عبق التاريخ وصدي الذكريات

سلسلة خواطر يكتبها: صلاح الباشا

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته. <mailto:عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.>



صلة لما إنقطع من حديث الخواطر والذكريات الرياضية في مدينة الأحلام لفترة الستينيات من القرن الماضي ، فإنني لن  أنسي أن هنالك شخصية إتحادية تعتبر من كبار أقطاب الإتحاد وهو العم عوض الياس والذي رحل عن الدنيا في العام 2006م بودمدني ، والذي يجري حب نادي الإتحاد في دمه بمثل جريان الحزب الإتحادي الديمقراطي أيضاً في دمه بطريقة بائنة لا تخطئها العين ، وقد كان الرجل أحد أعمدة قطاع الحسابات بمشروع الجزيرة ومن الشخصيات الولوفة والظريفة جداً في مجتمع بركات وودمدني .

أما في النادي الأهلي ، في تلك الفترة فقد كان يحرس مرماه بله سليم ثم حمدي خاطر الذي أتي من المريخ ليلتحق بالعمل موظفاً بمشروع الجزيرة ثم إغترب إلي مدينة جدة حتي كتابة هذه المذكرات ، ثم الحارس الرشيد  وأيضاً المهندس سمير حسن بابكر لفترة محدودة عاد بعدها للتحرير بالخرطوم بحري حين تم قبوله لدراسة الهندسة بالمعهد الفني ( جامعة السودان حالياً) وكان المهندس سمير حسن يسكن ببركات حيث كان والده الراحل حاج حسن بابكر محمود من قدماء المحاسبين بالمشروع ، وسمير هذا كان شاباً إجتماعياً من الطراز الممتاز ، وقد اقام لعقود من الزمان  بالعاصمة العمانية مسقط وترأس فيهاً النادي الإجتماعي السوداني في العاصمة العمانية ثم إنتقل مستثمرا بالشارقة بدولة الامارات العربية حيث أنشأ مصنعا لصناعة أكياس البلاستيك  ، وهو ناشط إجتماعياً لدرجة كبيرة فضلاً علي تمدد علاقاته الفنية والرياضية . كما كان شقيقه الأصغر وهو صديقنا وحبيبنا محمود حسن بابكر له نفس ملامح نشاط سمير وتعدد علاقاته الإجتماعية وسط أبناء الدفعة ، حيث لازالت تربطنا بهم أجمل الصلات رغم تباعد المسافات وتششت أهل السودان في هذه الحياة حيث إنتقلت العائلة كلها إلي الإستقرار بالخرطوم بحري ( حي الأملاك) بعد نزول والدهم إلي المعاش من العمل بالجزيرة والذي وافته المنية في بحري في بداية التسعينيات ، وقد كان حاج حسن أيضاً من العلامات الإجتماعية البارزة في مجتمع بركات وودمدني .

أما في حراسة مرمي سيد الأتيام النادي الأهلي فقد أتت منتصف الستينيات بالحارس القدير والصديق العزيز فتح الرحمن علي أحمد ( فتحي) وهو من أبناء مارنجان وقد كان يعمل بمشروع الجزيرة بعد تخرجه من ودمدني الثانوية ، وقد سبق للأخ فتحي أن تم إنتدابه للعمل بالأمانة العامة للأمم المتحدة في مقرها بنيويورك  ومعه الأخ محمد حوفي وذلك للعمل في مجال السكرتارية والطباعة لمدة عامين ، عادا بعدها للعمل بمشروع الجزيرة ، ثم إغتربا سويا للعملً في البنك السعودي الهولندي بالسعودية منذ ثمانينيات القرن الماضي وقد عادا من الإغتراب ليستقرا بالخرطوم . كما كان هناك بالنادي الأهلي بودمدني اللاعب الموهوب المايسترو سيد مصطفي عليه الرحمة ، وسيد هذا كان من أميز لاعبيخط الوسط في السودان كله  وقد لعب لنادي الهلال في الخمسينيات من القرن الماضي وأيضاً كان أحد أعمدة المنتخب القومي السوداني في ذلك الزمان ، ثم هاجر للعب مع نادي الإتحاد السعودي في جدة  لعدة سنوات وعاد بعدها إلي ودمدني مرة أخري ليلعب في النادي الأهلي ، وهي الفترة التي شاهدناه فيها لاعباً متميزاً ، وقد كان سيد يعمل أيضاً بورشة الهندسة الميكانيكية بمشروع الجزيرة ببركات ، كيف لا وقد كان يرأس النادي الأهلي المرحوم أمين عبدالله الفكي السابق ذكره.كما كان يلعب في الأهلي في تلك السنوات اللاعب الحريف أحمد حامد بجسمه النحيل الذي يحاور به أعتي المدافعين ، وكان في الدفاع أبوصاحبو وقسم وودالأمين والمرحوم أحمد الجاك الذي كان يتحدث وهو ضاحكاً دائماً حتي تستبين نواجذه ، كما كان عماد الوسط شقيقه حكيم الجاك الذي يطلق عليه جمهور الأهلي لفظ ( حكومة) وايضاً محمد قسم الله – الديبة الكبير وبابكر ساتي( السد)  وهو الآن يعمل بدولة قطر ، أما معبود جماهير الرياضة في ودمدني كلها والذي يفتخر به الأهلايون كثيراً هو اللاعب الدولي الماهر والأخ العزيز بابكر سانتو الذي رحل عن الدنيا قبل فترة قصيرة بودمدني ، وقد كانت جماهير الأهلي ، بل كل جماهير المدينة ثم الجمهور الرياضي السوداني كله  يقدرون موهبته الفذة في لعبة كرة القدم التي كان يمارسها بذكاء وفن عجيبين ، وقد مثل بابكر سانتو السودان مع المنتخب القومي عدة مرات ، وبالرغم من سعي نادي الهلال العاصمي لضمه إلي صفوفه  فإنه لم يستطع مغادرة ودمدني مطلقاً حتي تاريخ إعتزاله للكرة وسفره إلي للعمل بالسعودية ، كما لعب للأهلي كل من متوكل العربي وقيس عبادي وخضر سلمان .أما مدافع الأهلي المعروف       ( سنطة) فقد كان أطول اللاعبين عمراً في الملاعب حيث لعب منذ منتصف الستينيات حتي بداية الثمانينيات  ، وقد كان من الشخصيات المرحة جداً في مجتمع ودمدني ومجتمع العاملين بمشروع الجزيرة ببركات. كما لعب بالنادي الأهلي في الهجوم اللاعب الفنان عباس( ركس) الذي إنتقل إلي أهلي الخرطوم حين إلتحاقه للدراسة بجامعة القاهرة في عام حيث إغترب طويلا  بدولة الإمارات.

أما نادي النيل فقد كان يلعب له في الستينيات ودالحوري واللاعب الحريف صاحب الجسم النحيف المرحوم ( عُلما) ، وكابتن جلودي وغيرهم ، وعوض العربي ومصطفي حنتوب الذي لعب للمريخ العاصمي ، وقد كان يحرس مرمي الحارس المعروف عبد العال ساتي ، ثم في فترة لاحقة كان يحرس المرمي الحارس ودالخانجي ، وكان كابتن عبدالعال ساتي يدرب نادي النيل لسنوات طويلة قبل اغترابه بسلطنة عمان ثم العودة لودمدني .

أما أهم مهاجمي نادي النيل في منتصف الستينيات فقد كان هنالك المهاجم المرعب ( الأسيد) وقد إنتقل بعدها للعب بنادي الهلال العاصمي حتي تم إلغاء الأندية بعد أن أوقف الرئيس النميري أنشطتها وإستبدلها بمايسمي الرياضة الجماهيرية في عام 1976م ، وقد إنتقل الإسيد إلي سلطنة عمان فلعب في إنديتها ثم مارس التدريب ، وعاد إلي ودمدني مؤخراً  .

أما أشهر لاعبي الستينيات فقد كان هو المدافع الفذ كابتن سمير صالح فهمي ( سمارة ماش) فقد كان يلعب في الشاطيء ولكن إستطاع هلال أم درمان أن يختطفه ليلعب معه منذ وقت مبكر من العام 1963م وظل سمير صالح بالهلال العاصمي لسنوات طويلة حيث أصبح أحد أعمدته وأعمدة المنتخب القومي في خانةالدفاع أي الظهير الأيسر ، ومن المباريات التي لا زلنا نذكرها لسمير صالح هي مباراة الهلال مع الأهلي الخرطوم في الدوري المحلي حيث كان لابد للهلال أن يخرج منتصراً حتي يتخطي المريخ ليفوز بالكأس ،وكان ذلك في العام 1964م ، وكان الأهلي نداً قوياً في تلك المبارة بقيادة قلب دفاعه ( إبراهيم كبير) ، وقد حدث أن أضاع هجوم الهلال عدة أهداف ، حتي أن اللاعب الدولي الأسطورة  نصرالدين عباس جكسا قد اضاع ضربة جزاء في تلك المباراة الهامة وكانت تكفل الفوز للهلال في العشرة دقائق الأخيرة من عمر المباراة ، فإنقبضت أنفاس مشجعي الهلال وتملكتهم الحسرة والمباراة تلفظ أنفاسها الأخيرة ، إلي أن إستلم  الكرة سميرصالح في الخمسة دقائق الأخيرة من منطقة دفاع الهلال ورفض تمريرها لأي لاعب في الهجوم ، بل بدأ يجري بها ويجري ليشق بها منتصف الملعب ويتخطي لاعبي الأهلي واحداً تلو الآخر ، وقد كانت الجماهير تصرخ مع سمير وهو يندفع تجاه منطقة جزاء الأهلي ، وكان المعلق الرياضي الكبير الراحل طه حمدتو يقول في مايكرفون الإذاعة في تلك اللحظات ( سمير ماش .. برضو ماش.. تخطي وسط الأهلي.. برضو ماش.. تخطي المدافعين.. لسه ماش … قووووووون) وكان ذلك الهدف قد فاز بلقب أغلي هدف في الدوري  حيث كان سبباً في إحراز الهلال للكأس في ذلك الموسم ، وجاءت الجرائد في اليوم التالي تتحدث عن سمارة ماش برضو ماش لسه ماش ، وقد ظل الجمهور يناديه بهذا اللقب ( سمارة ماش)  وربما حتي اللحظة رغم إعتزاله الكرة ، وفي سنواته الأخيرة عاد سمير إلي ودمدني ليلعب في نادي النيل قليلاً ثم يعتزل في منتصف السبعينيات، وأذكر أن لسمير هذا شقيق أكبر منه كان يعمل بورشة الهندسة الميكانيكية ببركات ويسكن فيها وهو عزالدين صالح فهمي.

وعند ذكر حركة النشاط الرياضي في ودمدني في حقبة ستينيات القرن العشرين وهي الفترة الزمنية التي تتحدث عنها هذه الخواطر بكل ذكرياتها الجميلة ، فإن الأيام تعود بنا إلي تلك الشخصية الرياضية الفذة التي كانت تدير حركة الرياضة بالمدينة ألا وهو المرحوم السيد عبدالمجيد عبدالرحيم الذي كان قد شغل لعدة سنوات وقتذاك رئاسة الإتحاد المحلي لكرة القدم بودمدني ، وقد كان رياضياً مطبوعاً وإدارياً متميزاً ، بالإضافة إلي منصبه الرسمي في الحياة العملية حيث كان يشغل وظيفة مدير عام محالج مشروع الجزيرة حيث كان أول من شغل هذه الوظيفة مع بداية سودنة الوظائف من الإدارة الإنجليزية بعد إستقلال السودان في عام 1956م وظل يدير محالج القطن حتي تاريخ تقاعده بالمعاش في عام 1968م فغادر المدينة في رحلة اللاعودة حيث إستقر بأم درمان ، وقد توفي إلي رحمة مولاه في عام 1998م بمنزله بالعمارات بالخرطوم ، وكان للسيد عبدالمجيد عبدالرحيم أربعة أبناء كانوا بمثابة الأخوان والأصدقاء بالنسبة لنا في كل المراحل الدراسية بودمدني ، كان إبنه الأكبر هو المرحوم مصطفي الذي توفي غرقاً في النيل الأزرق بجنائن ( حلة حسن) عند زيارته إلي مارنجان ذات مرة في عام 1973م حيث كان وقتذاك ف طالباً في السنة الثالثة بكلية الآداب بجامعة القاهرة فرع الخرطوم ، وقد تم نقل جثمانه إلي أم درمان ودفن بها ، وقد كنا زملاء دراسة مع المرحوم مصطفي عبدالمجيد بالجامعة وقتذاك، كما كان الإبن الثاني وهو صديقنا جداً عزالدين وهو رياضي ممتاز ، ثم صديقنا محمد والأصغر هو دكتور علي عبدالمجيد الذي يصغرنا بعدة سنوات وقد درس الطب بجمهورية الميجر حيث عمل طبيب أسنان بالخرطوم ثم إنتقل إلي جوار ربه في عام 2000م بالخرطوم . والمرحوم عبدالمجيد عبدالرحيم كان من العلامات المتميزة في ودمدني وفي مشروع الجزيرة وهو رجل إجتماعي من الطراز الأول ، وقد قام بتوريث هذه الخصال الحميدة إلي كل أبنائه منذ ذلك التاريخ البعيد.وأذكر أنه كان مؤسسا ورئيسا لجمعية الصداقة السودانية الصنينية بمدني ويعاونه كسكرتير لها الأخ الصديق عباس محمد عبتاس ودالزعيم حيث كان والده الزعيم هو ايضا من أعمدة الحسابات بمشروع الجزيرة ، يرحمه الله.

نعود للمدرسة الأهلية (ب) مرة أخري ، حيث كان من أظرف شخصياتها التي لا تنسي  هو العم قسم السيد رئيس الفراشين ، كان لدي عم قسم هذا إصراراً عجيباً للتحدث باللغة  العربية الفصحي ، ولا أدري ما السبب في ذلك ، فكان يؤنث المذكر ويذكر المؤنث ويجمع المثني بطريقة متواصلة ويثني المفرد بطريقة مضحكة جداً حيث يكون جاداً عندما يتحدث بذلك . وذات مرة جاء عم قسم فوجد بعض التلاميذ يعبثون بأشجار الورد والزهور المزروعة في حوش المدرسة ، فقبض عليهم وأخرجهم في طابور الصباح وهو يحمل أوراق الزهور في يده ، فقال لضابط المدرسة: يا أستاذ هذه الأولاد قطعت هؤلاء الزهور ولا زم تعاقبهن .

عندما تكون هناك مباراة هلال / مريخ بالخرطوم كنا نعطي للعم قسم قرش ونصف القرش لكي يحضر لنا جريدة من السوق بقرش واحد أما التعريفة فقد كانت له كحافز، وكانت الجرائد في ذلك الزمان أربع وهي : الصحافة ويرأس تحريرها مؤسسها الأستاذ الراحل عبدالرحمن مختار ، والأيام ويرأسها أحد مؤسسيها وهو الراحل الأستاذ بشير محمد سعيد ثم الأستاذ محجوب محمد صالح ، والرأي العام ويرأس تحريرها مؤسسها الراحل الأستاذ إسماعيل العتباني ، والسودان الجديد ويترأسها الراحل الأستاذ فضل بشير . كان لدي عم قسم السيد  دراجة  ماركة (رالي ) المشهورة عالميا وقتذاك ، يحافظ عليها ويزركشها ويضع عليها مرايا جميلة بميزان القيادة ويذهب بها يومياً إلي السوق الكبير ليحضر البوستة للمعلمين والطلاب  أو يحضر خطابات من مكتب التعليم أو العكس ، وقد ظلت  تلك الدراجة محافظة علي رونقها لسنوات طوال.

كانت المدرسة الأهلية مثل غيرها بالطبع تتميز بليالي الجمعيات الأدبية مساء يوم الإثنين من كل إسبوع ، وكنا نري طلاب السنة الرابعة يديرون الجمعية ونحن لا زلنا بعد بالسنة الأولي بالأهلية ( ب) معجبين بهم ، كان رئيسها الطالب الناشط والمتعدد المواهب وقتها وهو الآن دكتور أمين العاقب أخصائي أطفال بمستشفي الملك فهد بالهفوف لسنوات طوال قبل أن يستقر بالعاصمة ويدير مستشفي ( الأكاديمية ) التابع لجامعة العلوم الطبية والتطبيقية والمشهورة تحت إسم ( د. مامون حميدة ) وقد كان أمين العاقب يهوي الموسيقي  ويعزف علي المزمار في أمسيات الجمعية الأدبية ً ، فنحن كنا في السنة الأولي بالمدرسة وهم في السنة الرابعة ، وكانت هنالك الخطب الأدبية الراقية والمعروفة من الأخ تاج الأصفياء عثمان سعد بالسنة الرابعة أيضاً والذي إشتهر بالجرأة وبجمال اللغة ومحاسن التعبير والصوت القوي الجاذب ،كما كان هنالك الإلقاء الشعري ، وكنا دائماً في تشوق شديد ليوم الجمعية الأدبية ذاك حتي نهرب من المذاكرة الإجبارية اليومية بالمدرسة ، وعند وصولي إلي السنة الرابعة فقد أصبحت ( فنان المدرسة) بعد أن كنت أقوم بتلحين الأناشيد ، منذ دراستنا في المدرسة الأولية ، كنت أميل للغناء كثيراً بالإضافة إلي لعب كرة القدم وأيضاً كانت لدينا هواية إصدار الصحف الحائطية بالمدرسة وبنادي بركات الثقافي الرياضي حيث مكان سكني ببركات وقد إستمرت هواية تحرير صحف الحائط تلازمني حتي المرحلة الجامعية في بداية السبعينيات حيث كنت أقوم بتحرير صحيفة ( اليقظة) الشهيرة بجامعة القاهرة الفرع وهي جريدة سياسية  مقاومة لنظام مايو بقيادة النميري وقتذاك وقد كانت لسان حال الجبهة الديمقراطية التي كنت نافذا في سكرتارياتها ، وبالصحيفة أيضاً لمسات أدبية واضحة إلي أن تم منع صحف الحائط بالجامعة نهائياً في عام 1973م  بعد أحداث شعبان الطلابية، فقد كنت أغني في الجمعية الأدبية بالأهلية الوسطي (ب) وكان زميلنا وصديقنا عبدالعظيم سليمان الأزيرق – مهاجر الآن في كندا - يغني أيضاً بطريقة متميزة في جمعيات الأهلية الوسطي (أ) بمصاحبة الأستاذ الموسيقار (دهب) الحلفاوي الذي كان يعمل معلماً بها وقتذاك ، ونذكر تماماً بأن أستاذ دهب هذا قد قام بتحفيظ اغنية الفنان محمد وردي     ( يقظة شعب ) الوطنية للطلبة وكانوا يؤدونها من وقت لآخر وهي التي كتب كلماتها الشاعر المرحوم مرسي صالح سراج والتي تقول :

هام ذاك النهر يستلهم حسناً

فإذا عبر بلادي ما تأني

طرب النيل لديها فتثني

فأروي ياتاريخ للأجيال عنا

كان الطالب عبدالعظيم سليمان الأزيرق يسكن بالقرب من الأهلية في حي بانت حيث توجد منازل  آل الإزيرق الشهيرة هناك ، وهو لايزال صغيراً بعد يؤدي غناء الأستاذ عبدالكريم الكابلي بليالي الجمعية الأدبية بالأهلية الوسطي ثم بمدني الثانوية فيما بعد ، ولا زلت أذكر غناءه لأنشودة  (آسيا وأفريقيا ) والتي كتبها الشاعر الدكتور الأديب تاج السر الحسن منذ نهاية الخمسينيات وتغني بها الأستاذ الكابلي بذلك اللحن الشجي الخالد ، حيث أحدثت الأنشودة في ذلك الزمان رواجاً ضخماً لأنها كانت تحكي عن قصة كفاح الشعوب في القارتين عندما كانت حركات التحرر الوطني في أوج غليانها وقتذاك. وكانت مقدمتها تقول:

عندما أعزف ياقلبي الأناشيد القديمة

ويطل الفجر في قلبي علي أجنح غيمة

سأغني آخر المقطع للأرض الحميمة

للظلال الزرق في غابات كينيا والملايو

لرفاقي في البلاد الآسيوية

للملايو ولباندوج الفتية

لليالي الفرح الخضراء في الصين الجديدة

والتي أعزف في قلبي لها ألف قصيدة

نعم .. كنت أغني بجمعيات المدرسة ، فهي هواية محببة عندي منذ الصغر ، وقد كان يصحبني دائماً في أداء أغنياتي وأناشيدي بالجمعية الأدبية في الأهلية ( ب) بالعزف علي المزمار – الفلوت- الصديق العزيز وإبن الدفعة بالمدرسة بشير التوم الذي كان يسكن وقتذاك في حي بانت خلف مركز تدريب الدايات وقد أصبح بشير هذا فيما بعد فناناً متميزاً بالمرحلة الثانوية التي سيأتي ذكرها ، وأذكر تماماً أنني قد تغنيت في الجمعية الأدبية لأول مرة بأغنية الأستاذ الكابلي أيضاً والتي كانت جديدة أنذاك في عام 1964م وهي ( ضنين الوعد) وقد كتب كلماتها  الشاعر الأستاذ صديق مدثر وهي باللغة الفصحي، تغنيت بها بذلك الصوت الطفولي كاملة غير منقوصة ، وكان يعزف علي الإيقاع زميلي في الفصل الدكتور عبدالرحمن حامد الجبلابي وهو الآن ( أستاذ في علم الصيدلة في إحدي الجامعات ببريطانيا) وله أعمال في أبوظبي ، فوجدت التهنئة والثناء من أساتذتي الحاضرين ومن زملائي الطلاب بالطبع ، وبعدها شعرت بنوع من الخيلاء لا حدود له ، ومن وقتها إزداد تعلقي بمتابعة حركة الفنون والآداب في بلادنا ، مما قادني إلي تعلم الموسيقي في مراحل لاحقة بمدرسة ودمدني الثانوية حين كانت الإمكانيات والآلات الموسيقية متوفرة بالمدارس الثانوية في كل أنحاء القطر ، حيث أدخلها المرحوم اللواء طلعت فريد وإستجلب لها مدربي الموسيقي من أقسام الشرطة بالسودان. أو ما كان يطلق عليه ( صول الموسيقي ) وقد أصبحت وقتها فنان ودمدني الثانوية بلامنازع ، و كان هنالك أيضاً صول منتدب من الجيش في كل مدرسة ثانوية للتدريب العسكري للطلاب في العصريات والذي يطلق عليه ( الكديت).... نواصل ،،،،،،