أضواء كاشفة:

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.  
تبدو الساحة السياسية في الخرطوم تظللها هذه الأيام بعض الغيوم ، وحالة الترقب تظل تسيطر علي أجواء مجتمعات أهل السودان ، في حضره وبواديه البعيدة ، والناس مابين مصدق ومكذب للسهولة التي تم بها إنشطار الوطن علي قسمين ، فتأخذ الدولة الأم إسم السودان نفسه ، السودان القديم بكل تراث أهله ، والوطن المنشطر الجديد يتمسك أيضا بإسم السودان ، غير أنه بات في حكم المؤكد إضافة كلمة جنوب لتصبح دولة جنوب السودان .
   الآن أهل الجنوب يعيشون حالات إنتشاء لا حدود لها ، بل جلهم بات يطلق علي الإنفصال كلمة ( الإستقلال ) ، خاصة وأنهم في الجنوب يعتبرون هذا الهدف قد أتي نتاجاً كخاتمة طبيعية للتضحيات الجسام التي ظل يقدمها شبابهم طوال عهد الدولة السودانية الوليدة بعد أن تحقق الحكم الذاتي في العام 1953م .. ولكن أكثر التضحيات كانت بعد أن قادت الحركة الشعبية دفة النضال المسلح منذ العام 1983م حيث كانت إتفاقية السلام السودانية التي تم توقيعها في العام 1972م بالعاصمة الأثيوبية أديس أبابا بين الرئيس الراحل جعفر نميري وقائد حركة الأنيانيا الجنوبية الفريق جوزيف لاقو ، قد قضت حتفها بالكامل في العام 1983 حين أعلن الرئيس جعفر نميري تقسيم الجنوب إلي ثلاثة أقاليم هي الإستوائية وأعالي النيل وبحر الغزال ، ما أدي إلي إنهيار تلك الإتفاقية التي صمدت لمدة إحدي عشر عاماً .. فأطلت الحركة الشعبية .
  ولعل تلك العاصمة الأثيوبية أبت إلا أن تكون إستراحة للمحاربين ، فأصبحت محطة تاريخية لمبادرة السلام السودانية الموقعة بين الحزب الإتحادي والحركة الشعبية والتي عرفت بإسم إتفاقية ( الميرغني - قرنق ) وذلك في 16 نوفمبر 1988م . غير أن التغيير الذي تم في 30 يونيو 1989م قد قطع الطريق أمام تطور الإتفاقية إلي مؤتمر دستوري سوداني مائة بالمائة ، وهذا بالطبع إحدي عثرات الحركة السياسية السودانية التي قادت إلي مثل هذه المآلات .
  والشاهد أن إتفاقية السلام الموقعة في بلدة نايفاشا في الخامس من يناير 2005م قد وضعت حدا للإحتراب النهائي بين الشمال والجنوب ، وقد ساعد السيد الميرغني حينذاك وهو خارج البلاد في دفع عملية السلام بين الطرفين حين زار بلدة نايفاشا الكينية طالبا من النائب الأول وقتها الأستاذ علي عثمان محمد طه والراحل دكتور جون قرنق  ، ساعد في دفع الجانبين المتفاوضين بأهمية الصبر في التفاوض وتقريب الشقة حتي يتحقق السلام كاملاً حيث قال الميرغني مقولته المشهورة في ذلك الزمان : نحن لم نأت لنبحث عن مقعد ثالث ، بل لنمنع إنهيار التفاوض والعودة للحرب .
   والآن ... كل الدلائل تشير إلي تراكم من الأفراح الغامرة التي تطغي علي مفاصل الحياة الإجتماعية والسياسية في جنوب السودان ، وبالتالي فإن هذا الخيار يضع الحركة الشعبية وحكومتها المرتقبة سواء كانت قومية بالجنوب أوإنفرادية تقتصر علي قيادات الحركة الشعبية ، تضعهم أمام تحدٍ كبير يتمثل في أهمية الحفاظ علي السلام داخل قطاع الجنوب الجغرافي ، والعمل بقوة وتجرد في تأسيس دولة حديثة راشدة تتاح فيها مواعين الحريات المنضبطة ، منعاً لما ظل يحدث من تقلبات في السودان القديم قبل الإنفصال ، حيث لم تشهد البلاد إستقرارا تنمويا منذ حصولها علي الإستقلال في العام 1956م  .
  وربما يقول قائل ، مالنا ومال الجنوب بعد أن إتخذ أهله خيار الإنفصال ، وهنا يكون الرد بأن أية إخفاقات تنموية أو أمنية في الدولة الجنوبية الجديدة سيجعل أهلها مجبرين للعودة كنازحين إلي السودان الشمالي حيث ظلوا يجدون الأمان والإستقرار وفرص العمل الحر أكثر من الذين يمموا شطر الدول الأفريقية المجاورة إبان سنوات محرقة الحرب الأهلية طويلة المدي .
   لذلك كله ، فإن إستقرار الحكم في دولة الجنوب الوليدة وتحقق الرفاهية وإتساع فرص التنمية سيزيد من فرص التواصل التجاري مع الشطر الشمالي بداهة .
وصحيح جدا أن هناك عنصريون في الخرطوم ظلوا علي الدوام يكيلون الكيل للتباعد ونشر البغضاء تجاه كل ماهو جنوبي ، بطريقة تثير التعجب إعلاميا من خلال الصحافة ، حتي وغرت الصدور في الشمال والجنوب معاًُ ، إلا أن فرص التواصل بين الشعبين لاتزال متاحة إن أراد الله لأهل الحكم حاليا أو مستقبلا فرصة خلق دولتي جوار  يمثلان نموذجا للتعاون والتكاتف والتعاضد والتكامل في كل شيء .
 أما الحديث عن الشمال ما بعد مرحلة قيام دولة الجنوب الوليدة فإن الأمر يحتاج جهدا فكريا عالي المقام ، فليجهد أهل السودان من القوي السياسية والأكاديمية الراشدة في المجتمع أنفسهم حتي تتحقق العديد من الأشياء الموجبة ، وذلك سنتناوله في الحلقات القادمات حتي نرمي بسهمنا مع الذين ظلوا يسهمون في توافر المخارج من كافة الظروف والمخاطر التي تحيط بدولة الشمال الجديدة بعد الإنفصال .. وهي مخاطر عديدة ... ونواصل ،،،،،