، وهو والد الصديق والأخ  الدكتور المعروف محمد يحي حسين الشرفي الذي تلقي كل مراحله التعليمية بودمدني وكان يسبقنا بعامين في الدراسة ثم تخرج في كلية الطب بجامعة الخرطوم ، وقد سافر إلي اليمن ليتم إختياره وزيراً للشباب ثم للصحة في صنعاء في نهاية سبعينيات القرن العشرين، وهو الآن يمتلك عيادة للأمراض النفسية في العاصمة صنعاء ، ويعتبر من أقرب مستشاري الشيخ عبدالله الأحمر رئيس مجلس الشوري اليمني و شيخ مشايخ قبايل حاشد العريقة والكبيرة في اليمن، ولقد سبق لي أن قابلت دكتور محمد يحي حسين هذا عدة مرات خلال فترة عملي كمراقب مالي لطيران الخليج في صنعاء في عامي 89/1990م  ، وقد دعاني الرجل إلي بيته في صنعاء عدة مرات  وقد إستعدنا معه أجمل الذكريات عن مدينته ومدينتي ودمدني الجميلة التي لم تفارق خياله لحظة واحدة . وقد أتت الأخبار بأنه قد رحل إلي الدنيا قبل عدة سنوات بصنعاء . وأذكر في فترة دراسته بمدني الثانوية وقد كان  محمد حسين يسبقنا بعامين أن فاز بمقعد رئاسة إتحاد طلاب مدني الثانوية عن قائمة الأخوان المسلمين .
أما إذا تحدثنا عن  الحركة الفنية في ودمدني في ذلك الزمان فقد كانت المدينة تشهد  أجمل فتراتها إزدهاراً في ذلك الوقت منذ بداية الستينيات من القرن العشرين ، فكان في المدينة يغني الخير عثمان بتلك الأغنية التي ظلت محافظة علي روعتها منذ إفتتاح مدرسة حنتوب الثانوية  في عام 1946م وهي أغنية حنتوب الجميلة التي سجلها في الإذاعة بأم درمان ، كما كان هناك الفنان الراحل التجاني مختار الذي كان يعمل محاسباً في الإدارة المركزية بودمدني لفترة ، وفي تلك الفترة ظهر الفنان محمد الأمين الذي كان يؤدي أغنية الحقيبة ( بدور القلعة وجوهرا) للشاعر صالح عبد السيد- أبو صلاح- ويؤديها بطريقة جميلة جداً ، وأيضاً أنا وحبيبي الشمهورة بإسم  ياحاسدين غرامنا ، وأيضا أغنية وحياة إبتسامتك ، والأغنيتين للشاعر الراحل محمد علي جبارة ، وقد إشتهر وقتذاك الفنان الراحل حسن الباشا بأغنية ( الأوصفوك) التي كان يرددها كثيراً في بداياته الأولي ومعها أغنية ( في الضواحي وطرف المدائن)  ، كما كان  صديقنا الفنان المبدع أبو عركي البخيت في بداياته الأولي بالمدينة يؤدي أغنية ( كان بدري عليك) للمرحوم إبن ودمدني عمر أحمد الذي مات صغيراً جداً ، وعمر أحمد هذا كان قد إكتشفه منذ الخمسينيات من القرن العشرين بمدني الشاعر والملحن عبدالرحمن الريح المعروف بأعماله العديدة التي يتغني بها الفنان إبراهيم عوض حيث كانا يسكنان  في حي العرب بأم درمان ، وقد حضر عبدالرحمن الريح  إلي ودمدني في مناسبة ما وإستمع بالصدفة في حفل فرح إلي غناء عمر أحمد ، فأعجب بصوته وأقنعه بالحضور إلي العاصمة ليتبناه ، وفعلاً سافر عمر أحمد ووجد تلك الأغنية الخالدة جاهزة في إنتظاره  من عبدالرحمن الريح وهي  ( كان بدري عليك تودعني وأنا مشتاق ليك) وتم تسجيلها بالإذاعة وقد أشتهر عمر أحمد بها في تلك الفترة في العاصمة ، كما تغني له أيضاً بأغنية الطاؤوس  ، ولكن عمر أحمد لم يكتب له  العمر طويلاً فسرعان ما توفي وقد كان شاباً صغيراً جداً في العشرينات من عمره وحزنت عليه المدينة كلها ، بل حزن عليه كل السودان حزناُ شديداً وكنت تجد الناس ينتحبون حين تبث تلك الأغنية من إذاعة أم درمان حتي منتصف الستينيات لأنها تذكرهم بفنان الشباب الراحل عمر أحمد وهو من حي العشير بودمدني ، فقد كان يمتاز بصوت تطريبي عظيم جداً وفيه دفء بائن ، يرحمه الله... نواصل ،،،،