علي هامش توقعات الإستفتاء بالجنوب نقول :
المقدور إن وقع .... ما بينفع الجقليب
فشعبنا قادر علي تخطي كل المطبات إن توحدت الرؤي
******
تحليل سياسي: بقلم صلاح الباشا
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
 
   المراقب جيدا لما يجري الآن في بلادنا في الجانب السياسي ، مع تتابع الحراك اليومي ، والتصريحات المتضاربة ، وربما المتناقضة لجميع القوي السياسية ذات التأثير العالي في مجريات الحاية السياسية في بلادنا ، لا بد لهذا المراقب من أن يخرج بنتيجة واحدة تتلخص في المقولة السودانية القديمة التي تقول : المقدور إن وقع ما يبنفع الجقليب ، وذلك ناتج من المآلات التي وصل لها حال السودان ، برغم أن كل ما يتوقعه أهل السودان ، حاكمين ومحكومين ، عند ختام السنة السادسة من إتفاقية السلام الشامل الموقعة في منتجع نايفاشا الكينية في التاسع من يناير 2005م بين المؤتمر الموطني والحركة الشعبية ، يقود إلي إستفتاء لأهل الجنوب داخل منطقته الجغرافية وخارجها في هذا العالم الواسع الذي قطعه السودانيون طولا وعرضا من براري كندا وحتي نيوزيلندا .
    ولا أدري لما الإضطراب الذي يطغي علي تصريحات الكثير من قياداتنا السياسية ، وعلي  الحراك اليومي الذي يتمثل في شكل مؤتمرات تفاكرية وورش عمل للعديد من المنظمات والأحزاب  في الساعة الخامسة والعشرين ، والتي يترأسها المؤتمر الوطني لدفع بوصلة الإتجاه نحو تحويل وإقناع أهل الجنوب بأضرار الإنفصال وإنعكاساته المستقبلية طويلة وقصيرة المدي علي جماهير الشعب السوداني كله ، وخاصة في مناطق التحركات الطبيعية للسكان في ولايات التماس الحدودية بين الشمال والجنوب والتي كانت تجري وفق عرف إجتماعي تقليدي معروف منذ أن أوجد الله تعالي في بلاد السودان خلق كثير يتحركون من أجل سبل كسب العيش وفي معيتهم أنعامهم .
   فما يحيرنا جميعا هو ، لماذا كان ذلك التشاكس مستمرا في شكل ثقافة يومية بين شريكي نايفاشا منذ توقيع الإتفاقية في العام 2005م حيث أضاع الطرفان الزمن الغالي ولم يتم مثل هذا الحراك الذي يصحبه الآن هما كبيرا لدرجة ( الجقلبة ) بين قيادات الطرفين ، علما بأن الحركة الشعبية علي وجه الخصوص ، ونقولها هنا بكامل الصراحة ظلت ترمي تبعات عدم جعل الوحدة جاذبة علي المؤتمر الوطني ، فضلا علي التعبئة الإعلامية واضحة المعالم بين أنصار الحركة في كل دول العالم لإختيار إنفصال جنوب السودان لتأسيس دولتهم المستقلة ، برغم أن الأمر لايخرج من كونه حقا طبيعيا أعطته لهم بنود إتفاقية السلام والتي أصلا كانت تجري تحت أجواء ضغط أمريكي عالي المقام . ذلك أن الولايات المتحدة ، ومنذ حدوث تغيرات سالبة في تطبيقات التيارات الإسلامية السياسية ، أي ما يطلق عليه حركة الإسلام السياسي المتطرف الذي بانت تطبيقاته الهوجاء في تفجيرات السفارات الأمريكية بالمنطقة ، والإرهاق الذي أصاب العالم المتقدم في مقتل بسبب تداعيات تلك التفجيرات التي وصلت حتي برجي التجارة في مانهاتن الراقية بضاحية نيويورك ، للدرجة التي جعلت الرئيس الأمريكي الأسبق ( جورج بوش الإبن ) يصرح بذلك التصريح الإقصائي الغريب من فرط غضبه بما معناه ( أن الكيمان إتـفرزت ) حين قال للعالم بلغة تهديد واضحة بأن يختار واحد من خيارين فقط : إما معنا أو مع الإرهاب ( Either with us or with terrorism) . وبالتالي قفل بوش الباب الأمر علي هذا المنوال. فبدأت الهجمات الأطلسية الهوجاء وبإضطراب بائن الملامح .
   وإستنادا لذلك الإضطراب الذي طغي علي خيال الأمريكان وعلي معظم دول العالم المتقدم ، فإن الخطوات قد تسارعت بأن تتم إجراءات ترتيبات لا مناص منها و لا تراجع عنها ضد الأنظمة التي تستصحب معها شعارات التطبيقات الإسلامية ولو كان ذلك نظرياً ، حتي إن أخفقت تلك الأنظمة في تطبيق التجارب الإسلامية في الإقتصاد والسياسة وقضايا الحريات وبسط العدل والعدالة في توزيع السلطة والثروة . وعلي ذلك قـِس ، فكيف يخرج السودان عن بال الأمريكان ، وقد كانت هناك حرب اهلية شعواء في جنوب السودان ، تري القوي الدولية وجوب إنهائها بالشكل الذي يضمن حق تقرير المصير للحركة الشعبية والذي ظلت تطالب به منذ مباحثات أبوجا في العام 1992م لكنها كانت تجد الفرفض من الجانب الحكومي ، ما أدي إلي مواصلة الحرب حتي حدث إرهاق وفقدان للإقتصاد والنوع البشري في آن واحد ، وبالتالي فقد كانت الساحة السودانية بشقيها في الجنوب والشمال مهيأة لقبول وقف لإطلاق النار والدخول في التفاوض الذي أخذ أكثر من عامين بدءاً من مشاكوس وإنتهاء بنايفاشا .
   وبناءً علي كل تلك الحيثيات بخلفياتها الواضحة ، لابد ان تعي القوي السياسية بأنها تحرث في البحر إن إرادة تغيير إرادة شعب الجنوب ( بشوية مؤتمرات وظهور تلفزيوني رتيب ) وقد خرج شباب الجنوب بألوف مؤلفة بالأمس القريب في المدن الإسترالية يطالبون بقيام الدولة الجديدة المستقلة بالجنوب إذا تأخر الإستفتاء ، وإن كان ذلك بإعلان الإنفصال من داخل البرلمان  في جوبا ،  وهي روح تسود الآن كل أبناء الجنوب في كل الدنيا ، وبالتالي لم أشعر شخصيا بالإستغراب للأمر ، خاصة وقد وقع في يدي منشورعصر الأحد الماضي أصدره طلاب الحركة الشعبية بجامعة الخرطوم حيث قامت بتوزيعه للحضور في إحتفالية صحيفة الأهرام اليوم بملاعب كمبوني بالخرطوم في إسبوعها الرياضي الثقافي من أجل دعم الوحدة الجاذبة ، وقد كنت مدعواً لذلك ، يدعو ذلك المنشور بذات طلبات مواكب الجنوبيين بمدن إستراليا البعيدة .
   إذن ... علينا ألا نصاب بالدهشة الآن ، بل علينا أكثر أن نهتم بترتيبات مستقبل العلاقة بين دولة وليدة جديدة تم إقتطاعها من جسد دولة كبيرة ، خاصة وأن عوامل عديدة مشتركة تستوجب بذل جهد أكثر بين اللجان الأربع التي تم تكوينها بين طرفي نايفاشا ، برغم الأخطاء التي صحبتها في عدم إتساع مواعينها لإستقطاب القوي السياسية والثقافية والإجتماعية الحية وسط الشعب السوداني العريض حتي يمكن تطبيق المثل العربي العريق ( نصف رأيك عند أخيك ) .. ولكن قصور نظر القائمين علي الإتفاقية من الطرفين يظل هاجس عدم التوفيق يطغي علي أخيلتهم لأسباب نفسية تحدث عند إتخاذ قرارات مصيرية تاريخية لم يتخيلا في يوم من الأيام أن تحدث إبان سنوات حكمهم وسيطرتهم علي المال والسياسة في الشمال والجنوب علي السواء .
   لكن ... كل الخوف سيطل بقرونه الطويلة عند ما تتم خطوات تطبيق الخطة ( ب ) بواسطة الولايات المتحدة التي ضمنت الآن أنها قد بدأت في خلق دولة جديدة تضغط علي الثقافة العربية في الشمال وعلي إرهاق دولة الإسلام السياسي . ما يستوجب الشروع فورا من طرفي نايفاشا إلا يقدما إية إستجابة للطلبات الأمريكية القادمة ، لأن القوي الدولية التي لاتزال تعيش إنتشاءات التفوق المادي والتقني والعسكري علي دول القارة السوداء ، تعمل الان علي إستبدال الإستعمار العنصري القديم بالإستعمار الجديد الذي بدأ تطبيقه علي دول القارة الأفريقية من باب المحكمة الجنائية الدولية التي ترعاها دول الإتحاد الأوربي التي تدعم 70% من ميزانيتها ،  بشرط عدم مساس المحكمة او تجاوزها لخطوط وسقوف حمراء تتمثل في غض النظر عما حدث في العراق وفي أفغانستان وفي قطاع غزة ، وفي فضيحة معتقل غواتنامو ، فالجنائية الدولية في لاهاي ما هي إلا غواتنامو ( بإستايل ) أوربي ، وهي محض بوابة دخول لأستعمار القارة مرة أخري، وبالتالي يجب علي الحركات المسلحة ألا تفرح كثيرا بأن الجنائية تنشد العدل العالمي ، فهاهي الآن تحوم حول كيفية توريط حزب الله في مقتل رفيق الحريري بعد مضي خمس سنوات علي الحادثة ، حتتي تتمكن من تطبيق آمال الدولة الإسرائيلية بعد أن أرهقتها قوات السيد حسن نصر الله.
     وهنا نقول في الختام ... سيذهب الجنوب وهو في حالة إنتشاء تام ( وبخيت وسعيد عليه ) وهو إستحقاق دفع فيه دماء خمسة ملايين مقاتل ، وبالتالي يجب من القيادات الجنوبية إعداد شعبها ونفسها هي ايضا بألا تدع مجالا لتطبيق أجندة غربية أخري تجاه السودان العربي المسلم أو العربي المسيحي بمحاولة طمس حضارته وثقافته ، طالما إحترم شعب السودان خيار أهل الجنوب في إتفاقية السلام . علما بأن الجنوب سيكون في أمس الحاجة للشمال بسبب التداخل الجغرافي والبعد الإقتصادي ، وآليات نقل الطاقة البترولية المؤسسة علي طول إمتداد السودان الشمالي حتي موانيء التصدير في البحر الأحمر . كما أن علي القوي السياسية في الشمال وعلي السلطة القابضة بنسبة مائة بالمائة علي كافة وظائف الدولة السودانية في سلطاتها الثلاث ، التشريعية والتنفيذية والقضائية ألا تعمل علي تهميش القوي الحية السياسية والإجتماعية في السودان الشمالي حتي لا يحدث إحتقان شمالي شمالي يقود إلي توتر شمالي شمالي ، ربما يتطور بفعل الخطة ( ج ) الدولية إلي توظيف العنف في تقاطعات الحياة السياسية والإجتماعية في السودان ، فالإنفصال إن وقع ... ما بينفع الجقليب .. وأحسب أن الرسالة قد وصلت إلي جماهير شعبنا ، قبل أن تصل إلي الحركة وحزب المؤتمر ... وفيما بعد نناقش البعد الدارفوري في السودان القادم لما بعد الإستفتاء .. وإلي اللقاء ،،،،،