حين تعود الذاكرة إلي الفرص الضائعة والأكبر ضخامة من بين أيادي جماهير شعبنا عبر تاريخه الحديث ، فإن حادثة الإغتيال عمداً ومع سبق الإصرار والترصد لمبادرة السلام السودانية التي تم مهرها بالعاصمة الأثيوبية أديس أبابا بتاريخ 16/11/1988م الحزب الإتحادي الديمقراطي والحركة الشعبية لتحرير السودان بزعامة كل من السيد محمد عثمان الميرغني والراحل المقيم الدكتور جون قرنق ديميبيور ، تطل ذكراها في خواطر شعبنا بكل الحسرة التي تلازمها، حزناً دفيناً علي ضياعها وعلي ضياع واقع جميل كان ينتظره شعبنا ، حتي أصبح شعبنا لابواكي له ، وقد أصبح ملطشة بين شعوب المنطقة والعالم أجمع مهما كان حجم التظاهر الهتافي.

تلك الإتفاقية التي كادت أن تؤدي إلي إيقاف الحرب الأهلية اللعينة التي نشبت بسبب المكر الإستعماري اللئيم بين أبناء الوطن الواحد منذ عام 1955م ، وقد رعاها ذلك المستعمر وقام بمدها بالسلاح والعتاد ، وأدخل بذلك شعب الجنوب في محرقة فقد خلالها الأنفس والثمرات وقام بتدمير البنية التحتية لذلك الجزء الهام من البلاد ، بحيث تصعب عملية البناء فيما بعد ، بمثلما كان الفقد اكبر في شمال بلادنا ، فتعثرت المشاريع وغابت التنمية ، ورحل شعار السودان سلة غذاء العالم.
لكل تلك الأسباب ، ومن خلال عصر الإستقطاب والحرب الباردة بين القطبين( الأمريكان والسوفيت ) وقتذاك والتي كانت تسود كوكب الأرض ، تمددت المصالح وتعددت الأسباب لتستمر الحرب وتحرق كل الوطن بمثلما تحرق (حشا الأمهات) في الجنوب والشمال علي السواء ، غير أن الدول الراشدة بالمنطقة قد فهمت الإشارة وعلمت بحسها الإستراتيجي أن تلك الحرب يجب أن تتوقف وبأقصي السرعة الممكنة ، حيث أن المبررات التي قامت من أجلها تصبح من الضحالة بمكان بحيث لا يستدعي الأمر تمددها بمثل هذا العنف والحجم الكبير من الدمار لدولة فقيرة شعبا وإقتصاداً ، وقد كان من الممكن إحتواؤها ببذل الجهد السياسي السلمي ، الذي حدث فيما بعد .. ثم تعثر بفعل فاعل كما سنري.
وبناءً علي مبادرة عزيزة وعالية المقام من قيادة الحزب الإتحادي الديمقراطي ، قام السيد محمد عثمان الميرغني ببذل جهود مقدرة مع بعض دول الجوار ذات الصلات الطيبة مع الحركة الشعبية ومع قائدها لإقناعهم بالجلوس للتفاوض مع الجانب السوداني المتمثل في الحزب الإتحادي بعد أن جربت الحركة التفاوض مع كافة الحكومات والمنظمات للوصول إلي صيغة سلام عادل لإيقاف الحرب ، وقد أبدت قيادة الحركة إستعدادها للخوض في هذا الشأن بسبب ثقتها في الزعيم المرغني ومصداقيته التي لا تعرف اللف والدوران في الشأن الوطني ، وذلك نتاجا للتربية والبيئة التي تسند إلي المصداقية النابعة من الموروث الصوفي الخلاق في الطريقة الختمية القومية المنهج وقد كان رئيس الحكومة السودانية المنتخبة ديمقراطياً وقتذاك قد أضاءالضوء الأخضر للحليف الحاكم – الإتحادي - بالولوج والإستمرار في هذا الأمر .
وهنا ، فقد أعد الحزب الإتحادي الديمقراطي عدته للسفر وقام بتشكيل وفده الذي كان يتكون من كفاءات عرفت بالتفاني والحكمة ، وفوق ذلك بالإيمان بعدالة قضية أهل الجنوب ، وعلي رأسهم الدكتور حسين سليمان أبوصالح والدكتور مامون سنادة والأستاذ سيد أحمد الحسين ، والراحل المقيم الفريق يوسف أحمد يوسف وآخرون من قادة الحزب في ذلك الزمان من منتصف العام 1988م ، فسافروا إلي أديس أبابا تصحبهم دعوات شعبنا بالتوفيق لتحقيق السلام ، حين كانت رحلة البدء للتعارف ولخلق قنوات الثقة أولا ، ثم في الدخول المباشر في مفاوضات كانت مضنية جداً ومرهقة لأبعد الحدود ، لكنها خلقت ثقة عالية ونادرة الحدوث بين قادة الحزب الإتحادي وقادة الحركة الشعبية وكان الزعيم الميرغني يتابع الأمر من الخرطوم ويوجه ويساند ، يقبل هذا ويرفض ذاك ، ثم يعود الوفد إلي الخرطوم لمزيد من التشاور ، ويغفل راجعاً إلي أديس أبابا ، ورئيس الوراء وقتذاك يراقب ايضا ، فكم من عقبات كادت أن تنسف المحاولة ، وكم من تصميم وطني ومسؤول ظل يجهض تلك المحاولات الدولية البائسة علماً بأن دولة إسرائيل والمخابرات الكبري ظلت تتابع الأمر وتضغط وتضغط لتحقيق الفشل ، غير أن قيادات الحركة بزعامة وتوجيهات قائدها الراحل الدكتور جون قرنق كانت أيضاً لا ترمي بالاً لتلك الدسائس ، وتلك كانت محمدة لقادة الحركة سيحفظها لهم شعب السودان حين تأتي أجيال أخري في زمان قادم لتسطر المحطات المضيئة في مسيرة تاريخ السودان الحديث بكل تجرد وبكل حيادية حين تنقشع سحائب التغييب الداكنة يوماً ما وأيضا لتسجل ذات الأجيال كل المحطات البائسة الكئيبة في مسيرة الشعب السوداني .
كانت معضلة قوانين سبتمبر 1983م والتي وضعها الرئيس الأسبق جعفر نميري تمثل عقبة في تحقيق السلام ، والتي عرفت وقتها بقوانين الشريعة ، برغم أن نظام نميري نفسه لم يطبق منها غير بند العقوبات بالمحاكم وبكل قسوة وتشفي ورعب وإرهاب للضعفاء ، وترك النظام أمر عدالة الإسلام تقبع تحت الوسادة بكل إطمئنان .. حيث ظلت عدالة هذا الإسلام المبرأ تماماً من الشوائب وطهارة الأداء تواصل بياتها تحت الوسائد ... وهي وسائد عديدة بلا شك ، إلي ان غادر الرئيس الراحل جعفر نميري بواسطة الخلع الجماهيري بقوته الضاربة في مارس/ ابريل 1985م.
وحين شارفت المفاوضات في أديس ابابا علي الإنتهاء وتوقفت عند عقبة القوانين الشرعية ، كان لابد من زعيم الحزب وحكيم الوطن كله أن يسافر إلي أديس أبابا لوضع الحلول واللمسات النهائية التي توقفت عند حد معين ، وقد إستبشر شعبنا وقتذاك خيراً بسفر السيد الميرغني ، فتحدد تاريخ السفر ، برغم أن قوي الظلام والتآمر والعنف قد تعدت علي منزل سيادته بالخرطوم (2) ذات مساء وقبل يومين من سفره وظلت تطلق زخات الرصاص علي المنزل من سيارة كانت مسرعة ، ولعل تلك القوي قد هداها تفكيرها المغلق دوماً من أنها سوف تثير الرعب في نفس السيد الميرغني وتتمكن من إثنائه عن فكرة السفر لإنجاز السلام الوطني المشرق ، ناسية بأن سيادته من الموحدين بالله دوماً . ومنذ ذلك الحين ، بدأت بلادنا في الدخول إلي مسلسل العنف الذي إمتدت ظلاله ولم يتوقف العنف بعد ، وربما تواصل إمتداد ذات العنف لسنوات طويلة قادمة بسبب أننا نري الآن كميات السلاح المهولة تدخل إلي الوطن من شتي مشارب الأرض وتتدفق وتتوزع علي أيادي الحركات المعارضة.
سافر الميرغني إلي أديس ، وبدأ فوراً في مواصلة التفاوض ، وهنا نذكر حكمة وموقف عظيم للراحل الدكتور جون قرنق ، وذلك حين أصر وفده أن يكتبوا في الإتفاقية أهمية إلغاء الشريعة من دستور البلاد كلها ، وقد كان جون قرنق يعلم تماماً – وهو غير ساذج بالطبع - بأنه لن يستطيع نزع خاصية الأشواق الدينية والخاصية الإيمانية من أفئدة شعب السودان المسلم في غالبيته ، فالرجل قد عاش ردحاً من الزمان وسط هذا الشعب ضابطا بالجيش السوداني منذ توقيع إتفاقية السلام الأولي بين النميري وجويزف لاقو وإمتدت لإحدي عشر عاماً (1972 – 1983 م ) حيث كان الراحل قرنق قد تم ضمه للجيش السوداني مع رفاقه القادمين بعد الإتفاقية ، وكان يسكن في أكثر الأحياء حيوية وشعبية في أوساط المسلمين بالحاج يوسف بشرق النيل ، ويعرف مدي القيمة الإيمانية والصلوات والمآذن تصدح بإقامة الصلاة ، وصوم رمضان والعيد والفرحة بأداء الحج وخاصية مفاصل أفراح وأتراح وتوادد وتراحم وترابط ومحبة هذا الشعب فيما بينهم . ووقتها كان السيد الميرغني قد رفض مسودة الإتفاق التي تقضي بإلغاء مبدأ الحكم بشرع الله تعالي ، وقد تكهرب جو المفاوضات حينذاك ، فأتي الراحل دكتور جون قرنق إلي قاعة التفاوض وحمل الأوراق ووضعها أمام وفد الحركة المفاوض ، قائلاً لهم وبالحرف الواحد :( إنتم فاكرين مولانا حيقبل الكلام الفارغ بتاعكم ده ؟؟ ) .
وفوراً تم تعديل النص في مسودة الإتفاق لتفضي إلي إحالة قوانين الشريعة إلي المؤتمر الدستوري الذي سيناقش بنود المبادرة ، وقد كانت قوانين سبتمبر وقتذاك قد تم تجميدها منذ عهد الحكومة الإنتقالية برئاسة المشير عبدالرحمن سوار الدهب عقب إنتفاضة 6 ابريل 1985م حيث ظل السودان يعمل بالدستور الإنتقالي عقب الإنتفاضة والمسمي بدستور السودان لعام 1964م المعدل في 1985م .
ولكن كان من أهم بنود إتفاقية الميرغني – قرنق هي وقف إطلاق النار ، وهو مطلب يمثل عين الحكمة والدربة والخيال المتسع من الطرفين ، لأن إزهاق الأرواح كان أكثر ما يؤرق بال شعب السودان بشطريه الشمال والجنوب ، فتلك الأرواح التي كان يتم وأدها داخل محرقة الحرب بدون مبرر وبلا فائدة تُرتجي ، قد أفقدت أهل السودان العديد من الأبناء الشباب من الجانبين وكان معظمهم من أبناء العمال والمزارعين البسطاء الذين كتب عليهم الفقر والموت في أحراش الجنوب في قضية كان من السهولة حلها بعد الإعتراف بتعقيداتها ، خاصة وأن التاريخ كان يذكر للدكتور الراحل حسن الترابي مناداته في ندوة 21 أكتوبر بجامعة الخرطوم بضرورة توافر الحل السلمي الديمقراطي لمشكلة الجنوب ، فلاندري حتي اللحظة لماذا غير الشيخ رأيه بعد خمس وعشرين عاما علي ثورة أكتوبر تلك فإتخذ مبدأ تأجيج الحرب بذلك العنف الطويل الذي دمر إقتصاد الوطن كله وبخاصة مشروع الجزيرة الذي ذهبت عائدات مبيعات إنتاجه من القطن لتمويل الحرب المستمرة إلي أن مات المشروع تماماً بسبب عدم تواصل زراعة الرقعة الزراعية بحجمها الكبير الذي كان يتعدي الستمائة ألف فدان في كل موسم وبرغم غلاء أسعار سلعة القطن عالميا عاما
إثر عام . ذلك أن العبرة دائما بالخواتيم وليس بخطاب المكابرة
المغشوش الذي ظل ينطق به رئيس مجلس إدارة مشروع الجزيرة وقتذاك عند قرار
إلغاء المشروع نهائيا وفقا لقانون 2005م . حيث لم يقتنع بذلك القانون
الكارثة شعب السودان الذي يعلم تماما ما أنجزه قطن الجزيرة في خلق الدولة السودانية الحديثة وفي بنائه لشعب السودان المؤهل وعلي مدي ثمانين عاما متصلة . .
وعند ذاك .. وفي إديس أبابا ، وفي 16/11/1988م قام الزعيمان ( الميرغني – قرنق ) بالتوقيع علي مبادرة السلام السودانية وسط زخم إعلامي إقليمي ودولي كبيرين ، وقد رافق ذلك إبتهاج عجيب داخل البلاد من نمولي وحتي حلفا ، فإستعدت جماهير شعبنا بالخرطوم لإستقبال وفد التفاوض . وحين هبوط السيد الميرغني من الطائر الميمون إلي مدرج المطار ، كانت الجماهير تزحف نحو سلم الطائرة ، وتعذر هبوط الزعيم ، بل وقامت الجهات الأمنية بحجزه خوفاً من تدافع الجماهير، ولكن برغم ذلك أصر الزعيم ووفده علي النزول من سلم الطائرة ، شاقين طريقهم وسط الجماهير حتي صالة كبار الزوار ، ومنها إلي جنينة السيد علي الميرغني بشارع النيل بالخرطوم ، وقد أخرجت الخرطوم في ذلك المساء البارد كل ما في جوفها من أمواج الجماهير من أبناء الشمال والجنوب علي السواء و كانت كلها ترقص طرباً في شوارع العاصمة من الكلاكلات وحتي الحاج يوسف ، إبتهاجاً بقرب نهاية الحرب الطويلة المرهقة التي شردت أبناء الجنوب في كافة نواحي الوطن ، وفي كافة حدود دول الجوار المتاخمة للجنوب ، وقد كانوا يحلمون بلم شملهم بعد طول فراق لعقود عديدة ماضية ، حيث شهدت تلك الأمسية بجنينة السيد علي بالخرطوم أكبر إحتفال سياسي ووطني تشهده بلادنا طوال تاريخها الحديث ، ولم يعادله حشد جماهيري مهيب إلا عند مشهد تشييع جثمان طيب الذكر السيد أحمد الميرغني المقرونة بعودة مولانا السيد محمد عثمان إلي أرض الوطن في العام 2008م .
ولكن ، وبعد قليل بالخرطوم ، لم تدم هذه النعمة النادرة الحدوث طويلاً ، نعمة مبادرة السلام الخلاقة ، فقد حيكت الدسائس وبسرعة البرق ، وأطلت المكايدات وطغي الحسد الواضح الملامح علي تفكير العديد من الساسة القابضين علي رقاب شعوب أحزابهم ، بسبب السلام الذي إقتربت خطواته وقتذاك ، ففضلوا عليه ثقافة الحرب والدمار وزهق الأرواح العزيزة حتي يضمنوا الكسب السياسي المؤقت ، فاُسقطت وأغتيلت ( غيلة ) تلك المبادرة الباهرة داخل دهاليز البرلمان وفي ذات المبني الحالي المطل علي النيل بأ مدرمان في يناير 1989م ، ومنذ ذلك الوقت كاد جريان هذا النيل العظيم أن يتوقف بسبب سحائب الحزن التي غطت علي جميع أرجاء البلاد ، وربما حتي اللحظة ، وربما لزمان طويل قادم أيضاً ، فمن منا لم يفقد عزيزاً بالجنوب فيما بعد من خلال سنوات محرقة الحرب اللعينة ؟؟ مما يؤكد المقولة التي تقول أن شعب السودان فعلاً غير محظوظ مطلقاً حيث كانت تتحكم في مكوناته السياسية مثل أولئك القادة السياسيين من ضيقي الأفق والخبرة الخلاقة ، لأن هناك خبرات عريضة ، غير أنها كانت غير خلاقة ، فأتت بهذا الدمار الحالي وربما المستقبلي أيضا ، فلا تزال الرؤية السياسية السودانية القادمة غبشاء الملامح.
المهم ... سقطت حينذاك في يناير 1989م حكومة الوفاق الوطني الثلاثي وفقدت رشدها السياسي وقد خرج الحزب الإتحادي إلي المعارضة بعد رفض الشريكين الآخرين لمبادرة السلام السلام . لكن وبرغم ذلك كان هنالك بصيص امل ، فعند الإستفاقة من الغيبوبة السياسية في وقت لاحق من العام 1989م بعد مذكرة الجيش الشهيرة في فبراير 1989م ، إستعاد السياسيون وعيهم للدخول في إعادة الحياة لمبادرة السلام مرة أخري ، فبدأ الإتصال بالحركة الشعبية ، ووقتها كان الآخرون من الجانب الآخر ، قد أعدوا العدة لحرمان شعبنا من نعمة السلام القادم عمداً ومع سبق الإصرار والترصد ، وهم من الذين سبق لهم أن أطلقوا الرصاص علي منزل الزعيم بالخرطوم (2) ، ولكنهم في هذه المرة قد تلبسوا بزي جيشنا العظيم فتحركوا بليل حسب تخطيط الشيخ الذي لايزال هو وأنصاره يفاخرون بذلك عند حواراتهم مع الصحف في ذكري الإنقلاب من كل عام ، فماتت الحريات وتيتمت الديمقراطية وترملت ثقافة شعبنا المحب للسلام. ومنذ ذلك الوقت إنطلق الرصاص في كافة أقاليم الجنوب ، داخل غاباته ووديانه وسهوله وأنهاره التي غمرتها الدماء الطاهرة بلاسبب جنتها ، غطتها وبكل كثافة ، وظلت الحرب الهوجاء تحصد الأرواح الشباب من الجنوب والشمال علي السواء و بكل رعونة وعدم وعي وإدراك وإزدراء تام كان يلازم ذلك .
وبعدها دخلت البلاد بكل إرثها الجميل داخل النفق المظلم ، وفقدت بلادنا في عقد واحد فقط من الزمان مليونين من الأنفس وملايين من الثمرات ورؤس الماشية ، وكان نتاج كل ذلك ظهور الملايين أيضاً من حرائرنا
(العوانس) بالشمال والجنوب علي السواء حتي اللحظة ، فضاعت الثروات ، وتشتت العائلات ، بل ومات الإقتصاد إكلينيكاً ، ولم يفق بعد ، وإنتحرت المشاريع الزراعية الواحدة تلو الأخري في بلد غير مؤهل إلا بالزراعة ، كالجزيرة ومؤسسة السوكي والرهد ومؤسسة حلفا وغيرها ، حتي بيعت تلك المؤسسات الزراعية مؤخراً لمؤسسة سكر كنانة التي لا تعرف مثل هذا النوع من النشاط الزراعي ، تماماً مثلما بيعت بنوك شعب السودان لمستثمرين عرب ، ظلوا لعدة شهور موقوفين قانونيا في بلادهم للتحقيق بحسب ما ورد في صحف الخليج غير مرة بسبب التجاوزات المالية في مسائل توظيف أموال مواطنيهم هناك.... فتأمل !!!!
كما توقفت ماكينات صناعة النسيج في كل الأرجاء وتشردت العمالة بمئات الألوف بسبب إشتداد الحرب التي نتجت كتداعيات لإسقاط مبادرة الميرغني قرنق .. وذهبت الخدمة المدنية الراقية مع الريح وإلي غير رجعة ، وهاجرت الكفاءات من بلادنا بالملايين وإلي غير رجعة أيضاً. أليست هي الحرب اللعينة التي إشتعلت منذ تغييب الديمقراطية حين أخذت هذا الشباب كله في غمضة عين وعلي حين غرة ؟؟؟ فمن المسؤول يا تري عن هذا الفقد الجلل ...
سؤال يظل هذا السؤال مطروحاً في سجلات التاريخ ، وغير مطلوب الإجابة عليه الآن !!!! علما بأن صحافتنا لن تستطيع ولاترغب في سرد هذه الحقائق للجيل الجديد من أبناء شعبنا ، وهي بذلك تسبب أضرارا للسلطة الحاكمة وليس العكس ، فالسلطة الآن تراجع الكثير وتتمني علي عجل عودة الديمقراطية كاملة الدسم وبأسرع ما يمكن بعد أن فشلت أدبيات الحكم الشمولي في كل العالم بسبب إنتشار ثقافة حقوق الإنسان في كل مكان، فق تحقق دخول كل المنظومات الدولية إلي عالم الحريات الكاملة والديمقراطية الخلاقة التي تحفظ للجميع حقوقهم وتحفظ لموارد الدول موكناتها ، وإكساب المناعة لها من الفساد السياسي بسبب إنعدام الشفافية الناتج من عدم الرقابة المالية للمال العام. فالشعوب الآن تعيش وتنمو تحت ظلال الحريات الخلاقة ايضا .
ونحن حين نرقب و بكل الشوق إستكمال خطوات البناء الديمقراطي الجديد ، فإن الأمل يظل يحدونا بأن تتوازن الأمور مجدداً لتضع كل القوي الوطنية أمر البلاد وأمر شعبها الصابر في حدقات عيونهم ليثمر السلام الإجتماعي خيرا وبركة ورداً للحقوق .. برغم عثرات وعقبات ومتاريس التعويق التي ترتجف من دخول رياح الحريات الكاملة والعادلة ، حيث تبقي النوافذ مشرعة ، وحيث تتفتح ملايين الزهور في بلادنا عبر فتحات صناديق الإنتخابات ذات الشفافية الكاملة التي خبرها شعبنا من قبل ثلاثة مرات عبر تاريخه السياسي راضيا بنتائجها دائما ، فلابد من توديع طريقة مسلسل البيعة البائس الذي كان سائداً ردحاً من الزمان بمافيه من تغييب لإرادة الجماهير السودانية الراقية والمتفهمة لكل شيء . فحين يتحقق التحول الديمقراطي كامل الدسم ذات يوم عبر الإنتخابات الحرة النزيهة ، ستغادر بلادنا وإلي غير رجعة ثقافة الكبت والعنف والهمز واللمز والوقيعة ، ذلك أن معظم الحاكمين الآن باتوا يؤمنون وبقناعات تامة بأهمية توافر سلطة القانون العادل في كل شيء جنبا إلي جنب مع تعميق وترسيخ الفهم الديمقراطي تارة أخري ، ومادون ذلك سوف تذروه الرياح ، ونأمل أيضاً أن تتسع ثقافة الأحزاب للتحول الديمقراطي بداخلها ، بإبعادها لجيوش الكسالي والطامعين والبائعين لقضايا شعبنا أيضا ، فتلك طبيعة الأشياء ونواميس الكون ، فإردة الله فوق الجميع ، وهو رحيمُ ُ بشعب السودان .... وكل عام وشعبنا بخير ،،،،،


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.