الفنان الراحل عثمان حسين .. كم عطر سماء السودان لعقود طويلة من الزمان بكل أنواع العطور التي تـنسّمها الجمهور بألوان متعددة من الألحان الشجية وبأعمال موسيقية تخاطب الوجدان وتهديء المشاعر من سخونة شمس البلد الوهّاجه اللافحة في معظم فصول السنه إلاّ قليلا.. وقد أتي عثمان حسين إلي ساحة الفن في بلادنا و كان يمتلئ شجناً .. فاضت علي إثره الساحة الفنية فرحاً مستداماً إستقر في قلوب كل أبناء شعبه منذ نهاية الأربعينيات من القرن الماضي وحتي اللحظة.. بل وسيمتد أريج أغنياته الفواحة لأزمنة عديدة قادمة .
فقد كان (أبو عفان) متجدداً في كل أعماله الفنية، مما يجعلنا لا نملك إلا أن نحترم هذه الأعمال الإبداعية الجادة .. كيف لا وهو قد تعامل مع افخم مؤلفي الكلام الجميل في بلادنا الجميله.. حيث تعاون معه الشاعرالضخم قرشي محمد حسن صاحب الفراش الحائر .. ثم إرتبط بإبداعه ذلك الشاعر الرقيق الأستاذ الجامعي بروفسور السر دوليب منذ سنوات دراسته بالثانوية ، وكتب له الراحل المقيم عبدالمنعم عبدالحي أعذب الكلام من قاهرة المعز .. كما شدا بأعذب مفردات الشاعر الدبلوماسي صلاح أحمد محمد صالح حيث كان أحد أعمدة إذاعة لندن بعد هنا أم درمان ثم إنتقل إلي الخارجية مع مشارف الإستقلال .. وترنم بمفردات ذلك الرائع عوض احمد خليفه صاحب ربيع الدنيا وقبلها عشرة الأيام ، والرائع محمد يوسف موسي صاحب الدرب الأخضر .. ثم وحيدة البروف الزين عباس عمارة ( أوعديني ) .. وعثمان خالد ذلك الشاب الذي رحل علي عجل تاركاً خلفه لعثمان حسين تلك الرائعة ( تسابيح ) .. و لكن عندما ألتقي عثمان حسين مع الأستاذ الشاعر حسين بازرعه فإن مراكب النيل قد فردت كل أشرعتها للإبحار .. فأبحر بها وبنا أبوعفان في تلك البحار التي لاشواطيء لها .. فهل من بعد بعد رحيله عن الدنيا ستعود مراكب ريدنا لبر الأمان كما تقول الأغنية التي كتبها بازرعة .
ونحن عندما نتحدث عن أعمال عثمان حسين الفنية ، فإننا نصبح في حيرة من امرنا .. كيف نستطيع أن نوثق لهذا التراث الضخم لتتوارثه الأجيال القادمة بما يحتويه من روائع فنية وموسيقية ومفردات من الأشعار تمتاز بأنها تخاطب الأحاسيس وتدخل في أعماقنا بكل يسر وهي أعمال تتعدي المائة عمل غنائي وعلي درجة متقدمة من الرقي والرقة والموسيقي ذات النقلات المتنوعة التي تأتي بكل رشاقة .
فكم طرب جمهوره وهو ينثر عبير كلمات إبن أم درمان الشاعر علي محمود التـنقاري في رائعته العريقه التي تغني بها عثمان منذ زمن مبكر وقد كان في ريعان شبابه والتي يجيب فيها علي تساؤل لم يتم توجيهه له .. ومن هنا يأتي إبداع التنقاري ، ذلك التاجر الموهوب فناً النبيه الذي كان يجيد مهنة التجارة المحدودة في سوق أم درمان :
كيف لا أعشق جمالك ؟؟
مارأت عيناي مثالك
كيف لا أعشق جمالك ؟؟
وإنت مغري
إنت بأدبك و دلالك
وإنت سحرني
فيك أجمل شيء خصالك
وإنت بدري
وأبعد الغايات منالك
ولو رميت .. تفتني مالك؟؟
وقلبي .. لاعب بيهو مالك؟؟
كيف لا أعشق جمالك؟؟؟؟
***
فهو يجيب فعلاً علي السؤال الذي لم يُطرح عليه .. ليعيد طرح اجابات في شكل أسئلة فلسفية من شخصية عادية لم تمتلك التعليم الحديث، لكنها شخصية وهبها الله خاصية الفلسفة التعبيرية شعرا يأتي بمنتهي الرقة والجمال ، وفي ذلك الأمر خيال لا نهاية له ومشحون شحناً تاماً بخصوبة عالية من التعبير .
وأبو عفان ومنذ بداية الخمسينيات من القرن الماضي إستطاع أن يجذب قطاعات واسعة من جمهور المثفقين الذين كان يُطلق عليهم حتي وقت قريب صفة
(الأفنديه) ، وهم موظفي الدولة .. فكان يقال لك أن عثمان حسين هو فنان الأفنديه ، ذلك لأن الغناء من قبل أن يظهر عثمان حسين كان خفيفاً في إيقاعاته اللحنية ، وقصيراً في مقاطعه الشعرية .. ولكن عندما أتي عثمان مقتحماً وبكل ثبات ساحة الغناء في السودان ، أتي وهو يحمل معه لوازم وآليات التشييد التي يشيد بها البناء اللحني لأغنياته ، حتي إذا كانت الأغنية قصيرة المدي فإن عثمان حسين ظل يغطي ذلك العجز بوضع موسيقي المقدمه لتأتي في قالب أكثر طولاً إن لم تكن أكثر عرضاً ، ولربما كان الأستاذ أبو عفان لديه إعجاب بمقامات الموسيقي العربية التي كانت رائجه في ذلك الزمان في السودان في فترة الثلاثينات والأربعينات والمنتشرة في فن الغناء المصري حيث تأتي موسيقي المقدمة مطولة قبل الدخول في الميلودي الخاص بكل أغنية وهي الطريقة التي إبتكرها الموسيقار الملحن الراحل رياض السنباطي في أعمال أم كلثوم ثم سار عبدالوهاب علي ذات النهج .. وذلك بخلاف ألحان سيد مكاوي وبليغ حمدي والموجي التي لا تهتم كثراً بموسيقي طويلة كمقدمات للأغنية ، فالمقدمات الموسيقية لا نجدها في غناء العندليب حليم أو شادية وفايزة أحمد ووردة وعفاف راضي ومن قبلهن ليلي مراد وغيرها ، لكن تلك المقدمات الموسيقية واضحة المعاليم في ألحان عبدالوهاب والسنباطي كما ذكرنا ، برغم أن الموجي قد إستدرك ذلك فأتي بالتطويل بالمقدمة الموسيقية في أعمال حليم الأخيرة قبل وفاته كرسالة من تحت الماء وكقارئة الفنجان ، وكلتيهما من أشعار نزار .
وهنا لا أجزم بأن الأستاذ عثمان حسين قد تأثر بذلك التيار من موسيقي الألحان ذات المقدمة الموسيقية الطويله أم لا .. لكنني سمعته شخصياً يتحدث عن هذا التأثير عليه عند لقائي به ذات مساء في دار الخرطوم جنوب للموسيقي حين تحدث لي وبحضور الصديق الأستاذ امير التلب.. ما يثبت بأنه كان مواكباً ومتابعاً للموسيقي العربية من خلال الإذاعات .. فربما عاش عثمان تلك الأفكار الموسيقية لكنه قام بسودنتها تماماً بتوظيفه السلم الخماسي المعروف في الموسيقي السودانية والأثيوبية والصومالية .. ومن بعده أصبح كبار مطربي تلك المرحلة وما بعدها في الخرطوم يلجأون أحياناً في بعض اعمالهم الفنية إلي إتباع هذا النمط من تطويل موسيقي الأغنيات وخصوصاً موسيقي المقدمة . . كما نلاحظ أن أبوعفان أدخل طريقة تغيير الهيكل اللحني بحيث يأتي كل (كوبليه) بمقدمة موسيقية في قالب لحني يختلف عن الوتيرة المتبعة في المقطع الذي يسبقه او الذي يأتي بعده . وكمثال علي ذلك نري ان عثمان حسين يبدع عندما يترنم ببعض مقاطع الاغنية في شكل
(رميه) تصحبها خلفيات موسيقية من الأوركسترا .. ونستعرض ذلك اللون في مقدمة أغنية بازرعة ( من أجل حبي ):
جايي تترجاني.. أغفر ليك ذنبك
ما كفايه الشفتو .. من نارك وحبك
إنت فاكر تاني .. ارجع لك واعاتبك
لا... لا لالا .. دربي أصبح ماهو دربك
****
وبعدها تدخل الموسيقي بقوة مع الكلام .. ويقفز هنا صوت أبوعفان :
كنت تحلم بالسعاده
هيّ غير ماأنت فاكر
هيّ في كلمة موده
هيّ في نظرات مشاعر
من قلوب المابتردك
وأي فايت وأي زائر
وشايله هم الدنيا .. زادا
وماليه كل الكون مشاعر
***
نواصل ،،،،
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
////////////////