عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

يظل هذا اليوم السبت الموافق 24 يوليو 2010م يوما تاريخيا ، ربما يكتب فيه أهل السودان بمداد من نور ، اعلي قيم التوحد والإنضباط السياسي والإصرار لإنجاز فعل ٍ ما ، يعيد الإبتسامة لشفاه هذا الشعب الأسمر ، والذي لم يكن محظوظاً منذ العام 1821م وهو بداية دخول العهد التركي 0 محمد علي باشا ) وحتي اللحظة . ذلك أن إختلاف الرؤي السياسية بينالقوي السياسية السودانية الحديثة  قد أدت إلي العديد من التعطيل لمسيرته ، والتي حتما أدت إلي تجميد إستغلال موارده الطبيعية العديدة ، فتلك الموارد إن وُجدت في بقعة أخري من بقاع العالم الأكثر تحديا وإصرارا علي صنع المستحيل ، لفاضت تلك الموارد خيرا وبركة لمجمل الإنسانية .
ففي هذا اليوم السبت وربما تأجل الميعاد إلي الخميس القادم ، وللمرة الأولي تجتمع قيادات أهل السودان بمجمله وبجدية أكثر من سابقاتها بدعوة من السيد رئيس الجمهورية ، حتي يتم تدارك المآلات التي تطل بوجهها قريبا في التاسع من يناير 2011م لكي تحدد مستقبل هذه الأمة التي أضناها التعب ووعورة الطريق ، طريق بناء الوطن الذي ما إنفك يدفع فواتير عديدة محسوبة علي إستهلاك مسيرة قياداته المتعددة التي أخذت وما أعطت إلا النذر اليسير ، ثم ظلت تترك سداد ذات الفواتير لتدفعها الأجيال القادمة ( علي داير المليم ) ، بدءا من إعادة تأهيل مشروع الجزيرة وإمتداد المناقل وحتي سداد فواتير إنشاء سد مروي التي يبدأ سداد أقساطها للصنادق العربية الممولة بعد ربع قرن من الآن ، عدا القرض الصيني لأنه تجاري وليس منحة طويلة المدي ، فضلا علي مهام الأجيال القادمة التي ستصنع من جديد حيادية الخدمتين المدنية والعسكرية ، وذلك بإبعاد خاصية الأدلجة في القطاعين والتي ارهقتهما طويلا ، فهاجر من هاجر ،فأضناه الترحال الطويل ، وبقي من بقي ممزقاً ، ومات من مات .
علما بأن كل ذلك يأتي بعد توافر خاصية التحول الديمقراطي وإزاحة القوانين المانعة لذلك التحول ، ومن مهام الأجيال القادمة أيضا تحقيق هذا التحول بعد أن عجز هذا الجيل عن تحقيقها . لأنه لا يمكننا دعوة أهل السودان للتوحد وفي ذات الوقت نكبل أياديهم بالقوانين المشاترة العجيبة ، علما بأن ثقافة برمجة قيادات المعارضة بمنحها جزءاً من الكيكة ، ستمد له الجماهير العريضة ألسنتها الساخرة ، ذلك بسبب أن شعب السودان ( تـفتيحة ).. لكن البعض لا يأبه  بذلك ... ولا أزيد .
وبنظرة فاحصة علي ما تنتج عنه عملية الإستفتاء لأبناء جنوب السودان حول مصير الإقليم الجنوبي العريض ، نجد أن المواطن الجنوبي تزدحم مخيلته بمآلات إتخاذه لقرار التصويت ، وهنا أعني المواطن الراشد وليس الساذج ، المواطن الذي يحسب حساب نتائج قراره بميزان الذهب ، ويظل هاجسه هو : هل ما تقوله قياداته في الحركة الشعبية من وقت لآخر صحيح أم باطل ، لأن التصريحات لتلك القيادات نراها تتأرجح من وقت لآخر مابين المناداة بجنوب مستقل عن الشمال  وما بين جنوب ملتحم معه وفق شروط وحدة طوعية مشروطة أيضا بتوافر النهضة والتنمية وتطوير الموارد لإلحاق إنسان الجنوب بركب الحضارة ومجتمع الرفاه الذي ظلت تظهر ملامحه في الشمال فقط ، وحتي الشمال فإنه قد حصر نتاج موارده في العاصمة ، وقد كانت تنافسه حتي وقت قريب ولاية الجزيرة بما كانت تفيض به من إستغلال لمواردها وقيام العديد من الصناعات التحويلية في مدنها المختلفة من نتاج خام منتجات الزراعة ، حتي هجم عباقرة الخصخصة فقتلوا مشروعها العجيب الساحر ، فحشروه في متحف التاريخ ، وجعلوا أهل السودان يتباكون ويعزون بعضهم البعض في ضياع هذا الصرح الشامخ(مشروع الجزيرة وإمتداد المناقل ) حتي لحق به بعد قليل الناقل الوطني ( سودانير ) ، ومن قبله أقوي بنوك أفريقيا ، وقد إنسحبت هيئة السكة الحديد مبكراً من هيكلة الإقتصاد السوداني .
لكن ... هل ياتري ستتواصل جدية إجتماع القيادات السياسية وتتنزل حتي القواعد لبث الروح لإستمرار سودان موحد طوعاً ، أم يكون الأمر مثل إجتماع كنانة الذي قتله أهل الدعوة له ؟ ذلك أن السودانيين يجيدون ويبرعون في التأسيس للمؤتمرات وللمنتديات ولورش العمل ، ويتخذون من العصف الذهني ماعونا لعرض العديد من المقترحات الجادة والمقنعة ، فتفيض أحبار طابعات الحواسيب بتلك المخرجات ، وتمتليء الأضابير بالأبحاث المرتبة والمقنعة جداً ، ولكن فجأة دون أسباب يطل شيطان الهدم ليهدم تلك البنايات الفكرية ، ثم بعد قليل يحفظها في متحف التاريخ الطبيعي .
وفي تقديري الشخصي ، أن الحركة الشعبية ، تزدحم مخيلة معظم قياداتها بشيء يؤسس لفكر الإنفصال طالما ظل هو المرتكز الأساس لنضالاتها منذ إزاحة مبادرة السلام السودانية الموقعة في 16 نوفمبر 1988م لتدخل بعدها الحركة الشعبية وتستظل دوما بشعار مبدأ تقرير المصير لجنوب السودان ، وذلك منذ مباحثات أبوجا الأولي والثانية في بداية تسعينات القرن الماضي ، وحكومة السودان ترفض ، ثم جاء مؤتمر القضايا المصيرية في أسمرا لتضع الحركة قيادات الشمال المعارضة في مطب تحديد واحد من خيارين : إما قيام الدولة المدنية التي كانت تحكم السودان حتي تطبيق قوانين سبتمبر 1983م أو تجيز المعارضة في ميثاق اسمرا مسألة تقرير المصير ، فكان القبول بالخيار الثاني ، وهو تقرير المصير ، مع تأكيد دكتور جون قرنق علي وحدة التراب السوداني ، وتقرير المصير هذا قد رفع لاحقا من قيمة التباحث مابين الحركة والمؤتمر الوطني في نايفاشا ، مسنودا بإشراف دول الإيقاد ومدعوما بالرعاية الأمريكية حتي ميقات التوقيع لإتفاقية السلام الشامل في 5 يناير 2003م .
وبما أن تاريخ إستحقاق تطبيق اللمسات الأخيرة من تلك الإتفاقية يأتي الآن مسرعا وبوتيرة أعلي مما نتوقع ، فإن الأرض نراها الآن قد ضاقت بمارحبت بأهل الجنوب قواعد وقيادات ، بمثلما ضاقت بين أقرانهم في الشمال ، لأنه لا أحد يعرف حتي اللحظة مآلات وتداعيات الإنفصال إن حدث ، برغم أن الجيمع يعرف جدا مكتسبات الوحدة الطوعية التي تخلق سودانا قويا يلتزم بتنفيذ خطط تنمية طموحة لأهل الجنوب مهما كانت كلفتها ، فذلك أفضل من قيام دولة جديدة محشورة ومضغوطة جغرافيا بالمنطقة لن يكون لها كبير تأثير في المحيط الأفريقي بسبب أن السودان الجغرافي والسياسي القديم قد بسط جهده وإسهامه في قيام وإستمرار العديد من المؤسسات الفاعلة كالإتحاد الأفريقي وحتي إتحاد كرة القدم الأفريقي ( الكاف ) ، وبالتالي فإن الدولة الوليدة إن نشأت في الجنوب فإن إضافتها للبعد الافريقي لن يصبح ذا تأثير سياسي ، ذلك أن القارة والعالم أجمع قد عرف السودان بحدوده وشعوبه المتباينة السحنات والثقافات الحالية . لذلك فإن قيام التنمية هناك يصبح هو الحل الناجع لأمراض التمرد والعصيان ، والنضال إن شئنا التسمية .
لذلك كله ، نري أن الطبقات المستنيرة والقائدة من أهل الحركة الشعبية هي التي ستحدد إتجاه بوصلة الشعب الجنوبي المسكين الذي هدّاه الفقر والمرض وتعدد النزوح . أما الإعتماد علي الأحلام النرجسية للقيادات هناك ، فلن يحقق طموحات مجاميع تلك الشعوب المتعددة الأعراق في قطاع الجنوب الجغرافي ، خاصة وأن اهل الجنوب بالشمال يعيشون الأمان الإجتماعي منذ قرون عديدة . وهنا تسقط حكاية ( مواطنين من الدرجة الثانية ) ، لأنهم  هنا أسياد بلد كما نري .
ولكن خيار الوحدة الطوعية يتطلب بدءاً ، الإلتزام بتحقيق مشروعات النماء بأسرع ما يمكن بالجنوب ، تماما مثلما يظل هذا الإستحقاق مطلوبا لتنمية غرب السودان وشرقه ، وإلا فإن مثلث حمدي الإقتصادي القديم سيطل من جديد ، رضينا أم أبينا . وهنا نسال وبكل صراحة ، هل تمدد  وزارات الحكم دون الحاجة لذلك ، سيساعد في توافر المال لتنفيذ التنمية ؟؟؟
وختما نقول ... هل يحقق إجتماع قيادات القوي السياسية اليوم السبت بدعوة من رئيس الجمهورية ، ما يجعلنا نتمسك بترديد مفردات نشيد الطالب الجامعي وقتها في العام 1961م وهو الدكتور الباحث الآن بالخليج واليونسكو قبلها ، إبن القضارف ( عبدالواحد عبدالله ) مدير الإذاعة السودانية الأسبق حين تغني له وردي السودان بتلك الأهزوجة الخالدة قبل خمسين عاماً :
اليوم نرفعُ راية إستقلانا ... ويسطر التاريخ مولد شعبنا .. يا أخوتي غنـُّوا لنا .
نتمني ذلك ،،،،،،