بدأ العديد من اصدقاء وزملاء ورفاق درب الراحل المقيم د. امين مكي مدني في سرد مآثره وكتابة ذكرياتهم معه ، غير أنني وعلي المستوي الشخصي لم أكن أعرفه معرفة لصيقة بل أسمع عنه وعن نشاطه المتواصل في المجالين السياسي والاجتماعي برغم أنني علي صلة وثيقة منذ عشرات السنوات مع أشقائه الأصغر سنا منه حيث جمعتنا بهم الحياة الاجتماعية في تلك المدينة الباهرة

( ودمدني ) وواسطة عقدها ( بركات ) مثل الراحل كمال مكي ومامون
وعباس عليهم الرحمة والحاج وأبوبكر زميلنا في الدراسة ، حين كان مشروع الجزيرة الذي كان عملاقا قبل أن يلتهمه الصينيون ويزرعونه قطناً ويحلجونه بمحلجهم الحديث بمارنجان ثم يصدرونه إلي بلادهم وذلك كسداد لمديوناتهم الضخمة طوال سنوات الإنقاذ .
فقد قضيت عمراً مقدراً وطويلا عقب تخرجي من الجامعة في منتصف سبعينات القرن الماضي بمدن الإغتراب لسنوات طوال ومن أهمها مدينة جدة الساحرة ، وعند عودتي من إغترابي الاول الطويل وإستقراري بمدينتي الجميلة ( بركات) كان هناك حدثا حزيناً وهو الذي جعلني أتعرف عن قرب بالراحل المقيم الدكتور امين مكي مدني وأعرف قيمة وفائه لأصدقائه وهم كثر ، حيث إلتقيت به داخل منزلنا ببركات في ظروف كانت حزينة علي الجميع ، وذلك اللقاء تم في صبيحة الجمعة بتاريخ 2/ فبراير / 1989م عند وفاة إبن عمنا البروفيسورمحمد عبيد مبارك مؤسس جامعة الجزيرة وأول مدير لها .
والقصة التي أنا بصدد سردها توضح لي ولأهل السودان قيمة الوفاء عند دكتور امين مكي ، ففي فجر ذلك اليوم وبعد منتصف الليل بقليل كان الراحل د. امين في طريقه الي السودان قادماً من لندن عن طريق مطار القاهرة برحلة مصر للطيران لمواصلة السفر إلي الخرطوم ، وقد حكي لي بعد أن عرفته بنفسي وأنني الاخ الأصغر لصديقه الذي رحل لاحقا الأستاذ حسن الباشا ، أنه قد لاحظ في صالة المغادرة وجود عدة أفراد من طاقم السفارة ومعهم البروف الراحل صلاح الدين طه صالح ومجموعة من مديري الجامعات الأفريقية يلتفون حول جثمان محدد .. فذهب تجاه دكتور صلاح طه وسأله عن الأمر ، فكانت المفاجأة التي ألجمته وهي أن الجثمان الموجود داخل الصندوق لشحنه بذات الرحلة الي الخرطوم هو جثمان طيب الذكر البروفيسور محمد عبيد مبارك والذي حضر برفقة صلاح طه للاشتراك في ذلك المؤتمر بالقاهرة والذي انتهت جلساته بالخميس الأول من فبراير وأن بروف ودالعبيد قد توفي في الجلسه الأخيرة للمؤتمر حين اسعفوه إلي المستشفي. فألجم الخبر الذي نزل كالصاعقة علي مسامع دكتور امين مكي ، فما كان منه إلا أن يحضر مع الجثمان رأسا إلي ودمدني بحافلة جامعة الجزيرة التي أتت إلي مطار الخرطوم فجر ذلك اليوم ومعها الأخ الحاج مكي مدني ضابط الخدمات بجامعة الجزيرة ورهط من أهل المرحوم د. محمد عبيد مبارك ، وقيمة الوفاء هنا تتمثل في أن دكتور أمين لم يذهب إلي منزله بالخرطوم ، وأنه قد مكث معنا بدارنا ببركات منذ الصباح الباكر حتي ميقات صلاة الجمعة حيث أدينا صلاة الجنازة بمسجد بركات العتيق الذي يقع أمام منزلنا ( حوش الباشا ) ثم واصل معنا برغم إجهاده حتي تم الدفن بمقابر أم سنط شرق بركات .
وعندما طلبنا منه ومعي اخي الاكبر الراحل حسن الباشا بأن يذهب إلي منزل والده بودمدني ليستريح بعد هذا العناء الذي كابده منذ إقلاع رحلته الأولي من لندن ، فأنه رفض رجائنا وعاد مع وفود المشيعين بالمقابر من أهل بركات ومن أساتذة وطلاب جامعة الجزيرة ومن القادمين مع الجثمان من الخرطوم وأذكر منهم من أصدقاء الراحل محمد عبيد ، كل من الأخ الكبير مولانا التجاني الكارب وأخيه الأكبر بروف صلاح الكارب والبروفيسور الراحل عمر بليل مدير جامعة الخرطوم الأسبق ، وغيرهم كثر ، ومعظمهم من ابناء ودمدني أصلا .
وبعد محاولات عديدة ، وافق دكتور أمين مكي بالذهاب إلي أهله بودمدني ليرتاح قليلا ، ولكننا فوجئنا به يأتي للعزاء بالمساء أيضا ثم في اليوم التالي لحضور رفع العزاء. ومنذ ذلك الوقت توطدت علاقتي به ، خاصة في سنوات التجمع الوطني بالخارج حينما إغتربنا مرات أخر للعمل بالخارج .
رحم الله دكتور امين وأحسن إليه بقدر عطائه لأهل السودان وقناعاته التي كان يمارس نشاطه السياسي علي أساسها .. ونسأل الله جلت قدرته بأن يكرم نزله بالجنة ويعوض صبره علي المرض أجراً كبيراً عند مليك مقتدر .
ونرفع أحر التعازي لأصدقائه ومعارفه وأهل بيته ولأل ودمدني ، وعزاء خاص لشريك مسيرته العملية في مجال الإستشارات القانونية مولانا التجاني الكارب وأخوانه .
إنا لله وإنا إليه راجعون .

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.