عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
ما إنفكت الأوساط السياسية والإجتماعية داخل البلاد وخارجها ، ومنذ تسرب خبر أن قيادة المؤتمر الوطني قد رأت وبكامل عدتها وعتادها ، أن يتم تكليف مولانا الحسيب النسيب السيد محمد عثمان الميرغني بإستلام ملف الهيئة الشعبية لدعم خيار الوحدة الطوعية التي تعمل لإنجاح هذا الخيار ليصبح قدراً في نتائج الإستفتاء الذي سيتم الإعداد له لتكتمل خطواته في التاسع من يناير 2011م كإستحقاق نهائي لإتفاقية السلام الشامل التي وقعت في التاسع من ينار 2005م بمنتجع نايفاشا بدولة كينيا ، كتتويج للجهود التي بذلتها دول الإيقاد وهي : أثيوبيا – أرتيريا – كينيا – يوغندا.
   ولكن وبخلفية بسيطة ، يجب أن نرجع أسباب إتخاذ القرار إلي الهموم الكبري التي كانت تراود عقل السيد المرغني ، وتأخذ من وقته ومباحثاته وإتصالاته المحلية والإقليمية والدولية أي مأخذ . خاصة وأن السيد الميرغني ظل قدره هو العمل الدؤوب من أجل وحدة البلاد ترابا وشعباً ، خاصة وان هذا القدر لم يأتي وليد صدفة  فقد كان التمسك بهذا المبدأ من أهم منجزات ومرتكزات مباحثات مبادرة السلام السودانية التي تمت وفق جهود مكثفة بين وفدي الحركة الشعبية لتحرير السودان والحزب الإتحادي الديمقراطري بفندق قيون بالعاصمة الإثيوبية أديس أبابا خلال الشهر الأخيرة من العام 1988م ، اي قبل إنقلاب الإنقاذ بأشهر معدودة .
   ولقد عجبتُ ايما عجب حين قرأت لبعض الزملاء الصحافيين يشريون في كتاباتهم بأن هناك دول أجنبية لديها مخططات محددة من خلال دعمها لإقرار السلام السوداني الذي توج بتلك المبادرة التي أطلق عليها إتفاقية ( الميرغني – قرنق ) ، دون أن يوضحوا لنا من هي تلك الدول الأجنبية التي دعمت نجاح تلك المباحثات ، ولكننا نقول هنا ونؤكد للقاصي والداني بأن الجهود التي تمت في هذا الشأن خلال العام 1988م عي جهود عربية أفريقية بحتة تمثلت في الدول ذات العلاقات المتميزة والتاريخية بالسودان التي لعبت دورا متعاظما في أن تتم وفق رؤية إستراتيجية أمنية تحفظ للسودان وحدته وتوقف نزيف الدم الذي كان يجري في أحراش جنوب السودان ، وتعمل تلك الجهود في وقف إنهيار الإقتصاد السوداني الذي كان يعاني كثيرا بعد إنتهاء نظام الرئيس الأسبق جعفر نميري .
  كانت تلك الدول التي يقول البعض بأنها أجنبية ، ماهي إلا الجيران الأشقاء وهي : مصر – وليبيا – وأثيويبا التي كانت تتواجد بها رئاسة الحركة الشعبية ومعسكرات الجيش الشعبي بالإضافة إلي معسكرات النازحين واللاجئين من ويلات الحرب من أهل الجنوب .
   نعم ... كيف ننسي جهد الدكتور عاطف صدقي المكوكية بين القاهرة والخرطوم وأديس ، وأيضا رحلات الدكتور عبدالسلام التريكي وزير الخارجية الليبي ايضا ، فضلا علي التأييد الشديد من العقيد منقستو هيلا مريام الرئيس الأثيوبي وقتذاك. حيث كانت الحكومة السودانية تؤيد وتشجع تلك الخطوات التي بالتأكيد ستأتي بالسلام العادل غير المشروط مسبقا .
    وقد كان قدر السيد الميرغني بأن يستلم ذلك الملف ويسافر شخصيا إلي أديس ابابا حين تعقدت ىخطوات الإتفاق ، بسبب أن وفد الحركة المفاوض هناك كان يشترط إلغاء حكومة الخرطوم لقوانين الشريعة الإسلامية واليت وضعها نظام الرئيس نميري وقد دمغت بعنوان ( قوانين سبتمبر ) في العام 1983م .
  وهنا .. نؤكد بأن السيد الميرغني قد رفض هذا الشرط ، مؤكدا حق الشعب السوداني في أن يحتكم لشريعته طالما أنها ستحقق العدالة وبسط الحريات وتحفظ لكل ذي حق حقه ، برغم أن تلك القوانين أصلا قد قام بتجميدها المجلس العسكري الإنتقالي برئاسة المشير عبدالرحمن سوار الدهب منذ إستلام قيادة الجيش للسلطة في الخرطوم بعد نجاح إنتفاضة 6 أبريل 1985م ومغادرة نظام النميري لسدة الحكم حسب رغبة الجماهير علي إطلاقها حينذاك .
   وحين تعقدت الأمور بين الطرفين في أديس ، وقد علم دكتور جون قرنق بالأمر وهو أن السيد محمد عثمان الميرغني يرفض التوقيع علي مبادرة السلام بذلك الشرط الذي ينزع عقيدة أهل السودان من افئدتهم ، فإن دكتور قرنق قد أخذ أوراق مسودة الإتفاقية ورماها لوفد الحركة قائلا لهم وبالحرف الواحد ( إنتو قايلين مولانا حيوقع علي الكلام الفارغ بتاعكم ده ؟ ) .
   وعلي الفور تم تعديل شرط إلغاء قوانين الشريعة ، وإستبدلها ببند كان يقول: إحالة قوانين الشريعة إلي المؤتمر الدستوري ، وهو الذي سوف تقوم فيه كل القوي السياسية لأهل السودان بعقده ليكون مسك الختام لتحقيق السلام السوداني الخالص ، علما بأن كل المباحثات التي كانت تتم بين وفدي الإتحادي والحركة لم توجد فيها أي ضغوط خارج نطاق الطرفين السودانيين المتفاوضين ، خاصة وأن السيد الصادق المهدي رئيس الوزراء في ذلك الزمان كان يتصل هاتفيا من وقت بالسيد الميرغني في أديس متابعا خطوات المبادرة التي كانت ستحقن دماء الشعب السوداني إن لم يتم إسقاطها بالأغلبية الميكانيكية داخل البرلمان بالخرطوم وهي أغلبية كانت تتشكل من حزبي الترابي والمهدي وبإجماع نوابهما وبلا تحفظ ، يعني ( Orders ) وبس ، وهذا يدلل علي أن الذهنية السودانية كانت ، وربما لاتزال يطغي عليها قبول ثقافة تغييب الرأي ، حيث يصادر قادة الأحزاب كل رأي خبرائهم ونوابهم وبلا تحفظ أو إعتراض ، وهو ما يسمي سياسة ركوب الرأس الرأس .

   والآن يدفع شعب السودان هذا الثمن الغالي الذي إمتد لواحد وعشرين سنة خسائر في الشمال والجنوب علي السواء ، وهذا كان نتاجا طبيعيا لرفض فرص السلام التي جنح لها الطرفان في العام 1988م ، ونحن نعلم تماما بأن العديد من أهل السياسة لايرغبون في التوثيق لتلك التقاطعات التي حدثت علي المسرح السياسي السوداني في العام 1988م ، فحين إستعد السيد الصادق لاحقا لقبول مبادرة السلام تلك في منتصف العام 1989م بعد تقديم قيادات الجيش لتلك المذكرة الشهيرة للحكومة في  فبراير 1989م فإن حزب الترابي قد غادر السلطة معتقدا بأن أي إتفاق بين الحركة الشعبية والحكومة السودانية معناه حسب إعتقاده حينذاك هو مشروع لتصفية الجبهة الإسلامية القومية من المسرح السياسي السوداني . نعم ...هكذا وبكل بساطة أجازت هيئة شوري الجبهة الإسلامية قرار إستلام الحكم عن طريق القوة ، فحدث ما حدث ، وظلت الساقية لسه مدورة حتي اللحظة .
    والآن ... يوجد إتجاه لتكليف السيد الميرغني لإدارة هذا الملف تارة أخري ، وهنا يختلف الوضع تماماً ، حيث نجد أن السودان مكبل الأيادي بإتفاقية نايفاشا التي تم فرضها فرضا بوساطة قوي أجنبية ضاغطة ظلت ترعاها حتي الآن وتبعث لها بالمبعوثين ، واحدا تلو الآخر ، وتوظف الأمم المتحدة مبعوثيها ايضا لمتابعة سير الإتفاقية ، بخلاف ما كان يجري في العام 1988م والعام 1989م حيث إبتعدت الإتفاقية تماما من براثن القوي الأجنبية في ذلك الزمان.
  وهنا نقول ... أن المسألة ليست بالشيء الساهل حتي يأتي السيد الميرغني بمنجزات تحقق الوحدة في غمضة عين ، ذلك أن الأمر يحتاج جهدا تظلله الثقة في أن تجعل قيادة الحركة الشعبية قرار وحدة الوطن هو الخيار لشعب الجنوب في صناديق الإستفتاء القادمة . ولكن كل ذلك لايمنع الميرغني وعضوية هيئته الجديدة من توظيف المعادلات التي تتناول محاسن الوحدة ، ومساويء الإنفصال ، أو العكس، لأن الأمر يحتاج توظيف لغة المصالح والإقتصاد والإستراتيجيات والرؤي المستقبلية ولتوضيح مخاطر خلق دويلة جديدة صغيرة مخنوقة بين دول عديدة كلها تطمع في خيرات جنوب السودان ، عدا الشمال السوداني الذي يهدف إلي خلق تنمية عجلي هناك حتي يلحق شعب الجنوب بركب الحضارة الشمالي علي علاته .
   وما يؤكد علي أن خيار الوحدة ستكون مكاسبه ضخمة لجنوب السودان هو أن الحركة الشعبية الآن تحكم الجنوب بالكامل ، وتحكم ثلث الشمال ، ولها من مكاسب توافر الطرق مع الشمال برا ونيلا وجوا وسكة حديد ومواطنين جنوبيين بالشمال ولدوا ونشأوا وتربوا وإمتلكوا هنا بمدن الشمال لأنه وطنهم بالشيوع كما يقول الميرغني دوماً ، ما يؤكد علي أن تلك المكتسبات التاريخية هي نتاج حقيقي لدولة الشعب الواحد ، فضلا علي توافر خاصية عدم الإضطهاد والعنصرة التي يتمتع بها المجتمع السوداني بكافة مكوناته ، لأننا لم نشهد أية حرب مدنية أهلية بين اهل السودان في الشمال والجنوب ، حيث إنحصر اللإحتراب فقط بين الأجسام المسلحة عند الطرفين . لذلك نقول أن عوامل الوحدة متوافر بقوة دفع عالية ، وهي فقط تحتاج أن يزنها بعض قيادات الحركة الشعبية بميزان العقل الخلاق ، وليس بميزان ناتج الحرب والفحرة بوجود ثورة نفطية مؤقتة ينضب معينها بعد حين .
  وهنا نقولها بكل الصراحة ، أن التكوين الأيديولوجي للسلطة في الشمال ، مضافا إليه الجهد الإعلامي السالب الذي ظلت تمارسه بعض الصحف بالخرطوم ، وتقابله بعض الصحف والكتابات الأخري في الجانب الآخر من الشريكين ، هو الذي أدي إلي هكذا نفور ، وهكذا تخوف ، وهكذا إستعداد نفساني لإتخاذ الإنفصال خيارا ً .
  ونحن هنا لا نيأس في تبني الحركة لخيار الوحدة وسط شعب الجنوب فيما تبقي من شهور قليلة . وفي تقديري أن قبل السيد الميرغني التكليف حقا ، لأنه حتي اللحظة هو خارج البلاد ، فإن سيادته لن يرفض أن يسهم وبقوة دفع عالية عـُرف بها في أن يصل إلي خطوط معادلة تجلب الخير لهذا الوطن ، إلا أن يستصحب البعض ذات الروح التي سادت في نهايات العام 1988م وبدايات العام 1989م( روح المكاجرة ).
   لكن ما يثير الدهشة ، أن نري كتابات البعض التي تترك أمر الوطن كله في مثل هذه المرحلة من تاريخ السودان الذي يجابه متغيرات كبري ، ويكتبون فقط عن أهمية الوحدة الإتحادية قبل أهمية مؤازرة إهتمام الميرغني بوحدة السودان ، فمثل تلك الكتابات ومع كامل التقدير لها ، إلا أنها تريد أن تفرض واقعا غير موجود ،فهي تردد دوماً أن الحزب الإتحادي مفكك ، ومشتت ، غير ان الواقع المعاش الآن يقول بأن الحزب الإتحادي الديمقراطي الأصل يعتبر متماسك جداً الآن وفي أحسن حالاته ، وفيه من مرتكزات التوالف والتحالف والتنسيق بين شبابه وشيوخه ، ما يبعث علي الغيرة ، حيث لايزال البعض وبرغم أنهم قد قاموا بتكوين أجسام إتحادية عديدة سجلت نفسها كأحزاب ، ومع كامل التقدير والإحترام لتلك القيادات ولخيارها ، إلا أنها لا تملك الحق في تقييم أداء الإتحادي الأصل أو أداء زعيمه .. طالما أن الأصل لا يتدخل في أداء تلك الفصائل الإتحادية التي ظلت تجتمع لعدة سنوات ماضية وتعلن توحدها في جسد واحد ، ثم لا يمضي وقت طويل إلا وتنهار تلك الوحدة التي تتكيء علي وهم النضال ، فإذا بهم يديرون عجلة الشتائم ضد الإتحادي الأصل وزعيمه مرات ومرات عبر التصريحات الصحفية حين يفشلوا في إستقطاب جماهير تعادل حتي الواحد في المائة من جماهير الميرغني والإتحادي الأصل ، فالأصل ماشي .. ولا أقل البعض ينبح ، لكنني أقول أن إرادة الإتحادي الأصل موجودة في أهمية لم الشمل لتلك القيادات دون قيد أو شرط إلا شرط الإخلاص لهذا الحزب ولهذا الوطن.. وقد كادت محاولات لم الشمل أن تنجح خلال العام 2009م ، إلا أنه وفي الدقائق الأخيرة  قام البعض بفركشتها .. فذهبوا مع الريح وبقي الإتحادي الأصل وزعيمه صامدين في قلب الأحداث . عفوا سادتي ... لا وقتا لنا لإضاعته في حكاية لم الشمل هذه ، فوطننا يحتاجنا بشدة هذه الأيام .
   وتارة أخري .. عفوا سادتي ... دعوا الميرغني يتحرك في الساعة الخامسة والعشرين ، فكثيرا ما تأتي النجاحات من خلال جهد تلك الساعة ... فالجبال الراسيات في السياسة السودانية لن تزحزحها هوج الرياح  ،،،،،،